اتهامات متبادلة تعيشها اسواق النقد الاجنبي في مصر حاليا بسبب الارتفاع الاخير في سعر صرف الدولار الامريكي مقابل الجنيه, فقد ألقى البنك المركزي المصري واللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب بالكرة في ملعب شركات الصرافة واتهمتها بافتعال ارتفاع غير منطقي في سعر صرف العملة الامريكية بهدف كسب ارباح ممكنة, خاصة وان تلك الشركات تعاني من ركود حاد منذ فترات طويلة وبطبيعة الحال دافعت شركات الصرافة عن نفسها مؤكدة ان الارتفاع الاخير جاء كرد فعل طبيعي لقوى العرض والطلب مدللة على ذلك باسباب عديدة في مقدمتها ان حجم رؤوس اموال تلك الشركات لا يمكنها من احداث اضطرابات في السوق؟ فضلا عن ان القانون المعمول به حاليا لا يخول لها المضاربة في النقد الاجنبي. ولم تقف اضطرابات سوق النقد الاجنبي عند حد الاتهامات المتبادلة بل ان آراء الخبراء أمتدت لتطول اتجاهات اخرى, حيث أشار خبراء السوق الى ان الارتفاع الاخير للدولار, ونقص السيولة من العملات الاجنبية قد يكون وراءه مخطط صهيوني يهدف الى زعزعة استقرار السوق ومن ثم عرقلة عمليات النمو الاقتصادي في البلاد.. اراء عديدة ومتباينة تعيشها اسواق النقد الاجنبي في مصر حاليا.. فما هي تلك الآراء؟ وكيف يرى الخبراء الوضع في السوق حاليا, وما هي توقعاتهم خلال الفترة المقبلة؟! استبعاد الدور الاسرائيلي في البداية استبعد محمد البربري نائب محافظ البنك المركزي المصري ان تكون اسرائيل وراء ارتفاع سعر الدولار في السوق المحلي, واكد ان الارتفاع الاخير مفتعل قامت به بعض شركات الصرافة بما لا يتفق مع العرض والطلب حيث تدل جميع المؤشرات على انخفاض حركة التعامل في شركات الصرافة. وأشار البربري الى انه ليس من سلطة البنك المركزي التدخل لالزام البنوك وشركات الصرافة بالبيع, مؤكدا ان المركزي يستجيب لكافة الطلبات التي تقدمها البنوك للحصول على العملات الاجنبية, كما أن البنوك تستجيب بدورها لجميع طلبات عملائها من العملات الاجنبية بما فيها الدولار. وكانت أسعار صرف الدولار الامريكي قد شهدت ارتفاعات ملحوظة خلال الفترة الماضية خاصة في بعض شركات الصرافة ليقفز السعر داخل تلك الشركات في أيام قليلة الى مستويات لم يشهدها من قبل ليتراوح بين 346 قرشا و347 قرشا, في حين قفز السعر ايضا في بعض البنوك الاستثمارية على نحو اقل حدة ليتراوح بين 5.492 و5.343 قرشا. ومع الارتفاع الأخير لسعر العملة الامريكية أمام الجنيه المصري تضاربت آراء المسؤولين والخبراء حول الاسباب, حيث القى البنك المركزي باللوم على شركات الصرافة واتهمها بزعزعة استقرار السوق من خلال طرح اسعار غير منطقية بهدف تحريك السوق لاحراز مكاسب ضخمة, في حين اكدت شركات الصرافة ان ارتفاع الدولار رد فعل طبيعي لاوضاع السوق العالمي ونفضت عن نفسها اتهامات التورط في ارتفاع الأسعار. سوق مفتعلة ومع اتساع الخلافات بين المركزي المصري وشركات الصرافة بدأ المسؤولون في الافصاح عن حقائق لم تعلن من قبل, حيث اتهم عبدالله طايل رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب شركات الصرافة بافتعال أزمة الدولار من وقت لآخر.. مشيرا الى انها تسلك هذا الاتجاه نظرا لعدم تحقيقها لأرباح كبيرة, فتسعى لايجاد سوق مفتعلة لتلبية الاحتياجات من العملة الصعبة من اجل زيادة