وسط أوروبا وشرقها يعانيان من آثار الأزمة الروسية: 1% انخفاض بمعدل النمو بوسط أوروبا رغم القدرة على تمويل عجز الميزانية

على الرغم من أن دول أوروبا الوسطى والشرقية حققت تطورا متفاوتا, منذ رفع الستار الحديدي, الا أن انهيار الاقتصاد الروسي سيترك بصماته على اقتصادياتها , ولكن بدرجات متفاوته. ودرجة الاصابة بالعدوى الروسية تعتمد على العديد من آليات الانتقال المباشرة وغير المباشرة مثل الآثار المترتبة على الاندماج الاقتصادي مع روسيا, وكذلك ما طرأ من تغير على تقويم الاسواق الناشئة في أوروبا الوسطى والشرقية في أسواق المال العالمية. في السابع عشر من اغسطس 1998 ظهرت الأزمة المالية الروسية على السطح كرد فعل طبيعي لتخفيض الروبل والقرار الرسمي بتأجيل دفع الديون المستحقة, بعد اشتداد الأزمة الاقتصادية, فقد اصيبت الدوائر السياسية والاقتصادية الروسية بالشلل, ولم تتمكن بالتالي من وضع استراتيجية واضحة ومحددة للتعامل مع الأزمة, ومثل هذا الوضع يدفع الى الاعتقاد بأن روسيا ستفشل مرة اخرى بالنهوض من أزمتها الاقتصادية خلال العام الحالي, فالركود الذي أدى الى انخفاض حاد بالانتاج وصل في سبتمبر الماضي الى 5.14% وتدني معدلات الدخل بحوالي 5.11% منذ بداية العام الماضي وضعف الاستثمارات بمعدل 2.6% سيزداد سوءا خلال 1999. أضف الى ذلك ان خفض قيمة الروبل بما يزيد عن 60% وضياع الفرص الاستثمارية بما فيها عمليات التمويل التجارية بسبب عدم توفر الملاءة الكافية وانهيار النظام المصرفي كل ذلك سيؤدي الى خفض الواردات بحوالي 30%. ومن الواضح ان العلاقات التجارية المباشرة بين أوروبا الوسطى والشرقية, من ناحية وروسيا من ناحية اخرى, ستلعب دورا بارزا في تحديد التوجه الاقتصادي خلال العام الحالي, وخصوصا ان الانهيار الحاد في الواردات الروسية سيؤثر سلبا على مبيعات شركائها التجاريين, ويحدث هزة عنيفة في ميزانيات حساباتهم الجارية, وبما أن الصادرات تبقى القوة الفاعلة, وراء النمو في العديد من دول وسط اوروبا وشرقها, فانه يبدو واضحا ان النشاط الاقتصادي سيشهد مرحلة من الركود, ولكن لابد من الاشارة الى أن أهمية روسيا لدول اوروبا الوسطى والشرقية كسوق للصادرات تختلف من بلد الى آخر. فبينما تستوعب روسيا اقل من عشر صادرات اوروبا الوسطى والجنوبية الشرقية, فان قيمة هذه الصادرات تصل في جميع الحالات الى مايزيد عن 20% من اجمالي صادرات دول الاتحاد السوفييتي السابق وما يزيد عن 30% من المعدل العام من صادراتها, أما دول البلطيق فلا تزيد صادراتها الى روسيا عن 18%, بينما تبقى استونيا اقل الدول اعتمادا على سوق روسيا, ولا تزيد صادراتها عن 5.12% من اجمالي الصادرات. وعلى الرغم من أن العوامل الجغرافية تلعب دورا مهما, الا ان نشرة (ترندس) أوضحت في دراسة لها مؤخرا أنها ليست السبب الوحيد وراء تقسيم دول المنطقة الى ثلاث مجموعات. فالدول الرائدة في مجال الاصلاحات تمكنت من اعادة توجيه تجارتها نحو أوروبا الغربية, خلال سنوات قليلة, وأصبح الاتحاد الاوروبي الآن يستوعب ما يزيد عن نصف صادراتها, وعلى النقيض من ذلك, وباستثناء الصادرات السلعية, فان دول الاتحاد السوفييتي السابق لم تتمكن حتى الآن من قطع علاقاتها مع روسيا. فالمنتوجات الصناعية لا ترقى الى المعايير الغربية, وذلك بسبب تأخر عمليات التحديث والتطوير واعادة الهيكلة وكذلك عدم تحقيق أي زيادة ملحوظة بالاستثمارات الاجنبية المباشرة. أما السلع الوحيدة التي ساهمت في زيادة تدفق رأس المال الاجنبي فبقيت محصورة بالنفط والغاز في كازاخستان واذربيجان. وبينما ستعاني دول الاتحاد السوفييتي السابق بشكل عام, وكازاخستان وروسيا البيضاء ومولدافيا بشكل خاص, عن انحدار حاد في صادراتها بسبب علاقاتها التجارية الوثيقة مع روسيا فانه يلاحظ ان دول أوروبا الوسطى ستعاني من بطء معتدل في نمو الصادرات بسبب الأزمة الروسية, وستبقى بولندا الدولة الاكثر تأثرا في أوروبا الوسطى, خاصة وأنه في عام ,1997 استوعبت روسيا ما يزيد عن 8% من اجمالي صادرات الشركات البولندية, ولكن لان المواد الغذائية تمثل نسبة عالية من هذه الصادرات, فان الانخفاض المتوقع سيبقى ضمن حدود معقولة, أضف الى ذلك ان حجما كبيرا من التبادل التجاري بين روسيا ودول أوروبا الشرقية يقوم على المقايضة, وبالتالي فان الاحصائيات الرسمية لا تعطي صورة واضحة عن حجم التبادل التجاري الحقيقي. أما فيما يتعلق بالدول التي تمر منها البضائع الروسية, مثل عمليات الترانزيت واعادة الشحن, مثل دول البلطيق واوكرانيا وروسيا البيضاء, فان خدمات التصدير ستتأثر بشكل ملحوظ, خاصة في لاتفيا, حيث تشكل الرسوم على تجارة الترانزيت الروسية حوالي خمس اجمالي الناتج المحلي هناك, كما أن المصارف اللاتفية ستكون الاكثر تضررا من الازمة, لانها وفي المقام الاول قدمت الجزء الاكبر من تمويل تجارة الترانزيت, ولانها ايضا كانت تشارك بشكل فعال في سوق رأس المال الروسية. أضف الى ذلك ان الديون الروسية تساوي اكثر من 8% من اجمالي موجودات القطاع المصرفي, كما أن عددا كبيرا من الاجانب غالبيتهم من الروس يسيطرون على خمس المصارف في لاتفيا. ولكن على الرغم من هذه الارقام, الا انه ليس من المتوقع حدوث أزمة مصرفية. أما اذا أرادت دول البلطيق منع حدوث مزيد من التدهور في الميزان التجاري, فانه يتوجب عليها فرض المزيد من القيود على الواردات, من خلال تطبيق سياسة اقتصادية صارمة. ومن شأن هذا احداث زيادة بانخفاض معدلات النمو. بان الاستراتيجية التي تبنتها ليتوانيا والقائمة على تعويض الخسائر الناتجة من التعامل مع روسيا من خلال دفع تعويضات تثير الكثير من التساؤلات وخصوصا أنها تزيد من الطلب المحلي وبالتالي زيادة الواردات. ومن المخاطر الاخرى ذات العلاقة بالركود الاقتصادي, وخصوصا في دول الاتحاد السوفييتي السابق, اعتماد هذه الدول الى حد كبير, على واردات الطاقة من روسيا, قد يدعو هذا للوهلة الاولى الى الدهشة, لانه من المفترض ان تسعى روسيا الى زيادة صادراتها, بما فيها صادرات النفط والغاز حتى تتمكن من زيادة احتياطيها من العملات الأجنبية, ولكن الديون المستحقة على دول الاتحاد السوفييتي السابق, والتي لم تسدد, قد تدفع روسيا للبحث عن مشترين جدد, قادرين على الوفاء بالتزاماتهم المالية, وذلك لخفض صادرات الطاقة الى دول الاتحاد السوفييتي السابق. أطراف ثالثة وبالاضافة الى هذه الآثار المباشرة للأزمة الروسية, هنالك أيضا آثار غير مباشرة على الوضع الخارجي لاقتصاديات أوروبا الوسطى والشرقية. فتخفيض قيمة الروبل ادت الى زيادة القدرة التنافسية للصادرات الروسية, مثل الالمونيوم والحديد والفولاذ, ويلاحظ أنه في هذه القطاعات بدأت