أخذت ظاهرة اندماج المؤسسات المالية والمصرفية تزداد على مستوى العالم في السنوات الأخيرة, حيث نلاحظ اندماجها بين المؤسسات المصرفية (البنوك على وجه التحديد) وبين المؤسسات المالية الاخرى مثل شركات التأمين وشركات الوساطات المالية وتجارة الأسهم والسندات ليشكل الاندماج ما يعرف قانونيا بالشركات القابضة أو المجموعة. ويرجع الاقتصاديون هذه الظاهرة الى رغبة في الآتي : 1ــ رفع مستوى الكفاءة الادارية والفنية, ومن ثم رفع مستوى جودة الخدمات. 2ــ توسعة حجم السوق ومن ثم ازدياد حجم المبيعات وتخفيض أسعار الخدمات المالية والمصرفية التي تقدمها تلك المؤسسات مما يؤهلها الى القدرة على المنافسة. 3ــ العمل على راحة ورفاهية العميل الذي يحرص على الحصول على الخدمات المالية والمصرفية تحت سقف واحد وفي مكان واحد توفيرا للوقت والجهد, حيث يتناسب ذلك التوجه مع روح العصر الذي نعيشه. 4ــ وفورات الحجم الكبير والمجال الكبير. 5ــ ازدياد القدرة على المنافسة ليس على المستوى المحلي فقط, وإنما على المستوى الخارجي. والحقيقة ان فكرة اندماج وتوحد المؤسسات المالية والمصرفية ذات الأنشطة المتشابهة والمتداخلة تشبه الى حد كبير فكرة مراكز التسوق الكبيرة التي تجمع كافة السلع والخدمات التي يحتاجها المتسوق, بيد ان الأولى في سوق المال والنقود والثانية في سوق السلع والخدمات المصنعة, وهي فكرة تناسب روح العصر الحديث, حيث أصبح الانسان يسعى جاهدا لقضاء حاجاته وانجاز أعماله بأقصر وقت وبأقل جهد وكلفة ممكنة. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية اندماج المؤسسات المالية والمصرفية. غير ان مثل هذه الاندماجات تتولد عنها سلبيات عديدة ترتبط بنظام الاشراف والرقابة على تلك المجموعات أو الشركات القابضة وتنظيمها, أي بمعنى آخر ترتبط السلبيات بصعوبة ايجاد الأرضية التشريعية التي تحكم تلك الانشطة الاقتصادية عندما تنظم في مجموعة واحدة وصعوبة ايجاد الآلية والجهاز الاداري الحكومي الذي سيتمكن من الاشراف والرقابة التامة على أنشطة المجموعة, حيث ان كل نشاط يحتاج الى رقابة واشراف من جهة حكومية محددة. ان أنشطة المجموعة تتداخل مع بضعها بصورة يصعب فصلها ومراقبتها منفردة. ومن هذا المنطلق تصبح مهمة السلطات النقدية (أي المصرف المركزي) في إحكام الرقابة والاشراف على المجموعة أو الشركة القابضة التي تمارس مثل هذه الانشطة مهمة صعبة للغاية. ويصبح من الصعب جدا على المصرف المركزي الاعتماد على نظام التدقيق الداخلي للمجموعة في الحصول على المعلومات التي يريدها, حيث يتداخل نظام التدقيق المصرفي مع نظام التدقيق المالي الخاص بشركات التأمين وشركات الوساطة المالية والأسهم والسندات, وذلك على الرغم من الاختلاف الكبير بينهما. ويزداد الأمر صعوبة عندما لا نجد قانونا محددا يحكم نشاط المجموعات أو الشركات القابضة فهي تخضع لقانون الشركات ذاته وقوانين البنوك وشركات التأمين, بل ان الأمر يزداد صعوبة فيما لو كانت الشركات القابضة شركات أجنبية أو متعددة الجنسيات, حيث ان القاعدة التشريعية التي تحكمها تزداد تعقيدا. والحقيقة ان توفر قاعدة البيانات عن الشركات المالية والمصرفية التي تدخل في مثل هذه المجموعات قد يسهل من مهمة السلطات الحكومية التي تراقب أنشطة هذه المجموعات, وبالتالي فكلما كانت قاعدة البيانات دقيقة ومفصلة وميسرة, كلما كانت مهمة الاشراف والرقابة أسهل وأيسر. ولقد لجأت بعض الدول في السنوات الأخيرة من أجل تجاوز هذه العقبات الى انشاء قاعدة بيانات مالية ومصرفية تلزم مثل هذه المجموعات باتباعها, هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى, ايجاد جهة حكومية واحدة فقط تشرف على وتراقب مثل هذه المجموعات, وذلك بدلا من تعدد جهات الرقابة والاشراف. ومن ثم تستطيع هذه الجهة الواحدة ان تغذي الجهات المختصة الأخرى بكل ما تحتاجه من معلومات عن هذه المجموعات كل فيما يخصه. والحقيقة ان العمل جار على المستوى الدولي, حيث تعكف لجنة بازل الى دراسة هذا الموضع الحيوي وذلك من أجل الخروج بنظام تشريعي موحد على مستوى العالم يحكم أنشطة المجموعات أو الشركات القابضة التي تجمع بين الانشطة المالية والمصرفية, بيد ان ذلك لن يغني أبدا عن اهتمام كل دولة بوضع تفاصيل أنظمتها الداخلية في هذا المجال.