هل الاقتصاد الإسلامي علم أم مذهب ؟ ولماذا ؟بقلم-د. محمد ابراهيم الرميثي

فالاختلاف بين المنهجين إذن اختلاف جذري وعقائدي ومذهبي, وليس مجرد اختلاف في الجزئيات. بيد انه إذا لم تساعد الظروف المحيطة على تطبيق المنهج كاملا فإن الأخذ بالجزئيات مع التغيرات والتكيفات الجزئية قد يكون مفيدا أحيانا أيضا ولكنه ليس الأصل. فالأصل هو الاستقلالية في منهجية البحث العلمي فعلى سبيل المثال لو أردنا أن ندرس طبيعة وواقع الاستهلاك على مستوى الاقتصاد الكلي في دولة الامارات ونبني نموذجا أو موديلا قياسيا لذلك الواقع حسب النظريات الاقتصادية الوضعية ونقيس معامل المرونة لمتغيراته, فيجب علينا أن ندرك ان ذلك الواقع لا يعبر اطلاقا عن النموذج الإسلامي وان كان البلد بلدا اسلاميا, وان الواقع تؤثر فيه عوامل ومتغيرات اقتصادية واجتماعية ونفسية كثيرة جدا يرفضها الاقتصاد الاسلامي (مثل ظاهرة الاسراف والتبذير, وظاهرة الافراط في التقليد والمحاكاة في الاستهلاك, وظاهرة الافراط في تقديم التسهيلات الائتمانية الضخمة التي تقدمها البنوك التجارية لأغراض استهلاكية, بالاضافة إلى قلة الوعي الاستهلاكي والوعي الادخاري والوعي المصرفي لدى الافراد). وبالتالي فيجب علينا كباحثين هنا أن ندرك تلك المعايير والأحكام التي وضعها الإسلام لتنظيم الاستهلاك. ثم بعد ذلك نبني موديلا اقتصاديا قياسيا نظريا لدالة الاستهلاك للمجتمع الإسلامي من منظور منهجية الاقتصاد الاسلامي المحضة (وقد نسميه الموديل الضابط) وذلك لغرض ان نزن به ذلك الموديل القياسي الذي يفسر الواقع ونعايره به. ثم بعد ذلك نستطيع قياس وتقدير درجة انحراف المجتمع الإسلامي في سلوكه الاستهلاكي عن أحكام وقواعد وضوابط المنهج الاقتصادي الاسلامي. أي اننا قد ندرس دور وتأثير تلك المتغيرات والعوامل الاقتصادية التي تؤثر في الاستهلاك والتي يرفضها الاقتصاد الاسلامي, ثم بعد ذلك نقدر قيمة الجزء المرفوض منها ونطرحه من الأثر الاجمالي على الاستهلاك. ومن الناحية العملية التطبيقية يعتبر ذلك ممكنا جدا وبطرق مختلفة, وان كانت القيم المقدرة قد لا تكون صحيحة 100%, الا انها تعطي انطباعا أكثر دقة عن دالة الاستهلاك في المجتمع الاسلامي. بيد انه قد يحتاج مثل ذلك العمل إلى مجهود كبير من الباحثين والعلماء. ومن ثم تخرج تلك الموديلات القياسية بتوصيات مبنية على أساس ذلك الوزن والمعايرة التي قمنا باجرائها. والطريقة ذاتها من الممكن جدا تطبيقها على الكثير من النماذج القياسية في المجالين الجزئي والكلي. هل يشترط في الباحث العلمي في الاقتصاد الاسلامي أن يكون على دراية تامة بالعلوم الشرعية (مثل علم المعاملات وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التفسير) كلا لا يشترط ذلك إذا كان الباحث سيقوم ببحثه ضمن فريق بحث علمي فيهم المتخصصون في العلوم الشرعية, والا فلابد من معرفة ودراية بقدر أدنى من العلوم الشرعية بما يستلزمه اجراء ذلك البحث, أي لابد من الالمام بالعلوم الشرعية في اطار ذلك البحث. هل نحن بحاجة إلى الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد الإسلامي أم نحن بحاجة إلى الشرعي المتخصص في الاقتصاد الإسلامي؟ في الحقيقة نحن بحاجة إلى الصنفين معا, غير انه وحسب المعطيات الاقليمية والدولية المعاصرة, ونظرا لاتساع التخصصات وتشعبها تشعبا دقيقا فأنا أرجح وجهة النظر التي تقول بأننا أقل حاجة إلى الشرعي الذي يفتي في كل القضايا منه إلى المتخصص في فرع معين من العلوم ولديه قدر وفير من المعرفة والادراك في العلوم الشرعية. ومن هذا المنطلق فاننا في مجال الاقتصاد نصبح بحاجة إلى الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد ولديه علم شرعي أكثر من حاجتنا إلى الشرعي المتخصص الذي لديه دراية في النظريات الاقتصادية. ويفضل أن تجرى الأبحاث في مجال الاقتصاد الاسلامي في فرق بحث علمية تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية. أما البحوث والدراسات الفردية في هذا المجال, فعلى الرغم من أهميتها الا انها تظل قاصرة إذا ما قورنت بالبحوث الجماعية التي تنتجها فرق أبحاث علمية وذلك نظرا للطبيعة الخاصة التي يتميز بها الاقتصاد الاسلامي. يتضح لنا مما سبق شرحه وبيانه ان الاقتصاد الاسلامي مذهب وعلم. فهو مذهب اقتصادي مستمد من أصول الدين الاسلامي الحنيف ومرتبط به. وهو علم بمفهوم العلوم الشرعية حيث انه يعنى بالعلاقات والمعاملات الاقتصادية والمالية التي تنظم الأفراد والجماعات وتحكم أنشطتهم في هذا المجال. كما انها تنظم وتوضح العلاقة بين الدولة والأفراد في هذا المجال أيضا. وتنظم كذلك علاقة الإنسان بخالقه في المجال ذاته وذلك عن طريق ارتباط المعاملات المالية والاقتصادية بالعقائد والعبادات. وهو علم بالمفهوم المعاصر للعلوم وليس بالمفهوم المعاصر لعلم الاقتصاد لانه له منهجه العلمي الخاص به في مجال البحث العلمي الجاد وله منطلقاته وأصوله وطرقه وأساليبه في تفسير الظواهر الاقتصادية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات