قال عبدالكريم المدرس الامين العام ورئيس الجهاز التنفيذي لغرفة التجارة العربية البريطانية ان الدول العربية التي تتعامل تجاريا على نطاق عالمي سوف تتمنى نجاح (اليورو) فقد اصبح الاتحاد الاوروبي اليوم اكبر سوق تجارية في العالم ولا شك في ان اداء مثل تلك السوق الضخمة سيؤثر علينا جميعا بدون استثناء وبغض النظر عن الاطراف او المناطق التي تتاجر معها مشيرا ان نجاح التعامل في (اليورو) انما سيفرز ثبات النمو في اقتصاديات الاتحاد الاوروبي وسيوفر للعالم عملية دولية يمكن الاعتماد عليها الى جانب الدولار الامريكي. جاء ذلك في تقرير شامل عن انطلاقة (اليورو) تلقته غرف التجارة والصناعة بالدولة. واشار في تقريره الى ان العملة الموحدة للاتحاد الاوروبي (اليورو) الآن من العوامل الهامة على ساحة التجارة الدولية ومع ان هذه المسألة لا تزال موضع جدل, واخذ ورد, من الناحيتين الاقتصادية والدستورية هنا في المملكة المتحدة, إلا ان الحكومة البريطانية تظل ملتزمة ـ من حيث المبدأ ـ بالانضمام الى اليورو, في حالة ثبوت نجاحه, غير ان الاوساط التجارية والاقتصادية مازالت منقسمة الآراء حول هذا الموضوع, حيث اظهرت آخر استطلاعات الرأي العام ان معظم الشعب البريطاني يتشكك من فائدة دمج الجنيه الاسترليني مع اليورو. وقال انه بغض النظر عن انقسام الرأي العام في بريطانيا حول هذه القضية, فهناك احدى عشرة دولة في الاتحاد الاوروبي منضمة الى اليورو, في اطار اتحاد نقدي وثيق غير قابل للإلغاء, ومن الجدير بالذكر, انه لم يسبق قبل الآن ان اتفقت احدى عشرة دولة اوروبية, لا تزال محتفظة بسيادتها في اطار القانون الدولي ـ على اعتماد التعامل بعملة واحدة يشرف على شؤونها بنك مركزي, لا تملك أي من تلك الدول سواء منفردة او مجتمعة اي سلطة عليه, من الناحية القانونية. واكد ان الامر لم يأت من فراغ, فقد كانت البنوك المركزية للدول الاوروبية المعنية عاكفة منذ فترة طويلة, وبالتنسيق مع وزراء مالياتها, على دراسة هذا المشروع الذي استند اساسا الى معاهدة تشريعية, والذي تم تطويره في اطار عمل الاتحاد الاوروبي, ومؤسساته التشريعية الراسخة. وأوضح ان هناك احدى عشرة عملة اوروبية قيمة صرفها ثابتة مقابل اليورو, ولا تستطيع اي من الدول الاحدى عشرة تعديل قيمة عملتها على ان الامر المهم يتمثل في قيمة اليورو نفسه مقابل سائر العملات الدولية الاخرى ولاسيما الدولار الامريكي (الذي سينافسه اليورو الآن كعملة احتياط) وعلى هذا الاساس, ستسفيد منطقة اليورو التي تضم احدى عشرة دولة اوروبية من ظروف اقتصادية اقل تعرضا للتقلب عما كانت عليه في الماضي. وشار الى انه بالرغم من انطلاقة اليورو جاءت سلسة وجيدة الاعداد والتنظيم, إلا انه ينبغي عدم تجاهل الاصوات المتسائلة في بريطانيا عن امكانية نجاح اليورو, على المدى الطويل في خلق كتلة اقتصادية متجانسة, تؤدي بالتالي الى خلق كتلة سياسية اتحادية (فيدرالية) , ولكن مع كل هذا, لا يزال هناك العديد من الاختبارات المستقبلية الصعبة التي سيتعرض لها اليورو في السنوات القليلة القادمة, حيث سيظل ينظر اليه على انه عملة غير مجربة عمليا, الى ان يخضع ويتعرض للضغط, لتتضح مدى استجابته وصموده امام ما قد يتعرض له حتما. واوضح انه ومع ان الدول الاحدى عشرة التي تشكل كتلة الوحدة النقدية, ليست متماثلة من حيث واقعها الاقتصادي إلا انها اصبحت تتمتع حاليا, على الاقل, بنفس معدلات سعر الفائدة, بالرغم من اختلاف هيكلها الصناعي والتكنولوجي, وتفاوت معدل نموها الاقتصادي, علاوة على تفاوت واختلاف ثرواتها القومية العامة, وعلى سبيل المثال, يصل الدخل المعاشي في اسبانيا الى نصفه في المانيا, اضافة الى التغاير الكبير في