روسيا بمنافسة كازاخستان وطاجيكستان واوكرانيا وروسيا البيضاء ومولدافيا في الاسواق الخارجية. وزيادة الصادرات الروسية ستقلل من فرص التصدير لتلك الدول, أضف الى ذلك ان بعض هذه الدول تعتمد اكثر مما يجب على التجارة البينية, فالدول التي تعاني حاليا من الركود, مثل روسيا واوكرانيا, أو المرشحة لدخول مرحلة من الركود في العام الحالي تمثل ما يتراوح بين 30% الى 75% من اجمالي تجارة دول الاتحاد السوفييتي السابق, ومن المتوقع ان تشهد كل من روسيا البيضاء وكازاخستان ومولدافيا بالاضافة الى روسيا مزيدا من التدهور الاقتصادي وانخفاض معدلات الانتاج خلال العام الحالي. واذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية هذه الدول في مجال صادرات أوروبا الوسطى ودول البلطيق, فان هذا التأثير غير المباشر سيجعل من بولندا وبلغاريا واستونيا وليتوانيا اكثر اعتمادا على ما سيحدث في روسيا, فان ضعف الاداء الاقتصادي في أي من هذه الدول سينعكس سلبا على باقي الدول الاخرى. وبالنسبة لاوروبا الوسطى, فان الامر الاكثر اهمية هو التوجهات الاقتصادية في أوروبا الغربية, ومن المتوقع أن يؤدي تراجع أداء الاقتصاد العالمي الى التأثير سلبا على اقتصاد اوروبا الغربية خلال 1999. أضف الى ذلك ان الكثير سيعتمد على نجاح ومرونة الشركات في اعادة توجيه صادراتها الى اوروبا الغربية أو الاسواق المحلية. تقويم متفاوت لقد أدت الأزمة الروسية أيضا الى تقسيم الاسواق الناشئة في أوروبا الوسطى والشرقية الى مجموعتين في سوق رأس المال العالمي وسندات اليورو. فمنذ بداية شهر اغسطس 1996 عندما استفحلت الأزمة الروسية, تضاعفت نسبة المخاطرة ثلاثة أضعاف في كل من المجر وبولندا وسلوفينيا, ووصلت الى ستة اضعاف في كل من اوكرانيا وكازاخستان ومولدافيا وكرواتيا. هناك اشارات مشجعة في بولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفينيا,و ولكن معدل الخطورة على الاستثمارات لايزال مرتفعا جدا في باقي دول أوروبا الوسطى والشرقية, وبالتالي فان قدرة هذه البلاد على تأمين قروض من الاسواق المالية العالمية تبقى محدودة وبالغة التكلفة مما يجعل من المتعذر على هذه الدول سد العجز الذي تعانيه في ميزانياتها, وذلك بسبب ارتفاع الفوائد وزيادة القيود على هذه القروض في حال الحصول عليها. ان تفاقم هذا الوضع المأساوي أدى الى تراجع ثقة المستثمرين الاجانب باقتصاديات هذه الدول وقدرتها على الخروج من الأزمة فالدول التي تعاني من عجز في ميزانياتها والتي طالما اعتمدت على رأس المال الاجنبي لسد ذلك العجز ستعاني الى حد كبير من آثار الأزمة المالية الروسية, وقد ظهر ذلك واضحا في كل من مولدافيا وكازاخستان. فقد أدى تهريب الاموال الى الخارج الى زيادة معدلات الفائدة وتخفيض الميزانيات, الا أن هذه الاجراءات لم تأت بالنتائج المرجوة. فبينما انخفضت العملات المحلية في اوكرانيا ومولدافيا بحوالي 38% و33% على التوالي, يلاحظ أن عملة كازاخستان لم تنخفض باكثر من 6%. الا ان تناقص الاحتياطيات النقدية والعجز في الحسابات الجارية, سيزيد من احتمال اعادة النظر بمعدلات صرف هذه العملات. في أوروبا الوسطى الا أن الصورة تختلف كثيرا في اوروبا الوسطى. فالازمة الاقتصادية الروسية لم تترك سوى آثار محددة على أسواق الاسهم والسندات المحلية. فلدى كل من بولندا