لم يترك النصف الأول من عام ,1998 وهو أسوأ فترة شهدها الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة, إلا تأثيرا بسيطا على النشاطات الصناعية في المنطقة الأوروبية. فلم يضعف الانتاج الصناعي باستثناء الانشاءات إلا قليلا , وبعد أن ارتفع الانتاج بنسبة 3% في النصف الثاني من 1997 فإن معدل الارتفاع هبط إلى 5.2% في الفترة بين يناير ويونيو 1998. أي انه ظل متفوقا بنسبة 5% على الفترة السابقة له. ولذلك فقد توسع الانتاج الصناعي في الأشهر الستة الأولى من عام 1998 في المنطقة الأوروبية بشكل مماثل لعام 1997 وبنسب أسرع من الانتاج الكلي. وفي الربع الأول والثاني من عام 1998 ارتفع بنسبة 25.0% في كل ربع منهما أي بشكل أسرع من الولايات المتحدة. أما في اليابان فإن الانتاج الصناعي هبط بشدة وبنسبة 2.3%. كما ارتفع معدل انتاج السلع الرأسمالية في المنطقة الأوروبية بسرعة مشجعة. ففي النصف الأول من عام 1998 وصلت نسبة الارتفاع إلى 7%. وعلى العكس من ذلك فإن انتاج السلع التحويلية بدأ يتزايد, مؤخرا, بسرعة أبطأ من السابق, بعد أن حقق ارتفاعات دورية عام 1997. وبفضل نسب الارتفاع السابقة الممتازة, فلا يزال معدل انتاجها الآن قريبا من 6%. لكنه في النصف الثاني من عام 1998 أصيب بالجمود. من جهة أخرى فإن انتاج السلع المستهلكة أو قليلة الاستهلاك قد تحسن أيضا بنسبة 3% و2% على الترتيب. وهذا ما يعزى لعوامل كان لها تأثيرات ايجابية على الاستهلاك الخاص, وتحديدا معدل التضخم المنخفض. وبينما كان الارتفاع عام 1997 يعتمد أساسا على الصادرات, فقد أصبح النمو عاملا أكثر أهمية شيئا فشيئا, حيث تحول الطلب الأوروبي المحلي وبشكل واضح إلى دعامة ثانية للانتاج في النصف الأول من عام 1998. أما في النصف الثاني فإن القوى التي تعزز الاقتصاد قد تحولت أكثر نحو الطلب المحلي الأوروبي. أما الظروف الباقية, والتي تعزز بدورها قطاع السلع الرأسمالية, فهي جيدة, بالتأكيد. فالأسعار في أسواق رأس المال التي تلعب دورا مهما في قرارات الاستثمار طويلة الأجل لا تزال تعد منخفضة. وبسبب النقص الملحوظ في العرض, فإن بعض الصناعات لم تعد قادرة على تأجيل توسيع الطاقة الانتاجية. وعلى الرغم من ان خفض التكاليف سيظل على الأرجح الحافز الاستثماري الأكثر أهمية, فسيكون هناك المزيد من التوسع الاستثماري, الذي يعكس ارتفاعا استثماريا فعليا. والأهم من ذلك أيضا ان العديد من الشركات الصناعية لديها مشروعات استثمارية جاهزة للتنفيذ. وما ان تقتنع بوجود فرصة ربحية, وتحصل على أسعار أقل بالنسبة للمواد الخام المستوردة والسلع التحويلية, حتى تبدأ استثماراتها بالتصاعد. ومع ارتفاع الاستثمارات في المنطقة الأوروبية, فإن الظروف لحصول طلب محلي على السلع المستهلكة وقليلة الاستهلاك ستتحسن أيضا. وإذا ما نظرنا للاستقرار التدريجي الذي تحققه نسب العمالة, والذي يتوسع شيئا فشيئا في دول الاتحاد الأوروبي, اضافة لما يعززه ذلك من زيادة في الأجور وأسعار ثابتة تقريبا للسلع الاستهلاكية, فإن كل ذلك سيوفر فرصة كبيرة لارتفاع الطلب المحلي الأوروبي على السلع الاستهلاكية. ويعتبر تسارع وتيرة التجارة البينية بين دول الاتحاد الأوروبي بنسب أسرع من تجارتها مع طرف ثالث لأول مرة دليلا واضحا على تزايد الطلب المحلي في المنطقة الأوروبية. وكانت صادرات المنطقة الأوروبية إلى دول ثالثة, والتي تهيمن عليها البضائع الصناعية, وتساهم كثيرا في النمو الصناعي القوي, قد تجمدت منذ أواخر صيف 1997. ومع ذلك, وبالنظر إلى الهبوط الاحصائي الكبير في بداية عام 