في الحقيقة ان كافة الدول الصناعية المتقدمة لم يكن لها لتتبوأ هذه المكانة الاقتصادية الرائدة والتي فسحت لها مكان الريادة على كل الأصعدة (السياسية والاقتصادية والادارية والعسكرية والعلمية) , لم يكن لها لتتبوأ تلك المكانة لولا ايمانها العميق بأهمية البحث العلمي كدعامة أساسية من دعائم التنمية الاقتصادية وعملها الدؤوب لتطوير طرق وأساليب ومنهجية البحث العلمي بصفة مستمرة. وتشير الاحصائيات والدلائل العلمية والواقعية إلى ان تلك الدول قد أولت أهمية خاصة لمجال الأبحاث والدراسات العلمية وقدرت عقل الانسان حق قدره وأعطت العقل البشري الأولوية في كل شيء وشجعت الابداع والابتكار فأصبح العقل البشري بالتالي مبدعا في جميع المراحل العمرية, حيث توفرت له بيئة الابداع والابتكار واحترام ذات الانسان المنتج وتقديره. أما نحن في العالم العربي والإسلامي المعاصر فاننا للأسف الشديد قد وصلنا إلى درجة نستحيي معها من أنفسنا ان نعرض الحالة التي وصلنا إليها في هذا المجال, فقد شغلنا أنفسنا بحروب وصراعات دامية ومريرة, وشغلنا شعوبنا الفقيرة والمتوسطة الدخل بالسعي الدؤوب وراء لقمة العيش. أما شعوبنا المترفة فقد شغلناها بالسعي وراء ارضاء هوى النفس واشباع الغرائز التي لا تنتهي والرغبة الجامحة في السعي وراء الملذات ووراء المظاهر والبعد عن المضمون والجوهر المكنون, حتى أصبحنا نصف العاقل بالمجنون. من هنا لابد لنا من ان نعي أهمية علم الاقتصاد بشكل عام والاقتصاد الاسلامي بشكل خاص حيث انه هو الجوهر المكنون الذي يناسب مجتمعاتنا. وبالتالي فمهما بحثنا فيما سواه سوف نظل دائما وأبدا نشعر بالضياع الاقتصادي وذلك لأننا قد انحرفنا عن جادة الحق والصواب, ومن هنا يتبين لنا أهمية تطوير طرق البحث العلمي في الاقتصاد الاسلامي منطلقين من أصول الاقتصاد الاسلامي ذاته ولا ضير ان نستفيد بما توصلت إليه البشرية من تقدم علمي في المجال ذاته بقدر حاجتنا منه. أهمية الاقتصاد الاسلامي في عالم اليوم (من الناحيتين النظرية والتطبيقية معا) قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء 107), وقال جل شأنه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سبأ28), وقال أيضا: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم 30). في الحقيقة إذا أردنا ان نضع تعريفا ميسرا للاقتصاد الاسلامي فسوف نقول انه المنهج الاقتصادي الرباني, الكامل بقدر ما شاء الله تعالى له ان يكتمل, المنزه عن كل صفات النقص التي يعرفها البشر, خلقه الله سبحانه وتعالى ليتناسب مع الطبيعة البشرية وأراد له ان يطبق على الأرض. غير انه بما ان الحق سبحانه وتعالى أراد لهذا المنهج ان يطبق على الأرض من قبل البشر وليس الملائكة فإن الجانب التطبيقي منه بلا شك سوف يتصف بصفات النقص الموجودة في البشر بحكم طبيعتهم وفطرتهم التي فطرهم الله عليها, فالحق سبحانه وتعالى أمرنا في منهجه هذا بألا نأكل الربا والا نوكله والا نتعامل به اطلاقا حتى مع غير المسلمين. وأمرنا كذلك الا نصنع الخمر ولا نشربها ولا نتعامل بها مطلقا, وأمرنا بأن نجتنب الزنا وكل ما يؤدي إليه أو يرتبط به من معاملات اقتصادية تستغل المرأة استغلالا يخرج بها من جنس البشر المكرمين إلى جنس الحيوانات أو أحط من ذلك, حيث ثبت بالتجارب ان بعض الحيوانات تميل إلى