والمجر على وجه الخصوص معدلات مرتفعة من السيولة وحصص لا بأس بها من الاستثمارات الاجنبية لا تقل عن 20% في بولندا و18% في هنغاريا. ولكن سوق الاسهم المجرية تعرضت لضغوط اكبر بسبب العجز الكبير في الميزانية العامة والذي ارتفع الى حوالي 5.4% من اجمالي الناتج المحلي. ولكن وجود الاستثمارات الاجنبية لا يجعلنا نميل الى الاعتقاد بحدوث تخفيض في معدلات صرف العملة المحلية, من الناحية الاخرى يلاحظ ان جمهورية التشيك وبولندا استمرتا بخفض معدلات الفائدة من الصيف الماضي من دون أي آثار تذكر على معدلات الصرف على الرغم من الأزمة الروسية. لقد ارتفعت احتياطيات هاتين الدولتين من العملات الاجنبية حتى شهر سبتمبر الماضي على الرغم من هجرة مبالغ كبيرة من المحافظ الاستثمارية. يبدو أن آثار الازمة المالية الروسية لن تظهر قبل نهاية العام الحالي وخصوصا فيما يتعلق بمعدلات النمو والميزانيات العامة فجمهورية التشيك التي شهد اجمالي انتاجها المحلي انكماشا ملحوظا كردة فعل متأخرة للازمة المالية التي بدأت في شهر مايو ,1997 ستكون البلد الوحيد الذي يحقق معدلات اعلى من النمو والتوسع خلال العام الحالي ويعود ذلك الى انها لم تتأثر كثيرا بالازمة الروسية من ناحية, ولان الانخفاض الحاد في معدلات الفائدة على الودائع سيحرك الطلب المحلي من ناحية اخرى ولذلك يمكن القول ان الدول الاخرى ستشهد جمودا في معدلات النمو او تدهورا حادا في النشاطات الاقتصادية بشكل عام. اما في باقي دول اوروبا الوسطى مثل بولندا والمجر وسلوفينيا فإن الازمة الروسية والبيئة التي يفرضها الاقتصاد العالمي ستنخفض فيها معدلات النمو بحوالي 1% على الاقل. الا انه لابد من الاشارة الى ان هذه الدول ستبقى قادرة على تمويل العجز المالي المتزايد في ميزانياتها العامة اما سلوفاكيا فستشهد انحصارا اقتصاديا خلال العام الحالي وذلك ليس بسبب الازمة الروسية وحسب ولكن لان عجز الميزانية العامة سيرتفع حوالي 9% من اجمالي الناتج المحلي نتيجة للمبالغة في قيمة العملة المحلية مما يجعل من المتعذر توفير التمويل اللازم خلال العام الحالي. ان التعامل مع الاثار السلبية للازمة المالية والاقتصادية الروسية يتطلب ادخال تعديلات اقتصادية اوسع واشمل في دول البلطيق بشكل عام ولاتفيا بشكل خاص وذلك لخفض معدلات العجز في الميزانيات العامة, اضف الى ذلك ان تدفق الاستثمارات الاجنبية مرشح للانخفاض في المستقبل لان هذه الدول (لاتفيا واستونيا وليتوانيا) اصبحت اقل اهمية وفقد بريقها كبوابة للسوق الروسية, فإن لم تنجح هذه الدول بوقف التدهور المضطرد في ميزانياتها العامة فإنها ستعاني من ركود اقتصادي ومزيد من الضغوط على العملات المحلية. ان المستقبل يبدو مظلما بالنسبة لدول الاتحاد السوفييتي السابق خاصة بعد ان فقدت مصداقيتها في اسواق المال العالمية مما قد يجعل من المستحيل تمويل العجز في ميزانياتها العامة. ان مثل هذه الظروف ستدفع بالمستثمرين المحتملين الى اتباع سياسة الانتظار والترقب خلال الاشهر القليلة المقبلة ولكن بما ان الصادرات ستتعرض لضغوط شديدة فان البديل الوحيد المتوفر هو خفض الواردات الى أبعد حد ممكن, الأمر الذي من شأنه ان يترك آثاراً سلبيه على الاقتصاد ويؤدي الى مزيد من التخفيضات في معدلات صرف العملات المحلية. اعداد: سليمان عوض

طباعة Email