يمكن لمتابعى مسيرة منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) اصدار شهادة ميلاد جديدة للمنظمة فى 23 مارس الماضى وتسجيل هذه الولادة رسميا فى أول ابريل الجارى وذلك بعد أن برزت عدة تكهنات وتوقعات يستند بعضها الى معطيات كانت قائمة فى أسواق النفط العالمية تقول بأن المنظمة قد انتهت أو أنها فى طريقها الى اعلان الوفاة . وقد جاء ما يمكن أن يطلق عليه الولادة الجديدة لمنظمة (أوبك) مع ولادة أول وأهم اتفاق توصلت اليه المنظمة منذ عام 1986 وانعكس بشكل واضح وكبير فى ارتفاع اسعار النفط بحدود خمسة دولارات للبرميل الامر الذى أثبت أن (أوبك) مازالت حية وقادرة على اتخاذ القرارات الجيدة والمناسبة للتعامل مع أوضاع السوق بعد أن تدهورت الاسعار بمعدلات كبيرة وبرزت أوبك فى السنوات الاخيرة عاجزة عن اتخاذ القرارات التى تمكنها من قيادة الاسواق والدفاع عن الاسعار التى وصلت الى أدنى مستويات لها منذ سنوات طويلة. وبالطبع ان الولادة الجديدة لمنظمة (أوبك) تبشر بأن المنظمة ستلعب دورا مهما فى الفترة المقبلة فى تحقيق الاستقرار فى أسواق النفط العالمية والدفاع عن الاسعار عند مستويات معقولة ومقبولة لهذه السلعة الاستراتيجية وتحقيق الدول المنتجة عائدات مجزية تمكنها بالدرجة الاولى من الاستمرار فى عمليات تطوير صناعتها النفطية وتوظيف استثمارات ضرورية تمكنها من الاستمرار فى اداء دورها الاساسى فى توفير امدادات كافية من النفط الخام والغاز للاسواق العالمية الامر الذى يشكل ركيزة اساسية لاستمرار النمو فى الاقتصاد العالمي. فولادة (أوبك) الحديثة ارتبطت أساسا باتفاق فيينا فى 23 مارس الماضى ولكن استمرار الحياة فى عروق (أوبك) يعتمد بدرجة أساسية على التزام الدول الاعضاء بهذا الاتفاق التاريخى الذى توصل اليه وزراء النفط فى الدول الاعضاء. ويقضى الاتفاق بأن تخفض دول أوبك (عدا العراق) انتاجها بمقدار 7ر1 مليون برميل يوميا وتؤيدها فى ذلك دول منتجة أخرى من خارج أوبك بتخفيض انتاجها بمقدار 400 الف برميل يوميا ليصل مجموع التخفيض الى حوالى 1ر2 مليون برمىل يوميا. وتنبع أهمية هذا الاتفاق من كونه قد حظى بدعم قوى من جانب جميع الدول الاعضاء فى أوبك ومنتجين رئيسيين من خارج المنظمة غير أن هذا الدعم والتأييد للاتفاق سيكون محل اختبار ومراقبة اعتبارا من أول ابريل الجارى الموعد الرسمى لسريان هذا الاتفاق لمدة عام. وقد أكد جميع وزراء (أوبك) فور الاعلان عن توصلهم للاتفاق عن التزام دولهم بالتخفيضات الانتاجية التى ستتحملها كل دولة مستذكرين فى ذلك النتائج السلبية لعدم الالتزام بالاتفاقات السابقة والتى تسببت بخسران دول (أوبك) فى عام 1998 حوالى 60 مليار دولار من عائداتها بسبب انهيار اسعار النفط. وسيكون الالتزام بالمعدلات الانتاجية الجديدة والمقررة للدول الاعضاء مدفوعا فى الوقت ذاته بالتحسن الكبير الذى طرأ على اسعار النفط منذ استشعار الاسواق النفطية لجدية (أوبك) ودول منتجة رئيسية أخرى فى الوصول الى اتفاق متميز لخفض الانتاج. فقد حققت أسعار النفط ارتفاعا ملحوظا ترك تأثيرات ايجابية مهمة على اروقة منظمة (أوبك) خلال انعقاد المؤتمر الوزارى الذى توصل الى أسرع وأهم اتفاق للمنظمة فى السنوات الاخيرة. وقد اجمع غالبية الوزراء بعد اقرار الاتفاق ان اسعار النفط ستحقق مزيدا من الارتفاع وتوقعوا ان تبلغ الاسعار بنهاية العام الجارى حوالى 18 الى 20 دولارا للبرميل من نفط (غرب تكساس) القياسى وحوالى 16 دولارا لنفط (برنت) القياسى العالمي. وتشعر الدول المنتجة