الاسعار وتحقيق الارباح الخيالية. وتوقع طايل ان تحقق هذه الشركات خسائر في النهاية نظرا لادراك العملاء للوسائل التي تتبعها وهو ما سيؤدي في النهاية الى تقليص حجم اعمالها بل وسيهدد البعض بالاغلاق. ولعل تأكيدات الدكتوركمال الجنزوري رئيس مجلس الوزراء في جلسة مجلس الشعب التي عقدت في نهاية فبراير الماضي اكدت بما لا يدع مجالا للشك ان هناك بالفعل بعض من شركات الصرافة تتلاعب في السوق, حيث حذر من التلاعب في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار سواء من جانب البنوك أو شركات الصرافة. مؤكدا ان الحكومة ستقف بقوة ضد أي تلاعب باعتبار ان ذلك ضد مصلحة الدولة. وأكد الجنزوري ان كل قرض زيادة في سعر الدولار يرفع فاتورة الواردات بمقدار 200 مليون دولار, وطالب المسؤولين بتهدئة مخاوف السوق, مؤكدا في الوقت نفسه ان الارتفاع الأخير مفتعل وليس رد فعل طبيعي لحركة البيع والشراء وانما بهدف مطامع خاصة لبعض المنتفعين. خلل العرض والطلب ومع تزايد الاتهامات الموجهة ضد شركات الصرافة في مصر, بدأت تلك الشركات في الدفاع عن نفسها وتفسير احداث الأزمة الأخيرة من وجهة نظرها, وفي هذا الاتجاه يؤكد عبدالستار عشرة رئيس شعبة الصرافة بالاتحاد العام للغرف التجارية وأمين عام الغرفة ان الأزمة الحالية ناجمة عن وجود خلل بين العرض والطلب, ووجود طلب متزايد وخاصة في مواسم معينة على الدولار يقابله عرض شبه ثابت, مشيرا الى ان التهافت على الاستيراد من الخارج خاصة للسلع الاستهلاكية من دول جنوب شرق آسيا لعب دورا أساسيا في هذه المشكلة. وأكد عشرة ان الأزمة ليست مفتعلة من قبل شركات الصرافة كما يرى البعض, حيث ان هذه الشركات لا يمكن ان تؤثر في السوق بدرجة ملحوظة, خاصة ان حجم تعاملاتها لا يزيد على 25% من حجم السوق, كما ان رؤوس أموال معظم هذه الشركات لا تتعدى مليون جنيه, وبالتالي فإن هذا المبلغ لن يكون له تأثير يذكر. وأشار رئيس شعبة الصرافة الى ان شركات الصرافة تفضل ممارسة نشاطها في ظل انخفاض سعر الدولار امام الجنيه لأن هذا يحقق لها عائدا افضل بسبب النشاط المتزايد, أما في حالة ارتفاع السعر فإن الطلب يكون ضعيفا وبالتالي تتراجع تعاملات الشركات والنتيجة تدني أرباحها, مؤكدا في الوقت نفسه ان شركات الصرافة ترى ان ترك السوق لقوى العرض والطلب هو افضل السبل لاحداث التوازن, ومن ثم فمن المستبعد ان تقوم أية جهة بتحديد حد اقصى لسعر صرف في الدولار بالنسبة لشركات الصرافة او البنوك الاستثمارية, حيث ان العملية تخضع للعرض والطلب ومن الصعب التحكم فيها اداريا كما ان عملية رفع سعر الدولار من قبل الشركات لن يواجه طلبا متزايدا على الدولار كما يتصور البعض, وبالتالي لن يحقق عائدات افضل لهذه الشركات. زيادة الاستيراد ويوافقه في الرأي الدكتور محمد سليمان رئيس جمعية مستثمري العاشر من رمضان, ويضيف قائلا: الأزمة الأخيرة جاءت كرد فعل طبيعي لزيادة عمليات الاستيراد بشكل زائد وصل الى الافراط في استيراد اشياء لا يحتاجها السوق المصري مثل الألبان والورود والجبن, فهل يعقل ان تقوم مصر باستيراد الألبان والورود وهي منتجة لهما. وأوضح سليمان ان استيراد المواد غير الاساسية بخلاف انه يؤثر على حجم سيولة العملة الصعبة في السوق فهو يؤثر كذلك بصورة سلبية على انتاج المصانع وتوفير فرص