1998 (مستوى الصادرات في بداية 1998 كان أفضل بكثير من معدل 1997), فقد ظلت تحوم حول نسبة 11% سنويا في الأشهر الخمسة الأولى منذ عام 1998. فقد زادت صادرات الصناعة الثقيلة إلى الولايات المتحدة والصين بنسبة 20% وبولندا بنسبة 18% والنرويج بنسبة 13% وروسيا بنسبة 26%, التي لم تكن قد تأثرت بالكارثة المالية, وساهمت في تعزيز نمو الصادرات بشكل تجاوز المعدل. تأثير الأزمة الآسيوية وكما كان متوقعا, فقد هبطت الصادرات إلى دول جنوب شرق آسيا المنكوبة بالأزمة ـ هبطت بشكل كبير, (اليابان -12% هونج كونج -7%). وتستهلك الدول التي عانت الركود عام 1998 أو 1999 (روسيا, اليابان, هونج كونج, اندونيسيا, تايلاند, ماليزيا, كوريا الجنوبية والبرازيل) نسبة 19% من صادرات المنطقة الأوروبية. وبفرض ان الصادرات لهذه الدول ستنخفض عام 1999 بنسبة 25%, فإن ارتفاعا في الصادرات إلى دول أخرى بنسبة 4% فقط سيكون كافيا لتعويض هذه الخسائر. والصناعات في المنطقة الأوروبية تعد أكثر اعتمادا على الأسواق في أمريكا الشمالية وبريطانيا, اضافة لوسط وشرق أوروبا. وبشكل عام, فإن الصادرات يجب أن تعزز النشاطات التجارية ــ الصناعية عام 1998 و1999 بنسب أقل من عام 1997. لكن ذلك لا يعني, على كل حال, حدوث انهيار بالنسبة لها, بل ستحافظ على اسهام ايجابي في النمو الاقتصادي (+3% عام 1999 بعد أن كانت +7% عام 1998). ويتوقع للصناعة في المنطقة الاوروبية ان تستمر بالنمو وان كان ذلك بسرعة أقل. فبعد ان بدأت بداية ايجابية عام ,1998 ارتفع الانتاج بحدة حتى نهاية العام. كما يتوقع للانتاج الصناعي في فرنسا وايطاليا واسبانيا والنمسا وفنلندا وايرلندا ان يتوسع بنسب أكبر قليلا من المعدل. ويتمتع منتجو السلع الرأسمالية حاليا بأعلى نسب للنمو. وينتظر لهم ان يحققوا نسبا تصل الى 5% هذا العام, وعلى العكس من ذلك, فان التصاعد الدوري للسلع الاساسية قد وصل نهايته بالفعل, فطلب الزبائن الآن قريب جدا من الصفقات التي تتم بالفعل, كما ان المخزونات الموجودة قد تم تقليصها. وفي هذا القطاع, بالتحديد, سيكون من الصعب تحقيق مستوى الانتاج نفسه الذي تحقق في العام 1997 بل سيكون ذلك اشبه بالمستحيل. وكما تعرفها الاحصائيات الاوروبية الرسمية, فان السلع التمويلية لا تضم فقط السلع الاساسية فحسب, وانما العديد من السلع الاخرى التي يمكن تصنيفها كسلع رأسمالية (وهذا ما يكبح النمو الاقوى). ويتوقع لانتاج السلع التحويلية ان يرتفع 3% هذا العام. اما بالنسبة لانتاج السلع محدودة الاستهلاك فيتوقع لها ان تزداد بنسبة 3%. بينما يتزايد انتاج السلع الاستهلاكية بنسبة اقل وبحدود 2%. وفيما يتعلق بالصناعات الانشائية فلن تساهم الا بجزء يسير في النمو الصناعي. وبعد اداء ضعيف في العامين الماضيين, يتوقع للصناعات الانشائية ان تحقق نموا متوسطا وبحدود 1% هذا العام. وكل هذه الزيادة تقريبا ستتركز في قطاع الهندسة الانشائية, اما بالنسبة للهندسة المدنية فلن تتزحزح عن حالة الجمود التي تشهدها, لكن وبعد هبوطها بنسبة 2% عام ,1997 فهذا يعني ان اثرها على حركة صناعة الانشاءات لن يكون سلبيا على الاقل كما كان سابقا. وأخيرا, فان قوة الارباح في الصناعة الاوروبية التي ارتفعت بحدة عام 1997 ستحقق ارتفاعا اكبر عام 1999 ولكن بمعدل اقل, بينما تتزايد تكلفة الاجور في الوقت الذي تتباطأ به الانتاجية. اي ان نفقات العمالة على كل وحدة انتاجية ستتزايد ثانية وان يكن بشكل هامشي, في الوقت الذي يتوقع لاسعار كثير من المواد الأولية ان تتحسن مع ان ارتفاع قيمة اليورو خارجيا