بوجه انتشار تيارات ودعوات العولمة, يدافع الكثير من المفكرين والمثقفين في الدول العربية ودول العالم الثالث عن اهمية استمرار دور الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع , لا بل انهم يرون ان هذه التيارات والدعوات تفرض التشديد على ذلك الدور وان كان بصيغ متجددة ومتطورة تتجاوز المهام التقليدية التي تقوم بها حاليا اخذين بعين الاعتبار الاختلالات والتشوهات الكثيرة التي تعاني منها مجتمعات هذه الدول. وبمعنى آخر, إن ما تعاني منه هذه المجتمعات ـ كونها مجتمعات نامية ـ من تجزء وتشوه في هياكلها الاقتصادية يستدعى دورا اكثر كفاءة للدولة لاصلاح الاوضاع, حيث لا يمكن تركها لآليات السوق وحدها دون حسيب او رقيبت وإلا كانت النتائج اكثر سوءا وضررا على فئات المجتمع وهذا ما تم ملاحظته بالفعل من بعض تجارب الدول المنضوية تحت لواء المعسكر الاشتراكي سابقا. وعودة لخلفية الموضوع, فإن تسليط الاضواء على تيارات النظام الدولي الجديد وما يرافقه من تحولات نحو العولمة واقتصاد السوق قد جاء متزامنا مع انهيار الاتحاد السوفييتي وباقي دول المعسكر الاشتراكي, واتساقا مع هذه التحولات, شهد عدد متزايد من البلدان عددا من التطورات مثل: الاتجاه نحو خصخصة المؤسسات العامة, وتخفيض القيود الكمية على التجارة او ازالتها, وخفض رسوم الاستيراد الى مستويات متدنية جدا في بعض الحالات, مما يجعل المبادلات التجارية اكثر استجابة لتغير الاسعار النسبية, وتضييق الفروق بين اسعار الصرف الرسمية واسعار الصرف في السوق السوداء, وكذلك خفض او ازالة القيود على تخصيص الائتمان والضوابط المفروضة على اسعار الفائدة, ما يعيد لسوق الائتمان وظيفته التوزيعية المهمة. ووفقا للاهداف المعلنة, فإن جميع هذه الاجراءات استهدفت زيادة دور قوى السوق وتضييق نطاق التدخل الحكومي, مع اجراء ما يلزم من تغييرات ضرورية, واصبح صانعو السياسات يؤكدون ان الحكومة لا يمكنها ان تحل محل السوق, بل يجب بدلا من ذلك ان تتخذ ما يلزم من اجراءات لجعل السوق يعمل على نحو افضل. وفيما يخص منطقتنا العربية فقد اتخذت العديد من دول المنطقة وخاصة في المغرب العربي ومصر والاردن اجراءات واسعة على طريق تقليص دور الدولة واعطاء دور اكبر للقطاع الخاص, ومع ذلك فإن المؤسسات الدولية ترى ان الاصلاحات اقل سرعة واقل وضوحا عنها في بلدان اخرى, ووفقا لهذه المؤسسات فإن بلدان الشرق الاوسط لا تزال تظهر تدخلا حكوميا في السوق اكبر بكثير منه في المناطق الاخرى مثل امريكا اللاتينية وآسيا, حتى وان كانت عملية تقليص دور القطاع العام قد بدأت بالفعل في هذه البلدان, وقد انفقت بلدان الشرق الاوسط من خلال القطاع العام نسبة من الناتج المحلي الاجمالي بلغت 39% وهي تزيد بكثير عن المتوسط الخاص بالبلدان النامية البالغ نحو 20%. ان مستوى انفاق القطاع العام في الشرق الاوسط يكاد يصل الى نفس حجم انفاق البلدان الصناعية على القطاع العام, مع الفارق في المستوى الاقتصادي بين الاثنين فالدولة في الشرق الاوسط لا تزال تمارس سيطرة واسعة النطاق على العديد من القرارات الاقتصادية وتتدخل بشكل مكثف في الانتاج من خلال الملكية المباشرة للموارد (كالنفط) وكذا نشاطات المؤسسات العامة. من هنا ـ تطالب المؤسسات الدولية ـ بلدان الشرق الاوسط باتخاذ المزيد من التغييرات الرئيسية ومن هذه التغييرات الاستمرار في برامج التخصيص التي يجب ان تحد من تدخل الدولة, بل والاسراع وكذلك على الدولة ان تتوقف عن التحكم في الاسعار, سواء اسعار السلع القابلة للاتجار ام السلع المحلية ام الاسواق المتخصصة مثل الاسواق المالية, ويجب ان تتوقف الدولة ايضا عن دعم السلع الاساسية الى النقطة التي يؤدي عندها هبوط اسعار هذه السلع الى الزيادة في الطلب والى تبديد الموارد, وعلى الحكومة ان تقلص دورها في توزيع الاستثمارات والنشاطات الاقتصادية من خلال الحوافز او من خلال النظم المقيدة بل يجب عليها بدلا من ذلك ان تسخر طاقاتها لتحسين فاعلية السوق عن طريق ازالة النظم الاقتصادية غير الفعالة, وعن طريق نشر افضل للمعلومات, وانشاء هيئات تنظيمية تتسم بالكفاءة لتوفير المعلومات اللازمة للمستهلكين ووضع قواعد للعبة تتسم بالفعالية والشفافية, وتكون معروفة للجميع وتطبق بموضوعية وشفافية على جميع المتعاملين في السوق, ويمكن للدولة ان تقوم بتنمية السلوك التنافسي عن طريق اتاحة الفرص المتكافئة لجميع المتعاملين في السوق. وفي اطار التغيرات المطلوبة ايضا ينبغي للحكومة ان تعيد التفكير في دورها في توزيع الدخل, واخيرا, ترى المؤسسات الدولية ان هناك حاجة كبيرة لاصلاح الادارة العامة في معظم البلدان, اذ ان المرء يجد داخل الجهاز الاداري العام اكثر الحالات الصارخة للانفاق غير الانتاجي, ولاشك ان سياسات التوظيف التي اتبعتها الحكومات في العقود الماضية, والتي غالبا ما كانت تبرر بحجج توزيع الدخل, كان من نتيجتها وجود خدمات مدنية كبيرة تنخرط فيها اعداد هائلة من العمال ذوي الاجور المتدنية.