العمل, مشيرا الى انه لابد ان تكون هناك مبادرة من قطاع الاعمال بمعنى الاشتراك في وضع رؤية واضحة وصريحة بشأن عمليات الاستيراد. وتطالب بتقنين تلك العمليات بما يتناسب مع احتياجات المجتمع وان تكون الأولوية في الاستيراد للمصانع والسلع الرأسمالية, وأي شيء غير ذلك يعاد النظر فيه وتتشدد البنوك في فتح اعتماداتها. وأكد رئيس جمعية مستثمري العاشر من رمضان ان هناك نقصا في المعروض لدى شركات الصرافة لأن حجم تعاملاتها محدود ولا يزيد على 8 ملايين دولار يوميا, مشيرا الى ان شركات الصرافة متهمة بالباطل ولا تملك طبقا للقانون امكانية المضاربة, ولكن الوضع الحالي هو ان السوق يشهد منافسة حرة في الشراء والبيع. ارتفاع موسمي وفي هذا السياق يؤكد عبدالحكيم سليمان الخبير المصرفي المعروف ان الارتفاع الاخير في مصر للدولار يعد ارتفاعا موسميا, فنحن نعرف ان موسم الحج والعمرة يصاحبه ارتفاع في سعر الدولار والريال السعودي, فضلا عن ان الفترة الماضية شهدت سحبا قويا على الدولار بسبب اتساع حركة الاستيراد بالاضافة الى فتح اعتمادات مستندية للعام الجديد. وتساءل سليمان عن سر قلق الاوساط الاقتصادية من ارتفاع سعر العملة الامريكية في السوق المحلي بقوله: عندما ينخفض الدولار نعتبره رد فعل طبيعيا لقوى السوق الخارجية, وعند الارتفاع تبدأ التساؤلات؟ واذا نظرنا الى الفترة الماضية سنجد ان العملة الامريكية تحسن وضعها في كافة اسواق العالم وليس مصر فقط, فقد ادت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية الى معاودة الدولار لطريق الارتفاع. أزمة وهمية ومع استمرار تزايد سعر الدولار في السوق المصرية اجتاحت الاسواق شائعات عديدة تؤكد ان السوق تعاني من ازمة حادة في حجم السيولة النقدية, وفي هذا الاتجاه ينفي محمود عبدالعزيز رئيس اتحاد البنوك وجود ازمة سيولة في الدولار الامريكي, كما نفى ايضا بصفته رئيسا للبنك الأهلي المصري رفض البنك فتح اعتمادات مستندية جديدة بالدولار لأي من عملائه أو مطالبة العملاء بتدبير العملة الأجنبية من السوق, مشيرا الى ان زيادة الطلب على الدولار في الأسواق تصاحبها في العادة شائعات حول ندرته, مما يضيف حساسية بالغة الى الطلب على الدولار في الأسواق ويؤدي الى رفع الاسعار. وفي اتجاه مماثل يؤكد عمرو الجنانيني مدير غرفة المعاملات الدولية بالبنك المصري المتحد ان البنك المركزي المصري يوفر احتياجات البنوك من النقد الاجنبي, وبدورها تقوم البنوك بتوفير احتياجات عملائها سواء في صورة اعتمادات مستندية او خطابات ضمان وغيرها. وأكد الجنانيني ضرورة زيادة موارد النقد الاجنبي من خلال علاج الفجوة بين الصادرات والواردات كما يجب التحرك سريعاً لزيادة مصادر النقد الاجنبي خاصة في ظل تراجع اسعار البترول والزيادة الرهيبة في الواردات. زيادة الصادرات.. ضرورة واقترح الجنانيني الاهتمام بزيادة صادرات مصر للخارج خاصة بالنسبة للسلع غير التقليدية والسماح بتحويل الجنيه المصري الى الخارج مما يخفف الضغط على الدولار بالداخل.. مطالباً في الوقت نفسه البنوك بعدم الاستجابة السريعة لعملائها في تحويل مديونياتهم بالجنيه المصري الى الدولار حيث انه يشكل ضغطاً اضافياً على الاحتياطات النقدية, بالاضافة الى وضع ضوابط مشددة على الاقراض بالعملات الاجنبية بحيث يجب على