آفاق اقتصادية: عمل المرأة في ميزان الاقتصاد الاسلامي:بقلم-د. محمد ابراهيم الرميثي

نخلص من ذلك الى القول ان الاصل الثابت والغالب في التشريع الاسلامي في الحياة المجتمعية العامة هو الانفصال بين النساء والرجال غير أن الاختلاط بين النساء والرجال يباح بحدود ما تقتضيه ظروف المجتمع ومصالح المسلمين. وهو ليس استثناء من القاعدة العامة , وذلك لانه واقع تعيشه كافة المجتمعات الاسلامية على مر الأزمنة والدهور, ولكنه أيضا اصل له أحكامه وأصوله وقواعده المحكمة ومبادئه الثابتة الراسخة, ولكنه ليس الوضع الغالب على المجتمعات الاسلامية. غير أن هذا الاختلاط ما كان له أن ينسخ دور المرأة في بيتها اطلاقا. فبيت المرأة مملكتها لا يحيى الا بدورها, واذا فقد ذلك الدور ضاع البيت وضاع افراد الاسرة كلهم ومن ثم ضاع أفراد المجتمع حيث أن الاسرة هي لبنة التكوين الاجتماعي. أما في زمننا هذا فأصبح الوضع الغالب على مجتمعاتنا هو خروج المرأة من بيتها الى الاسواق والوظائف وممارسة الأنشطة الاقتصادية, وهذا بحد ذاته ليس عيبا ولا يرفضه الاسلام كما سبق أن بينا. غير أن ما يرفضه الاسلام ويعتبره شاذا وغريبا على مجتمعاتنا هو ما نراه من ممارسات تخرج عن اطار شريعة الله التي سبق أن أوضحنا حدودها في هذا الموضوع, وما ينكره الاسلام كذلك تجاهل المرأة لدورها في المنزل الى درجة ان بعض النساء يتخلون عن دورهن المنزلي كاملا فينسين حقوق الابناء وحقوق الزوج كاملة ويكلنها الى الخدم مما يتسبب في الفساد الاجتماعي الذي تشهده مجتمعاتنا الاسلامية اليوم وضياع أفراد الاسرة وتشتتهم اجتماعيا وفكريا وثقافيا وحضاريا وان كانوا مرفهين اقتصاديا ويعيشون تحت سقف واحد في الظاهر ولكن الباطن يخفي غير ذلك. يقول أهل العلم ان المنكر يسمى منكرا لأن النفس الانسانية الطيبة الطبيعية تنكره وتتقزز منه وتراه شاذا وقبيحا وخارجا عن الفضائل المعروفة. بيد أن ذلك المنكر اذا تفشى في مجتمع ولم يتم نكرانه في حينه فان النفوس البشرية تألفه وتعتاد عليه وتخرج عن طبيعتها الطيبة المألوفة لتصبح نفوسا خبيثة, وذلك لان النفس البشرية تألف الاشياء بحكم طبيعة خلقها وتكوينها, ورويدا رويدا يصبح المنكر مألوفا لدى الناس ثم يعتادون عليه وتتفشى الفواحش وتظهر في المجتمع بعد أن تغيرت النفوس وأصبح المنكر مألوفا ومعتادا. وهذا بالفعل ما نراه اليوم ينتشر بشكل كبير أمام أعيننا على مستوى العالم, وخير مثال على ذلك خروج الكثير من النساء من بيوتهن متبرجات سافرات يخالطن الرجال لحاجة او لغير حاجة دون أن ينكر أحد ذلك المنكر. والحقيقة ان هذه نتيجة طبيعية وحتمية جدا للمجتمعات الاسلامية التي تأثرت كثيرا بالحضارة الغربية ونسيت الكثير من الاحكام والقيم والضوابط والمبادىء الاسلامية بما في ذلك مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهل بعد كل هذا العرض نقول ان الاقتصاد الاسلامي يمنع المرأة من العمل؟ أم نقول ان المرأة مباح لها العمل في اطار الاحكام والضوابط والقيم والمبادىء التي ارتضاها لها شرع الله وكرمها بها الدين الاسلامي الحنيف؟ وأخيرا وليس آخرا فلنتذكر قول الشاعر أحمد رحمه الله الأم مدرسة اذا أعددتها أعددت شعبا طيب الاعراق وهذا هو الدور الحقيقي للمرأة التي تنتج من خلاله أجيالا طيبي الاعراق نافعين لامتهم ووطنهم, وأن ما نراه من انحراف للأحداث وانحراف للبالغين لاشك ان السبب الرئيسي المباشر الذي يكمن وراءه هو تخلي المرأة عن ذلك الدور الهام لها في البيت ونسيانها لحقوق أبنائها وزوجها عليها. فاذا تمكنت المرأة من التوفيق بين دورها الوظيفي خارج البيت ودورها الوظيفي داخل البيت فتلك بركة من الله ورحمة ونعمة لمن يحب من عباده. اما اذا لم تتمكن من التوفيق بين الوظيفتين فبيتها أولى بها, وذلك لأن حقوق الابناء والزوج عليها حقوق شرعية ومن ثم تصبح وظيفتها في البيت وظيفة شرعية واجبة, وشرع الله أحق في ان يتبع والمبدأ الفقهي يقول (أن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة).

طباعة Email