ظروف الرعاية الاجتماعية بين البلدين. وافاد انه كان من الممكن ان تكون هذه العوامل اقل تأثيرا لولا حقيقة ان الحكومات الاحدى عشرة, التي لا تزال قائمة, تشكل وحدات سياسية مستقلة, على عكس التركيبة السياسية للولايات المتحدة الامريكية. حيث ان دول الاتحاد الاوروبي الاحدى عشرة التي تضمها هذه الكتلة النقدية الموحدة تبقى في واقع الامر كيانات ذات سيادات سياسية ومسؤولة امام جماهير الناخبين في كل دولة منها, وستظل تلك الجماهير دائما تحمل حكوماتها مسؤولية القضايا الاقتصادية والشؤون الاجتماعية, كخلق فرص العمل, والبطالة, ومدى صيانة مستويات الرفاهية الاجتماعية. وقال انه وبالاضافة الى ذلك, لا يزال هناك عدد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية, والبعض منها جوهري, بين مجموعات الشمال والجنوب في دول الاتحاد الاوروبي الاحدى عشرة المنضمة الى اليورو, فيما يحتمل ان تتصاعد الضغوط والتوترات, نظرا لان السياسة النقدية الموحدة وما يصاحبها من معدل فائدة واحدة, لا تعير مثل تلك الفوارق اي اهتمام, ولكن السؤال البارز الآن هو: هل ستظل حكومات الاتحاد الاوروبي متفائلة, وواثقة من وجود بنك مركزي اوروبي يتولى تحديد معدلات الفائدة حتى وان ترتب على تلك المعدلات ضغوط اقتصادية تضر بفرصها ومصالحها الانتخابية, وهذا السؤال ستختلف الاجابة عنه من بلد لآخر, خلال السنوات القليلة القادمة. وقال ان بميلاد العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) في اول يناير 1999 يكون الاتحاد الاوروبي قد استكمل الوحدة النقدية وانجز اقامة سوق داخلية موحدة بعملة واحدة صحيح ان الوحدة النقدية لم تضم كافة اعضاء الاتحاد الاوروبي, وان اربع دول لا تزال خارج اطار الوحدة النقدية, إلا ان الاحدى عشرة دولة المكونة لنواة الوحدة النقدية تضم اكبر ثلاثة اقتصاديات في اوروبا, وهي المانيا, وفرنسا, و ايطاليا والقوة الاقتصادية الكبرى الاوروبية التي لا تزال خارج الوحدة النقدية هي: المملكة المتحدة التي يتوقع لها الانضمام بعد الانتخابات العامة القادمة (مايو 2002) بعد استطلاع رأي الشعب البريطاني في استفتاء عام, كما يتوقع لليونان ان تنضم في عام 2001, والدانمارك والسويد خلال العقد الاول من القرن الحادي والعشرين. وقال ان البنية الاولى لهذه الوحدة الاقتصادية والنقدية لاوروبا كانت مجرد اتفاق حول الفحم والحديد, تلاه اتفاقية روما في عام 1957 التي اقامت بمقتضاها ست دول اوروبية السوق المشتركة, ثم انضمت تباعا العديد من الدول الى هذه المجموعة, في الوقت الذي تطورت فيه السوق الاوروبية المشتركة الى الاتحاد الاوروبي, واصبح عدد الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي الآن 15 دولة امتدت حدوده الى حدود الاتحاد السوفييتي (سابقا). واوضح ان الزعماء الاوروبيين نجحوا في تحقيق الوحدة النقدية, لان هؤلا الزعماء الذين تعاقبوا على الحكم على مدى نصف قرن ـ ايقنوا ان المصلحة العليا لاوروبا, وسلامة امنها, ورفاهية شعوبها, تقتضي تحقيق هذه الوحدة, ومع يقينهم بعدم توفر وحدة الرأي, وتضارب المصالح الوطنية للدول المختلفة, إلا انهم آمنوا ايمانا لا يداخله اي شك بأن الحوار والتفاوض كفيل بحل اي خلاف, وكفيل بتضييق الفجوات بينهم مهما اتسعت, وتبنوا المرحلية في كل شىء لكي يصلوا الى غايتهم, فالاتفاق على مراحل والتنفيذ على مراحل فليس من الضروري ان يتفقوا على كل شىء وينفذوا كل شىء جملة واحد, وقد استفادوا من المرحلية في تليين المواقف والتقريب بين وجهات النظر المختلفة فالحكومات المتعاقبة لها مواقف مختلفة, وما ترفضه دولة ما اليوم في ظل الحكومة الحالية, قد تقبله غدا في ظل حكومة اخرى, والمرحلية