هناك عامل مشترك يجمع بين النزاع التجاري الدائر حاليا بين الولايات المتحدة والأوروبيين حول تجارة الموز, والحرب التجارية التي تلوح في الأفق بين الطرفين حول الهرمونات المستخدمة في تربية الماشية وحول الأغذية المعدلة جينيا, وكذا الحرب التجارية التي بدأت تشتعل بين الأمريكيين والكنديين حول المجلات. وفي كل حالة من تلك الحالات يجادل الأوروبيون والكنديون أنهم غير ملزمين باتباع قواعد وقوانين التجارة الحرة لأسباب (خاصة) .إن تاريخ إعطاء الفرنسيين والبريطانيين معاملة تفضيلية لمستعمراتهما السابقة في منطقة بحر الكاريبي يبرر إبقاء الموز الجيد لأمريكا الوسطى بعيدا. وقواعد التجارة الحرة يتم التغاضي عنها لحساب العلاقات التاريخية القوية. وإذا ما خاف الأوروبيون من اللحوم المنتجة من حيوانات تم تسمينها باستخدام الهرمونات, فلهم الحق في تجنب اللحوم الأمريكية والابتعاد عنها, هذا على الرغم من أن كل اللجان العلمية التي تشكلت في أوروبا وفي الولايات المتحدة توصلت لنتيجة مفادها أن هذه الهرمونات لا تشكل ضررا ولا خطرا على من يتناولون هذه اللحوم. وهكذا, فإن المخاوف, حتى وإن كانت غير عقلانية أو منطقية وحتى إذا لم تكن تستند إلى أي أساس, هذه المخاوف تبرر لهم ـ أي الأوروبيين ـ إبعاد أية منتجات عن أسواقهم. أي أن الحسابات الاجتماعية هنا تفوق وتلغي الأسس العلمية. إن النباتات والحيوانات المعدلة جينيا لا تختلف عن النباتات والحيوانات التي اعترتها تغيرات ناتجة عن التهجين أو حتى عن الاستيلاد العادي. الفرق ببساطة هو أن العملية الأولى أسرع, وتوفر قدرا أكبر من المرونة, ومساحة أعرض من احتمالات إدخال التحسينات على السلالات وما ينتج عنها والبشر يتناولون الذرة المهجنة منذ سنوات طويلة. وليست هناك سوى محاصيل قليلة ومعدودة لم تطلها عمليات التعديل الجيني من جانب الإنسان. وإذا ما التزمنا بالقاعدة التي يطبقها الأوروبيون في هذا المجال فذلك يعني أن الكلاب المنسبة ـ وكلها طالتها تدخلات جينية من جانب البشر ـ لابد من ألا تبقى في أوروبا, ويجب إعمالا للقاعدة طردها على الفور. وماذا عن الكنديين؟ إن كندا تقول إن لها الحق كل الحق في إبعاد المجلات الأمريكية عن أيدي الكنديين حفاظا على الثقافة الكندية, وهو ما يعني ببساطة أن الثقافة الكندية ضعيفة للغاية حتى أن الحكومة الكندية لا تثق في حكمة الكنديين والتزامهم بشراء المجلات الكندية. وهكذا, فإن الثقافة تتخطى الاقتصاد وتلغيه حتى ولو لم تكن هناك نصوص في قواعد عمل منظمة التجارة العالمية تسمح بذلك. وحتى إذا أصدرت منظمة التجارة العالمية أحكاما ضد الأوروبيين والكنديين, فإنهم سيواصلون جدلهم بأن من حقهم تجاهل أحكام المنظمة مادامت هذه المسائل ليست اقتصادية في حقيقتها. فهي ـ كما يؤكدون ـ قضايا ثقافية واجتماعية وتاريخية. وأنها ـ كما يقولون ـ تقع خارج نطاق سلطة منظمة التجارة العالمية. لكن إذا ما كانت حقا الصلات التاريخية القديمة والمخاوف التي لا تستند إلى أية أسس علمية, والأحاسيس غير العقلانية من أن التقنيات الحديثة ذات تأثيرات سيئة بطريقة أو بأخرى, والحفاظ على الثقافة تشكل أسسا مقبولة لرفض دخول المنتجات إلى أسواق الدول, فإن مفهوم التجارة الحرة سيتقلع من جذوره, إذ ستقوم كل دولة من الدول بمنع دخول السلع التي لا تريدها داخل أسواقها مستندة إلى ذلك السبب أو تلك الحجة, وتضيع بذلك التجارة الحرة. إن الأمريكيين يمكنهم ـ إذا أرادوا ـ أن تكون لهم تبريراتهم المماثلة. فيقولون ـ على سبيل المثال ـ إن السيارات جزء من تراثهم الثقافي والحضاري, وبالتالي فإن من حقهم أن يمنعوا استيراد السيارات. وإذا ما رأى الأمريكيون خطورة في الطاقة النووية فإن بإمكانهم رفض المنتجات التي تصدرها فرنسا إلى السوق الأمريكية