في الحقيقة لا يكاد يخلو بحث علمي يتحدث عن اقتصاديات العمل في العالم العربي والاسلامي ولا برنامج تليفزيوني ولا ندوة علمية ولا مؤتمر علمي يتحدث عن ذات الموضوع من التطرق الى عمل المرأة, وذلك نظرا لاهميته بالنسبة للعرب والمسلمين , فنجد بالتالي عددا كبيرا من العلماء والمفكرين المؤيدين لعمل المرأة تأييدا مطلقا وعددا كبيرا آخر من المعارضين له معارضة مطلقة كذلك, وبين هذا الرأي وذاك نجد من يبدي آراء متباينة توفق بين تلك الآراء المتطرفة, والحق سبحانه وتعالى ادبنا وقال لنا (فإن تنازعتم في شىء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) (النساء 59). امتدادا لدعوات التغريب والاباحية التي شهدها العالم العربي والاسلامي وما زال يشهدها نجد الدعوات مازالت مستمرة بشتى السبل والوسائل (لتحرير المرأة) , فما المقصود بتحرير المرأة؟ ومن ماذا (أومن) تحرر المرأة؟ وهل هي مقيدة حتى تحرر؟ لاشك ان المقصود بتحريرها هو عملية تحريرها من الضوابط الاخلاقية والمبادىء والقيم الاسلامية السامية تحت شعارات ومسميات شتى, يأتي على رأسها شعار (نهضة المرأة) والتي قد يكون بعضها كلمات حق يراد بها باطل, وخروجها متبرجة بكل ما وفد لها من وسائل التبرج والتزين تزاحم الرجال في جميع المواقع دون خجل او استحياء, ويأتي علماء الاقتصاد ليزيدوا الطين بلة مقررين ان كافة الاعمال المنزلية للمرأة بما فيها تربية الاولاد انما هي اعمال هامشية لا تعتبر من الاعمال الانتاجية لانها لا تدخل في الحسابات القومية ولا تسوق في الاسواق (اي لاتباع ولا تشترى) وليس لها اسعار تقاس بها قيمها وليس لها عرض ولا طلب يمكن قياسهما بحيث يعرف من خلالهما حجم ذلك الانتاج, ومن هذا المنطلق فالمرأة لكي تكون عضوا منتجا في المجتمع بمقياس علم الاقتصاد فلا بد وان تخرج خارج المنزل وتنافس افراد المجتمع بما في ذلك الرجال وتشارك في الاعمال والانشطة الاقتصادية التي يدخل انتاجها في حسابات الدخل القومي, ان هذا الوقود الذي يصب على النار المشتعلة, لاشك, يزيد من اشتعالها. ومن هذا المنطلق, فإن المرأة تنظر الى الوظيفة خارج البيت على انها هي الوسيلة التي من خلالها تستطيع ان تحقق وتثبت ذاتها وتشبع رغبتها الجامحة في الخروج من المنزل و(التحرر) من القيود التي تشعر بها اذا لم تخرج من المنزل, ويدعم مشاعرها الملتهبة تلك ويؤججها الجو الاجتماعي الذي تعيشه في محيط صديقاتها اللواتي يحملن المشاعر ذاتها, فهي اذا عملت خارج البيت تشعر بقيمة عملها بشكل مباشر, وذلك لان عملها بالفعل يصبح له قيمة اقتصادية واجتماعية مباشرة ومحسوبة يقدرها المجتمع, كما سبق ان اوضحنا, في حين ان عملها داخل المنزل تبقى قيمته مخفية عن المجتمع وغير مباشرة, ولا تدخل بشكل مباشر في الحسابات القومية, ولا في الحسابات والقيم الاجتماعية المعاصرة, ومن هذا المنطلق فهي تشعر بأن لها كيانا مستقلا وشخصية مستقلة اذا عملت خارج المنزل وتحقق بالتالي ذاتها, غير مكترثة بما سيترتب على ذلك من آثار سلبية مباشرة على الاسرة ومن ثم على المجتمع, حيث يكون عملها خارج المنزل على حساب دورها الرئيسي في المنزل فقلما تجد امرأة تمكنت من التوفيق بين دورها الوظيفي خارج المنزل ودورها الرئيسي داخل المنزل بطريقة ناجحة وموفقة.