معناها الاستمرار في البناء, وانطلاق كل حكومة من حيث انتهت اليه الحكومة التي سبقتها, فالحكومات المتعاقبة لم تحاول هدم ما تبنته الحكومات السابقة, ففي عام 1978 اقيم نظام النقد الاوروبي, بفضل جهود المستشار الالماني هيلموت شميت, والرئيس الفرنسي جيسكار ديستان, ورئيس المفوضية الاوروبية البريطاني روي جينيكينز, وسار على خطى هؤلا المستشار الالماني هيلموت كول والرئيسان الفرنسيان ميتران وشيراك, ورئيسا المفوضية الأوروبية الفرنسي جاك ديلور واللكسمبورجي جاك سانتير. ومهدت مؤتمرات القمة للزعماء الأوروبيين الطريق إلى تحقيق الوحدة النقدية, وكانت قمة ماستريخت في ديسمبر 1991 ــ هي التي أنجزت فيها معاهدة الوحدة الأوروبية, ورسمت هذه المعاهدة البرنامج التفصيلي لانطلاق الوحدة النقدية في يناير 1999 ووضعت هذه القمة المعايير التي تتأهل بمقتضاها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لعضوية الوحدة النقدية. واستهدفت هذه المعايير تحقيق أقصى مستوى للتناسق بين اقتصاديات الدول التي ستكون نواة الوحدة النقدية مثل: المحافظة على استقرار الأسعار, وألا يزيد متوسط معدل التضخم في أي دولة بأكثر من 5.1% عن متوسط أقل ثلاثة معدلات للتضخم في الأوروبي. وألا يتعدى عجز الميزانية والدين العام 3% و60% من اجمالي الناتج المحلي. وضرورة بقاء عملة الدولة في آلية ضبط أسعار صرف العملات الأوروبية لسنتين على الأقل. واقامة جهاز النقد الأوروبي كمؤسسة مرحلية تتحول فيما بعد إلى البنك المركزي الأوروبي. وكان اتجاه الزعماء الأوروبيين واضحا وحازما على بدء الوحدة النقدية في أول يناير ,1999 بصرف النظر عن عدد الدول التي ستكون مؤهلة, وبصرف النظر أيضا عما إذا كانت الظروف الاقتصادية ستكون مواتية أم غير مواتية. وبمقتضى هذه المعاهدة ألزمت دول الاتحاد الأوروبي نفسها بالوحدة النقدية, فيما عدا بريطانيا والدنمارك اللتين استثنيتا من شرط الانضمام إلى الوحدة النقدية في موجتها الأولى في أول عام 1999. وبناء على هذه المعايير ــ اختارت القمة الأوروبية في بروكسيل في مايو 1998 الإحدى عشرة دولة المكونة لنواة الوحدة النقدية. كما عينت القمة الهولندية (دوسينبرج) ليكون أول رئيس للبنك المركزي الأوروبي, وعينت أيضا باقي أعضاء المكتب التنفيذي للبنك. هذا, وتختلف وجهات النظر حول اليورو, فالمؤيدون يعددون مزاياه, والمعارضون يبالغون في ابراز عيوبه. ولكن الخبراء يرون في اليورو بعض المزايا وبعض العيوب أيضا, فهم يرون ان من مزايا اليورو: اختفاء تكاليف ومخاطر عمليات الصرف بعد اندماج العملات الأوروبية في عملة واحدة, كما ان اليورو يوفر الوضوح في الأسعار سواء لرجال الأعمال أو المستهلكين, لان التسعير في كل الدول الأعضاء في الوحدة النقدية سيكون باليورو, الأمر الذي يسهل عملية مقارنة الأسعار بين الدول المختلفة. هذا, إلى جانب سهولة نقل رؤوس الأموال دون التخوف من مخاطر التباين في أسعار الصرف. ومن ناحية أخرى, يرى البعض الآخر عيوبا في العمل بالعملة الأوروبية الموحدة, لانها ستؤدي إلى اختفاء المزايا النسبية التي تتمتع بها المناطق المختلفة, فضلا عن المشاكل التي قد تترتب على تداخل الدورات الاقتصادية بين الدول المختلفة الأعضاء في منطقة اليورو, هذا بالاضافة إلى زيادة الحساسية للصدمات الاقتصادية على المناطق المختلفة. ومن المتوقع أن يحتل (اليورو) المركز الثاني بعد الدولار الأمريكي, من حيث الاستخدام كعملة احتياطي نقد, وفي المعاملات التجارية الدولية, الأمر الذي سيكون له أثره على المصارف, وبصفة خاصة في دول الوحدة النقدية. وسيختلف تأثير اليورو على المناطق الجغرافية في العالم وفقا لحجم المعاملات بين الدول المختلفة