على أساس أن 80% من الكهرباء في فرنسا يتم توليدها في محطات توليد تعمل بالطاقة النووية. ويمكن أن تقول إنه مادام الفرنسيون يستخدمون نصف كميات الصابون التي يستخدمها الفرد في ألمانيا, فلابد من أن المنتجات الفرنسية تحتوي على كميات أكبر من الجراثيم, ولابد لذلك من عدم السماح بدخولها إلى الأسواق مهما قال خبراء الفحص عن الجراثيم. ويمكن كذلك القول إن العلاقات الأمريكية مع الصين علاقات تاريخية, والصلات بين الطرفين قوية, وتعود إلى أيام السفن الشراعية التي كانت تقطع المحيط لتنقل البضائع بين الدولتين في القرن التاسع عشر. وهذه العلاقات تعطي الأمريكيين الحق في عدم استيراد أية منتجات خزفية أو حريرية والاكتفاء فقط باستيراد هذه المنتجات من الصين. ليس هذا فقط, فما يمكن للأمريكيين أن يجادلوا على أساسه كثير.. إذ يمكنهم أيضا أن يعبروا عن خوفهم الشديد, ويقولوا إنهم يتعرضون لتهديد خطير يتمثل في اجتياح من جانب فرق الروك البريطانية ومن الممثلين والممثلات الآتين من بريطانيا لانتزاع الأموال من جيوب الأمريكيين. لذا, يجب إيقافهم ومنعهم من القدوم إلى أمريكا. إن العالم يرتكب خطأ كبيرا عندما يأتي بمثل ما يأتي به الأوروبيون والكنديون, وعندما يتجاهل أحكام وقواعد منظمة التجارة العالمية. فالولايات المتحدة من جانبها مطالبة بأن تكون هي القاطرة التي تجر الاقتصاد العالمي وتدفعه نحو النمو من خلال حجم من الواردات يفوق بكثير ما تقوم بتصديره. وخلال العام الماضي وحده بلغ الفارق بين الصادرات والواردات ما قيمته 300 مليار دولار, لصالح الواردات طبعا. هذه الواردات الضخمة تعني فقدان المزيد من الأمريكيين لوظائفهم وأعمالهم في مجال مثل صناعة الحديد والصلب على سبيل المثال, كما أن هذه الواردات تدفع آخرين إلى التحول إلى وظائف أقل أجرا في مجال الخدمات. فكل واردات بقيمة خمسين مليار دولار تعني فقدان مليون أمريكي لوظائفهم. فإذا أراد العالم لأمريكا أن تواصل الخط الذي تنتهجه فلابد لقواعد اللعبة من أن تكون عادلة, وأن يكون العدل فيها واضحا أمام الجميع. وأحد الأسباب التي تدفع بالولايات المتحدة إلى مثل هذه المشكلات هو أنه ليس هناك من يأخذ المواقف الأمريكية بجدية في المفاوضات التجارية. فالأمريكيون مشهور عنهم أنهم يصدرون تهديدات كبيرة وقوية ولكنهم لا ينفذون هذه التهديدات في النهاية. فنحن نقلق كثيرا من أن الانتقام يثير الكثير من النوايا السيئة ويطال بالضرر الأبرياء أو قد يضر بمصالحنا في مناطق أخرى من العالم. لذا, فإننا لا نضع التهديدات موضع التنفيذ في نهاية الأمر, وهذا هو الأمر الأكثر احتمالا كنتيجة لحرب الموز. إن المفاوضين الأمريكيين في حاجة لأن يتعلموا درسا ممن يعلمون أصول التفاوض, وهذا الدرس هو ألا تصدر تهديدا واضحا ما لم تكن مستعدا لتنفيذ هذا التهديد إذا لم تحصل على ما تريد. فهناك مسائل واضحة لا تتحمل أي تراجع, خاصة إذا كان القانون ومنظمة التجارة العالمية يقفان في صف الولايات المتحدة. وبينما يمكن وصف كل قضية من القضايا السابقة بأنها صغيرة ولا يجب تهويلها, فإن الفرصة مواتية لرسم خط فاصل. وإذا لم يتم رسم هذا الخط الآن فإن التجارة الحرة ستختفي حتما في الرمال المتحركة للتاريخ والاجتماع والثقافة, ولن يكون لها وجود بعد ذلك. إن بقية دول العالم يمكن أن تخسر أكثر بكثير مما يمكن أن تخسره الولايات المتحدة. فالصادرات المتجهة نحو السوق الأمريكية تحول دون انزلاق هذه الدول إلى حال من الكساد والركود. والواردات التي تدخل أمريكا تحل محل المنتجات الأمريكية الأعلى كلفة إلى حد ما, لكن الأمريكيين يمكنهم بطبيعة الحال أن يحيوا من دون هذه الواردات التي لن يكون غيابها ملحوظا بالمرة. الموز اشعل الحرب التجارية بين اوروبا والولايات المتحدة