الستر في اشباع حاجاتها الجنسية, وأمرنا الاسلام الا نظلم ولا نأكل أموال الناس بالباطل ولا نحقد ولا نحسد ولا نحلف بالكذب ولا نكذب اطلاقا ولا نشهد الزور ونحفظ الأمانة بكل صورها ومفاهيمها ونحافظ علىها ونحفظ العهود والوعود والمواثيق حتى مع غير المسلمين, وأمرنا كذلك ان نزكي وننفق ونتصدق ونعطف على الفقراء ولا نسرف ولا نبذر, بل نتحرى الاعتدال في الانفاق. وأمرنا ان نعمل بجد واجتهاد ونتحلى بالصبر ونخلص في العمل ونحترم الوقت وطريقة ادارته والتحكم به واستغلاله. وأمرنا بالصدق في معاملاتنا والمحبة والأخوة والتكافل والتراحم والتحلي بكافة الاخلاق العالية الرفيعة والقيم الحسنة التي يضيق المقام بذكرها كلها وأمرنا الحق سبحانه أن نتخذ الرسول (ص) قدوة في كافة معاملاته وسيرته. أما إذا أتى التطبيق العملي مخالفا لتلك القيم والمبادئ والأحكام فهذا لا يعني اطلاقا ان النقص في المنهج الإسلامي, حتى وان كان الأغلبية هي المخالفة, فالإسلام حجة على المسلمين, ولكن تصرفات المسلمين وأنشطتهم ليست حجة على الإسلام, وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تنص على ان الكثرة ليست دائما على حق, قال تعالى في آيات كثيرة (ولكن أكثر الناس لا يعلمون), وقال أيضا: (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) وقال: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف 103), وقال: (وكان الانسان أكثر شيءٍ جدلا) (الكهف 54), وتعتبر هذه بحق نقطة خلاف جوهرية بين مبدأ الشورى الإسلامي من جهة ومبدأ الديمقراطية الغربية التي تستند دائما إلى رأي الأغلبية وترجحه من جهة أخرى. فالإسلام إذا دين الفطرة ودين الرحمة لكافة البشرية, وبالتالي فكل جزئية تطبق من هذا الدين القيم تكون رحمة لمن يطبقها سواء كان مسلما أم غير مسلم (والأمثلة الاقتصادية على ذلك كثيرة جدا مما نجده مطبقا في الدول الصناعية وتفتقر إليه دولنا, وذلك مثل الصدق واحترام الوقت والجدية في العمل والاخلاص له والأمانة وعدم الغش, واتقان الصنعة وفق المقاييس والمواصفات المحددة والادارة الجيدة المتقنة للأعمال الاقتصادية والتناسب بين الجزاء والعمل واحترام السلعة واحترام المال العام وعدم تقبل الرشاوى وعدم تقبل الواسطات والمحسوبيات وعدم الاسراف والتبذير وغيرها من المبادئ والقيم). وعلى الرغم من ان المجتمعات الغربية لا تطبق تلك المبادئ والقيم من منطلق ديني إلا ان تطبيقها يكون رحمة لاقتصاديات تلك الدول وان كان ذلك التطبيق مبتورا. وتتجلى صور تلك الرحمة فيما نشاهده من تنمية اقتصادية في تلك الدول, وذلك مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). ان هذه القيم والمبادئ التي ذكرناها أصبحت من الدعائم القوية التي تقوم عليها اقتصاديات الدول الصناعية وأصبحت من السمات المميزة لتلك الاقتصاديات إلى درجة ارتباطها بها ارتباطا قويا حيث يخيل للانسان الذي يجهل التاريخ الاسلامي العظيم وكأن تلك المبادئ والقيم قد تم ابتداعها في تلك الدول. فلقد أدركت تلك الدول أهمية تلك القيم والمبادئ لعملية التنمية الاقتصادية ومن ثم أدركت وعرفت كيف تحافظ على بقائها واستمرارها, في حين ننظر نحن إلى تلك القيم العظيمة بعين السخرية ونعتبرها من صور التخلف والسذاجة, حيث نصف من يتمسك بها وللأسف الشديد بتلك الصفات السيئة.