والاتحاد الأوروبي. ويتوقع الخبراء ان تنجز نحو 30% من المبادلات التجارية الدولية باليورو. ومن ناحية التأثير على المنطقة العربية, فإن دول حوض البحر الأبيض المتوسط العربية ــ يتوقع أن تتوسع في استخدام اليورو في معاملاتها مع الاتحاد الأوروبي على حساب الدولار. وبالنسبة لدول الخليج فقد يتحول جزء من معاملاتها التجارية إلى اليورو, وقد يؤدي الأمر إلى استخدام اليورو إلى جانب الدولار في تسعير النفط. هذا بالاضافة إلى امكانية تحول بعض الاستثمارات الخليجية في أوروبا إلى اليورو أيضا. وعموما يمكن القول ــ كما ذكر رئيس اتحاد المصارف العربية ــ بأن ظهور اليورو ستكون له نتائج ايجابية على الاقتصاد العربي, حيث يقلل من اعتماده على الدولار, ويقلل من المخاطر المترتبة على الاعتماد على عملة واحدة. ولا شك في ان منطقة اليورو ــ ستكون قوة اقتصادية عالمية كبرى يصل اجمالي الناتج المحلي فيها إلى 6.6303 بليون دولار. ويتوسط هذا الرقم اجمالي الناتج المحلي لكل من الولايات المتحدة واليابان. كما يزيد تعداد سكانه (291 مليون نسمة) عن التعداد في الولايات المتحدة (269 مليون نسمة) واليابان (126 مليون نسمة), وتبلغ قيمة صادراته السنوية إلى خارج الاتحاد الأوروبي نحو 540 بليون دولار, ووارداته نحو 486 بليون دولار. وتتوسط هذه الأرقام ــ الأرقام المقابلة لها في صادرات وواردات الولايات المتحدة واليابان. فالآن يمكن القول بأن الوحدة النقدية لأوروبا ستصبح حقيقة واقعة, ولكن الطريق إلى تحقيق ذلك لم يكن سهلا بأي حال من الأحوال, وكانت هناك خلافات بين الحكومات حول قضايا رئيسية, وبالرغم من ذلك فقد تم التغلب على هذه الخلافات والتوصل إلى اتفاق. كما يمكن القول أيضا بأن فكرة الوحدة النقدية نبعت من سياسيين ومن رؤية سياسية منذ أمد بعيد, وان السياسيين هم الذين حافظوا على بقاء الفكرة حية في أذهان الأوروبيين. وفي الوقت الحاضر, فإن الفضل في هذه العودة إلى هذه الفكرة وجعل امكانية التطبيق ممكنة ــ يرجع إلى المستشار الألماني السابق هيلموت كول والرئيس الفرنسي الراحل فرانسو ميتران, وذلك بالرغم من اختلاف الرأي بينهما في البرنامج الزمني لتحقيق الوحدة والاختلاف أيضا حول وسائل التحقيق, ولكنهما اتفقا على ما هو أهم وهو ان من المصلحة العليا لأوروبا تحقيق الوحدة النقدية. وأكد الزعيمان على رؤيتهما المشتركة عندما أضافا إلى معاهدة ماستريخت الخاصة بالوحدة الأوروبية ــ بندا يلزم الاتحاد الأوروبي بالتحرك إلى المرحلة الثالثة للوحدة النقدية في الأول من يناير من عام ,1999 بالرغم من ادراكهما من استمرار الخلاف بين الدول الأعضاء في الاتحاد حول القضايا الأساسية المرتبطة بالوحدة النقدية. وذلك لان الزعيمين حرصا على وضع الاطار العام للوحدة النقدية, لايمانهما بأن الخلافات مهما كانت مستعصية يمكن حلها بالتفاوض. وقال ان السؤال المطروح الآن هو هل الوحدة النقدية لأوروبا تمهد لوحداتها السياسية مشيرا إلى ان هناك فريقين: الفريق الأول يرى ان الوحدة السياسية ضرورة حتمية لنجاح الوحدة النقدية, لان اليورو يحتاج إلى حكومة مركزية لإدارة شؤونه, وان البنك المركزي الأوروبي لابد وأن يكون مسؤولا أمام سلطة ديمقراطية. ويعتقد هذا الفريق بأن فرص نجاح الوحدة النقدية بدون الوحدة السياسية ضئيل. أما الفريق الآخر, فيعتقد بأن الوحدة النقدية يمكن أن تنجح بدون وحدة سياسية, وان غياب الوحدة السياسية سوف يخفف من أعباء وتكاليف الوحدة النقدية, لأن الدول الأعضاء في الوحدة النقدية ليست كلها على مستوى واحد من الثراء, كما ان مستوى وتكاليف الخدمات الاجتماعية تختلف من دول لأخرى. ففي غياب الوحدة السياسية يمكن الابقاء على هذه الفروق.