سيعوض هذه الزيادة, وبالنتيجة فان النفقات الاجمالية للصناعات التحويلية سترتفع ايضا بشكل خفيف فقط, كما يتوقع للصناعة ان تكون قادرة على ان ترفع قليلا من الاسعار في السوق المحلي. بعد ان كانت هذه الاسعار قد انخفضت مؤخرا. وعلى العكس فان هذه الصناعة ستكون اقل تنافسية في الاسواق الاجنبية وستكون مجبرة بشكل متزايد على تخفيض اسعارها. وفي المقابل فان تزايد المبيعات سيعوض ذلك عن طريق تحسين الربحية. نظرة على الصناعة الالمانية تراجع الطلب على المنتجات الصناعية الالمانية في اشهر صيف 1998 لكن ذلك لا يعني ابدا توقع حدوث تراجع في النمو الصناعي. فأرقام واحصائيات الصناعة تشير الى حدوث تراجع موسمي بنسبة 2% بين يوليو وسبتمبر, مقارنة بالربع الثاني من العام حيث كان الطلب في قمته. ومع ذلك فقد كان الطلب في الفترة نفسها من العام الذي سبقه اعلى بنسبة 2% وفي الاشهر التسعة الاولى من عام 1998 ارتفع الطلب المحلي والخارجي لما يقارب 5%. ومقارنة بعام 1997 فان الطلب الخارجي الاجمالي قد انخفض بنسبة 1% في الربع الاول من عام 1998. فبعد ارتفاع كبير وصل 14% في 1997 هبط معدل النمو في الاشهر التسعة الاولى من عام 1988 الى 4% فقط. ونتيجة لذلك فان ثقة قطاع الاعمال بصناعات المانيا قد صنفت, حيث اظهر استطلاع بين الشركات التجارية انخفاضا في التوقعات على مدى عام مستقبلي, كما قدموا تقديرا اكثر سلبية عن حالتها الراهنة بضعف الفرص التصديرية. ومن جهة اخرى فقد فشل الطلب المحلي في ان يعوض الانخفاض في الطلب الخارجي الحالي. وبعد ان تراجع قليلا في اشهر الربيع, عاد وتجمد حتى سبتمبر. وبالنسبة للطلب على الانشاءات, فقد استقر ايضا, ولاول مرة منذ اربع سنوات, لم يعد يتراجع. وحققت الصناعات الانشائية هذا الاستقرار في اشهر يناير واغسطس 1998. لكن اكبر المساهمين في هذا النمو كان قطاع الهندسة المدنية وبفضل المشاريع الحكومية, حيث حقق نموا بنسبة 4%. كما تسارع معدل نمو انتاج السلع الاستهلاكية والسلع الرأسمالية ليتجاوز 10% و8% على التوالي, ومن جانبه حافظ انتاج السلع التمويلية على معدل نمو يبلغ 6.5%. وبالنسبة للعام الحالي يتوقع للنمو الصناعي الالماني شأن المنطقة الاوروبية بأسرها ان يكون بطيئا, وهذا البطء سيكون اكثر وضوحا في المانيا التي تعتمد كثيرا على التصدير, ويتوقع لهذا النمو ان يكون بحدود 3% هذا العام. وفيما يتعلق بالصناعات التحويلية فستعود لتقدم اسهاما ملحوظا في النمو الصناعي فيما عدا الصناعات الكيماوية والحديد والفولاذ والاسمنت. بينما تستمر صناعات البلاستيك والمطاط والزجاج في التوسع. كما يستمر منتجو السلع الرأسمالية في تعزيز الصناعة من خلال نمو متوسط بسبب الارتفاع المستمر في الطلب على الاستثمارات في اسواق مهمة من غرب اوروبا ووسطها. واخيرا, فان العديد من صناعات السلع الاستهلاكية ستبقى متأثرة, ولو لحد اقل, بالمصاعب البنيوية, على كل حال فان تطور ظروف الاستهلاك الخاص سيحسن من حالة عدد متزايد من القطاعات الصناعية. فالطلب الداخلي على السلع الاستهلاكية, التي تلعب دورا مهما في ظل تراجع الصادرات, قد تزايد بشكل ملحوظ من العام 1997. وبالنسبة لصناعة الاغذية, التي تشكل اهم قطاعات صناعات السلع الاستهلاكية, يتوقع لها ان تتزايد بنسبة 2% هذا العام, والامر نفسه ينطبق على صناعة المفروشات. ومن ناحيتها قد تتمكن الصناعة النسيجية, ولأول مرة خلال السنوات الماضية في ان تتجاوز معدل الانتاج المالي, بينما الصناعات الجلدية وصناعة الملابس لن تنجح بذلك على الاغلب. اعداد : جلال الخليل