البنك ان يشترط تحقيق المشروع لعوائد بالنقد الاجنبي تمكنه من سداد المديونية. عملاء اسرائيل ولم تقف الشائعات عند حد نقص السيولة من النقد الاجنبي في السوق المحلي بل امتدت لتطول ايضاً المساس بأمن الاقتصاد القومي كما رأى بعض خبراء السوق, ومن هذا المنظور يرى الدكتور محسن الخضيري الخبير الاقتصادي المعروف ان الارتفاع الاخير في سعر الدولار ونقص سيولته من الاسواق وراءه عدد من العملاء الاسرائيليين الذين قاموا بسحب كميات كبيرة من الدولار على مدار حوالي عشرة ايام متتالية بأسعار مرتفعة مما احدث (ربكة) في السوق المحلي غير مبنية على اسس العرض والطلب. ورجح الدكتور الخضيري ان يكون هؤلاء العملاء قد ركزوا عمليات السحب من شركات الصرافة حيث ان هذا الطريق يعد الاسهل والايسر مقارنة بالبنوك وقد نجحوا بالفعل في احداث نقص مفاجىء في حجم المعروض من الدولار الا ان السوق استجاب بعد ذلك لوضعه الطبيعي مدعوماً ببنكه المركزي القوي واكد الخضيري ان الاقتصاد المصري مستهدف من قبل الموساد الاسرائيلي ويسعى من حين لآخر لضربه من خلال طرق مختلفة ومتعددة, وسوق النقد يعد من اهم الطرق التي يستخدمها منذ فترات طويلة, وتتمثل تلك الطريقة في ضرب الاقتصاد المصري من الداخل من خلال نشر تزييف النقد الاجنبي ودفع العصابات للدخول الى السوق المصري وطرح ما لديها من عملات اجنبية مختلفة مزيفة ثم تحويلها الى دولارات من المعروض الاجنبي في السوق المحلية وتهريبها الى الخارج, بالاضافة الى استخدام النقد الاجنبي المزيف في عمليات ترويج المخدرات. ويؤكد الدكتور الخضيري ان مصر في وضع آمن حتى الآن مشيراً الى ان هناك ضخا نقديا كبيرا وتحويلات ضخمة بدأت تعود الى وضعها الطبيعي بالاضافة الى ارتفاع معدلات نمو الاستثمارات المباشرة الا انه حذر من ان الحرب الحالية بين ا لعرب واسرائيل شديدة الخطورة وجزء منها يستخدم الذكاء والذكاء المضاد, واخطر ما فيها هو ما يتم حالياً من عمليات سحب او تزييف للنقد الاجنبي ليس في مصر فقط بل على مستوى دول المنطقة, بالاضافة الى اشاعة الديون المتعثرة والعجز عن سدادها لضعف قدرة الدولة اقتصاديا, واقناع رجل الاعمال بتهريب اموالهم الى الخارج او مغادرة السوق المصري. واطراف اخرى وفي سياق اخر يرى الدكتور سمير رضوان الخبير الاقتصادي المعروف انه لا يجب التأكيد فقط على ان الموساد الاسرائيلي وراء عمليات سحب الدولار من مصر بل يجب ايضاً التأكيد على ان هناك دولاً كثيرة هدفها الرئيسي اضعاف قدرة الاقتصاد المصري على الاستمرار في عمليات النمو لتحقيق اطماعها في المنطقة ومن المؤكد ان الارتفاع الاخير لسعر الدولار قد يكون وراءه يد خارجية في جزء منه, الا انها فشلت في محاولة زعزعة السوق المصري بعد التدخل القوي للبنك المركزي والذي لبى احتياجات السوق في الحال. ويشير الدكتور رضوان الى ان الدول العربية تواجه حرباً اقتصادية ضخمة مع الغرب خاصة مصر التي باتت الحرب و اضحة ضدها من خلال المحاولات العديدة لضرب اقتصادها القوي واضعافه وهو ما شهدناه خلال الاشهر القليلة الماضية والذي تم من خلال التلاعب في سوق النقد او الاسهم او من خلال وضع العراقيل امام الصادرات المصرية في الاسواق الخارجية مثل قضايا الاغراق التي ما زلنا نعيشها حتى الآن. القاهرة ــ البيان ــ أحمد صفي الدين