للنفط بارتياح كبير الان لوصول سعر خام برنت خلال الاسبوع الماضى الى مابين 14 و15 دولارا للبرميل الامر الذى يؤكد التوقعات بارتفاع اسعار النفط. ولكن يجب ان يكون هذا الارتفاع فى الاسعار دافعا للدول الاعضاء فى (اوبك) والدول المتعاونة معها فى الاتفاق الاخير نحو الالتزام بالاتفاق وليس سببا لاغرائها فى القيام بتجاوزات انتاجية تحت تأثير الانتفاع المؤقت والسريع من ارتفاع الاسعار. فالتجارب السابقة فى مثل هذه الامور كانت قاسية على جميع المنتجين ويتعين الاستفادة منها. ولكن يبدو ان التجربة السابقة والقاسية التى طالت الجميع وفقت وزراء نفط اوبك بعد التوصل الى اتفاقهم التاريخى فى 23 مارس الماضى فى فيينا الى اعطاء مؤشرات قوية على الالتزام بالاتفاق الجديد فالاتفاق مر قبل الاعلان عنه رسميا بعدة مراحل كان من اهمها مرحلة لاهاى ومرحلة ابوظبي. فقد تكون الاتفاق الاخير بصورته الاولية فى اتفاق توصلت اليه خمس دول من اوبك وخارجها بداية مارس الماضى فى لاهاى بهولندا على خفض الانتاج بما يزيد عن مليونى برميل يوميا. واخذ هذا الاتفاق اهم دعم وتأييد فى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فى اجتماعها بابوظبى فى العشرين من مارس الماضى وقبل ايام قليلة فقط فى اجتماع فيينا الامر الذى ساهم فى ولادة الاتفاق واعادة ولادة اوبك من جديد. فقد اعطى البيان الختامى الذى حمل عنوان (بيان ابوظبى) تأييدا قويا لاتفاق لاهاى وبات واضحا بعد اجتماع ابوظبى ان الاتفاق سيولد بقوة فى فيينا وهو ما حدث فعلا. وكان تأثير اجتماع ابوظبى نابعا بالدرجة الاولى من ثقل دول المجلس فى صناعة النفط والاسواق العالمية ومن اهمية بيان ابوظبى الذى صدر فى ختام الاجتماع برئاسة معالى عبيد بن سيف الناصرى وزير النفط والثروة المعدنية واعلان معاليه فى ختام الاجتماع عن تخفيض دولة الامارات لانتاجها من النفط الخام بمقدار 157 الف برميل يوميا. وجاء بيان ابوظبى مؤشرا قويا على تأييد دول التعاون لاتفاق لاهاى ودعمها له فى اجتماع فيينا حيث اكد وزراء نفط دول التعاون فى بيان ابوظبى على ضرورة تعاون جميع الدول المنتجة للنفط داخل وخارج منظمة اوبك لدعم اسعار النفط المتدنية ومحاولة الوصول الى سعر عادل للبرميل والعمل على معالجة هذا الوضع باسرع وقت لضمان نمو وتطور صناعة النفط. وأكد بيان ابوظبى تأييد دول مجلس التعاون للتوجهات التى تم الاتفاق عليها فى اجتماع لاهاى فى هولندا والبيان الصادر عنه من حيث اجراء تخفيضات اضافية فى انتاج الدول من داخل وخارج اوبك وبما يكفل سحب فائض المخزون من السوق فى دعم الاسعار. واكدت دول التعاون فى بيان ابوظبى تأييدها وبالتعاون مع الدول المنتجة الاخرى على دعم الاتفاق الذى تم ليعيد الاستقرار للاسواق ويعمل على تحسين الاسعار وذلك من خلال اجتماع منظمة اوبك. وبالفعل تحملت دول التعاون مسؤولياتها فى اجتماع فيينا وتحملت اربع منها هى الامارات والسعودية والكويت وقطر الجزء الاكبر من التخفيض الذى اتفقت عليه اوبك وكان مجموع تخفيض هذه الدول الاربع حوالى 935 الف برميل يوميا تشكل ما نسبته 55 فى المائة من اجمالى التخفيض الانتاجى الذى اقرته اوبك والبالغ 7ر1 مليون برميل يوميا. واذا كان الاتفاق الاخير قد ولد على عدة مراحل فى لاهاى وابوظبى وفيينا فان الالتزام به هو الشرط الاساسى والوحيد لاستمراره ونجاح اوبك وبقائها على قيد الحياة. وهناك شعور قوى من قبل الجميع باهمية الالتزام بهذا الاتفاق خصوصا وانه جاء مدعوما من قبل حكومات الدول الاعضاء فى اوبك. ــ وام