من الممكن القول بأن رئيس الحكومة الروسي (يفجيني بريماكوف) لم ينجح حتى الان في عمل أي شىء للحد من تفاقهم الأزمة الاقتصادية في روسيا ووقف تداعياتها على المستوى الداخلي, وان كان هذا لا يمنع من القول بأنه نجح الى حد كبير في امتصاص الغضب الشعبي وتفادي روسيا لاضطرابات شعبية كبيرة مثل التي تعاني منها بعض الدول الأخرى مثل أندونيسيا وماليزيا في أعقاب الأزمات الاقتصادية . ويرجع سر نجاح بريماكوف في امتصاص الغضب الشعبي الى اجراءات الإصلاح الاقتصادي الذي شرع في اتخاذها منذ شهرين تقريباً والتي تتسم بالجرأة والحدة بالدرجة التي تثير قلق ومخاوف الغرب من النهج الاقتصادي الجديد في روسيا والتي يقولون عنه أنه خروج عن مسار سياسة الاقتصاد الحر والاصلاح الاقتصادي التي كانت تنتهجها الحكومة الروسية في السنوات السبع الماضية. وتعكس سياسة حكومة بريماكوف الاقتصادية الحالية في روسيا الأوضاع التي وصلت اليها تداعيات الأزمة في الأونة الأخيرة والحالة الصحية التي وصل اليها الرئيس بوريس يلتسين والتي انعكست في التصريح الأخير لبريماكوف عن نية الحكومة والبرلمان في اجراء تعديلات جذرية في الدستور فيما يتعلق بسلطات السلطة التنفيذية وعلى رأسها رئيس الدولة والسعي لتقليص سلطاته ومنح السلطة التشريعية الممثلة في البرلمان سلطة أكبر. وعلى ما يبدو أن الرئيس يلتسين نفسه يبارك هذه التوجهات الجديدة للحكومة ويعمل على ارضائها بغية بقائه في الحكم حتى نهاية مدته المقررة في نهاية العام القادم ومعاملته معاملة طيبة هو وأسرته بعد تركه لمنصب الرئاسة. وتنعكس حالة التوافق بين الكريملين والحكومة في القرارات الحاسمة والخطيرة التي اتخذتها الحكومة مؤخراً والمرتبطة بشكل واضح بالأوضاع الاقتصادية في البلاد, فقد قررت حكومة بريماكوف مع بداية الدورة الجديدة للبرلمان في فبراير الماضي (اعلان الحرب) على ما يمكن تسميته (مافيا الاقتصاد الروسي) وهي بالتحديد مجموعة من كبار رجال الأعمال والمليارديرات الروس الذين ظهروا على الساحة الاقتصادية والسياسية في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأصبحوا يتحكمون بشكل واضح في مسار كل السياسات والخطط الاقتصادية في روسيا, وتغلغل نفوذهم في ظل الحكومات الديمقراطية الجديدة السابقة على بريماكوف, وفي ظل الضغوط الخارجية من قبل الغرب والمؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي, والتي على ما يبدو أن حكومة بريماكوف قد فقدت الأمل مؤخراً في تلقي مساعدات منها لحل أزماتها الاقتصادية. النائب العام وفي إطار حملة الحكومة على مافيا الاقتصاد في روسيا أصدر الرئيس يلتسين مؤخراً قراره الشهير (بإيعاذ من بريماكوف) بعزل النائب العام (سوكراتوف) , وهو الشخصية التي أتت بها حكومة الديمقراطيين الشباب منذ بضعة سنوات مضت, والتي من المفروض أنها تتولى وفقا للقانون التحقيق في جرائم الاقتصاد في روسيا, ولم يوجه (سوكراتوف) طيلة فترة عمله في منصبه ولا إتهام واحد لأي فرد من رجال الأعمال والمليارديرات الذين تشير اليهم أصابع الاتهام دائماً وتحملهم مسؤولية انهيار الاقتصاد الروسي وتهريب مئات المليارات من الدولارات للخارج, وأكثر من ذلك استطاع بريماكوف أن ينتزع من الرئيس يلتسين الموافقة على قرار بأن يتم تعيين النائب العام الروسي فيما بعد عن طريق البرلمان وليس بقرار من الرئيس, وهذا في حد ذاته قرار ذو أهمية كبيرة, ولقى ردود فعل قوية في الغرب بالتحديد, لأنه يعني أن سلطة التحقيق العليا في روسيا سوف تقع في يد البرلمان الذي تسيطر عليه الغالبية الشيوعية, مما يعني فرض توجهاتهم على السياسة الاقتصادية الروسية, والحيلولة دون نمو أو بقاء أي توجهات أخرى معارضة لهم. الأب الروحي وبعد قرار عزل النائب العام, أعلنت حكومة (بريماكوف) الحرب مباشرة على مافيا الاقتصاد الروسي التي نمت بشكل كبير في السنوات الأخيرة, وبدأت حربها بالرأس الكبيرة, أو ما يطلقون عليه في الغرب (الأب الروحي للكريملين) وهو الملياردير اليهودي الروسي الحامل للجنسية الإسرائيلية (بوريس إبراهام بيرزوفسكي) والذي كان يشغل حتى الأسبوع الأول من مارس الجاري منصب (أمين عام دول الكومنولث) وقرر يلتسين عزله من المنصب بإيعاذ من بريماكوف, استعداداً لرفع الحصانة عنه وتحويله للتحقيق بإتهامه في اسختلاص ما يقرب من مليار دولار أمريكي وتهريبها للخارج أثناء عمله في رئاسة مؤسسة صناعة وتصدير السيارات الروسية (افتاباز) منذ عام 1993. وقد جاء هذا القرار في أعقاب حملة شنها (بيرزوفسكي على بريماكوف بصفته رئيسا للحكومة وعلى شخصه منذ ان كان يعمل في رئاسة جهاز المخابرات الروسي, حيث وجه (بيرزوفسكي) الاتهام علنا للجهاز في عهد بريماكوف بالقيام بعمليات اغتيال لبعض الشخصيات العامة داخل روسيا, كما اتهم (بيرزوفسكي) حكومة بريماكوف بأنها تسعى فقط للسلطة وليس لديها أي خطط اصلاحية اقتصادية, وانها تستغل معاناة الشعب الروسي لتحقيق أهدافها الخاصة في الوصول إلى الحكم, وأضاف بأن بريماكوف المرتمي في أحضان الشيوعيين يوجهونه كيفما يشاءون قد فقد ثقة المجتمع الدولي وفقد معها الأمل في الحصول على مساعدات اقتصادية أو مالية من الغرب, وسوف تؤدي سياسته إلى هروب كل الاستثمارات الأجنبية من روسيا قريبا. ملياردير يهودي آخر وفي الوقت الذي يستعد فيه (بيرزوفسكي) للمثول أمام لجان التحقيق للتحقيق معه في العديد من الجرائم الاقتصادية المتهم بارتكابها خلال السنوات السبع الماضية والذي تحول خلالها من مجرد استاذ لمادة الرياضيات في جامعة موسكو براتب شهري لا يتجاوز المائة وخمسين دولارا إلى امبراطور قطاع السيارات في روسيا ودول الكومنولث, وصاحب مجموعة (سيبا نفط) الاستثمارية الكبرى في قطاع النفط وصاحب العديد من قنوات التلفزيون والصحف ووسائل الإعلام الأخرى في روسيا, في الوقت نفسه تواصل حكومة بريماكوف حملتها ضد مافيا الاقتصاد الروسي متتبعة عملاق آخر من عملاقة الاقتصاد الروسي هو (الكسندر سمولينسكي) وهو الذي كتبت عن (الفايننشال تايمز) البريطانية بأنه أحد الثلاثة الكبار الذين يديرون الاقتصاد الروسي هو وبيرزوفسكي ويهودي آخر اسمه (جوسنيسكي) ربما تشمله حملة بريماكوف قريبا. ويعد سمولينسكي واحد من أكبر خمسة رجال أعمال في روسيا وكلهم من اليهود الروس الذين لم يكن لهم وجود على الساحة في زمن الاتحاد السوفييتي, وفجأة ظهروا وجمعوا المليارات في أقل من خمس سنوات. ويمتلك سمولينسكي مجموعة استثمارية كبيرة تسمى (ستوليتشن بنك) تضم عدة شركات في مجال الطاقة والمعادن ولها فروع في بعض دول الخليج, وهي احدى المجموعات الاستثمارية المهيمنة على قطاعات هامة في الاقتصاد الروسي ويعمل في شركاته ما يقرب من ربع مليون مواطن روسي. وتوجه حكومة بريماكوف الاتهامات إلى سمولينسكي بارتكاب مخالفات مالية أدت إلى خروج ملايين الدولارات من روسيا عبر بنوك أجنبية منذ عام 1992, ولدى الحكومة مستندات تثبت تعاملات مالية غير قانونية لسمولينسكي مع أحد بنوك كازاخستان. مسؤولون في الدولة ولم تقتصر حملة حكومة بريماكوف على ر جال الأعمال فقط بل تعدتها إلى مسؤولين في الدولة شغلوا مناصب هامة في الحكومات السابقة ومنهم وزير الداخلية السابق في حكومة الديمقراطيين (أناتولي كوليكوف) والمتهم حاليا باستغلال منصبه لخدمة مصالح رجال الأعمال وكبار زعماء المافيا وجمعه ثروات بملايين الدولارات. وعلى ما يبدو ان حملة بريماكوف سوف تتجاوز قطاع الاقتصاد وتتعداه إلى الخصوم السياسيين وخاصة منهم من ينوون الدخول في الصراع على السلطة ومنهم محافظ موسكو (يوري لوجكوف) الذي بدأت تحوم حوله الشبهات وتشير أصابع الاتهام إلى زوجته وأقاربها الذين جمعوا ثروات كبيرة في السنوات القليلة الماضية. تأييد شعبي وتلقى حكومة بريماكوف تأييدا شعبيا كبيرا في حملتها ضد الفساد وضد أباطرة المال ورجال الأعمال الروس الذين يحوزون على قدر كبير جدا من غضب الشعب الروسي الذي يعاني أشد المعاناة من أعباء الأزمات الاقتصادية ومن نتائج سياسة الاصلاح الاقتصادي السلبية التي لم تجني منها عامة الشعب إلا المزيد من الجوع والفقر. ويبقى السؤال: هل تنجح حكومة بريماكوف المدعومة من الغالبية الشيوعية في روسيا في مواصلة سياستها الاقتصادية القائمة في الأساس على الهجوم على رموز مرحلة الاصلاح الاقتصادي السابقة المدعومة بتأييد من الغرب وواشنطن؟ وهل تستطيع الحكومة الصمود للنهاية أمام ضغوط الغرب وصندوق النقد الدولي؟ للاجابة على هذه الأسئلة يجب علينا الانتظار حتى ديسمبر المقبل موعد الانتخابات البرلمانية في روسيا, والتي سوف تحدد نتائجها معالم السياسة الروسية في السنوات المقبلة, وسوف تحدد أيضا مسار الاقتصاد الروسي وتوجهاته ومدى قبول الغرب له وكيفية تعامله معه. بقلم: مغازي البدراوي