إرث الشعوب في الدقة والصبر والألوان والاشكال يتبدى في انماط الزخارف والنقوش التي توسم العمارة والتحف والسجاد وتفاصيل دقيقة في الحياة . ولو أمعنا النظر في التاريخ نتوقف عند أغلفة الكتب أو الأبواب والنوافذ أو المساجد أدركنا كم استطاعت الزخرفة والنقوش أن ترافق الحضارة الاسلامية والعربية وتضيف خصوصية فنية وشكلانية لمرحلة بداية الاسلام ثم انتشاره. ومع ان العديد من الدول العربية والاسلامية نحت صوب الانماط الغربية ولم توفر فيها المظهر العام والاشكال المعمارية إلا أن بعضها احتفظ بروحية فن الزخرفة التي بقيت ملموسة عنده وقد تستمر شاهداً على الحاضر حين نتخطاه ماضياً في المستقبل. د. صلاح شيرزاد (متخصص في الخط العربي والزخرفة الاسلامية وتاريخ الفن الاسلامي) خصص محاضرته أمس الواحة في واحة السجاد للزخرفة الاسلامية وهي الأولى بين مجموعة من الانشطة الثقافية التي يقيمها اتحاد الكتاب ضمن مهرجان دبي الرابع للتسوق. وأوضح أن الزخرفة الاسلامية نشأت مع بداية الحضارة الاسلامية وتنوعت استخداماتها على المباني والسيراميك والزجاج والسجاد والمعادن والاخشاب والكتب. وتعددت مراحلها حيث صاحب الزخرفة الخط العربي في البداية وقلما نقع على خطوط مفتقرة لذلك. وتطرق في المحاضرة التي قدمها محمد مختار الى الخط العربي وعرض نماذج على شرائح ملونة. وتابع يشرح أن الزخرفة الاسلامية هي نقوش استوحيت مفرداتها من الطبيعة النباتية كالأوراق والاغصان والاشجار واخذت طابعاً متميزاً في الاسلام اذ غيبت الملامح البشرية وتجنبت التعرض لكل مافيه روح. وهي فن لا يعتمد على الحشو العشوائي انما تشغل بنظام خاص بها درج المزخرفون على الالتزام بأصوله وقواعده. ومن الأنواع الأخرى الزخرفة الهندسية التي تختلف عن النباتية في تركيزها على خطوط تتداخل وتتقاطع لتكون الشكل الهندسي الزخرفي. مغرقة في القدم وعن الزخرفة على السجاد والتي نصادفها في الواحة قال د. شيرزاد انها مسألة مغرقة في القدم وغالباً ماتأثرت بالبيئة ومعتقدات الشعوب التي كانت تصنع السجاد. ولا شك أن كل مرحلة زمنية وكل منطقة لها خصوصيتها التي تبرز عبر طابعها المغاير. ومن الدول التي مازالت الزخرفة تجد حيزها فيه هي ايران وتركيا والمغرب العربي والتي لا تتشابه زخرفاتها. وأضاف ان الانسان والمشتري العاديين لا يستطيعان تقييم السجاد عبر رسوماته وزخارفه انما يلفتهم الشكل واللون ويحكمهم ذوقهم الخاص. ويندر أن نجد شعباً لم يلجأ الى فن الزخرفة والنقش بما يعتبران مجالاً للتعبير رمزياً عن المعتقدات والحيوانات والطبيعة وغالباً ما كانت الزخرفة تخدم موضوع النقوش فيما أتى الاسلام ليرتقي بها فناً بصرياً مستقلاً. وتوغل في الشروحات ليعرج على العناصر والوحدات التي يحتملها نظام الزخرفة فيضيف ان له اصولاً متعارفاً عليها وبالامكان تعلم اسلوبها بسهولة وتطبيقه بالطريقة ذاتها أيضاً غير أن الاسلوب الشخصي يفرض نفسه ونجاح المزخرف يكمن في تكوينه واستخدام الألوان وكيفية ذلك أي في الناحية الفنية الجمالية التي يمتاز بها فقط الناس المبدعون وخلص الى أن الزخرفة تتراوح بين العمل الحرفي المهني والعمل الفني الابداعي والمواد التي تستعمل منوطة بالحامل الدي يتباين بين السجاد والصوف وبين المباني التي تعتمد على الحفر الغائر والناتىء وبين الورق الذي يستند الى ألوان الغواش. وهل أسهم العرب في تصوير هذا الفن والاضافة عليه؟ يقول د. شيرزاد ان الزخارف نشأت وتطورت بين الشعوب الاسلامية المختلفة القوميات واللغات غير أن التطوير الأهم حدث لدى الفرس والاتراك بالدرجة الأولى حتى انهم سبقوا العرب في ممارسة استخداماتها وربما كان هذا سبباً لعدم بروز اسهامات عربية خالصة بالزخرفة وهذا ما دفع الى اطلاق تسمية (الزخرفة الاسلامية) . وهذا على عكس الخط العربي حيث شكل العرب المحور الاساسي لظهوره وتطويره على رغم اسهامات ومشاركات الشعوب الأخرى وهناك فصل بين التخصصات غير أن الخط يمكنه أن يكون زخرفة اذا امتلك الفنان رؤية خاصة واصطبغت اعماله بالصبغة الفنية. الزخرفة والتجارة وحول واقع الزخرفة حالياً وملامستها للتجارة اعتبر د. شيرزاد أن المزخرفين اصبحوا حرفيين تقليديين ويسحبون اشغالهم على مفهوم التجارة واستمرت الزخرفة فنية في ايران وتركيا والمغرب فيما غدت مجرد تزيين للمنتجات في غالبية الدول الأخرى, ونتيجة هذا الواقع وغياب المعاهد التعليمية المتخصصة المحفزة على الابداع والارتقاء بقيت زخارفنا ضمن سماتها وصفاتها المعروفة. بل انها اصبحت اشبه بالممارسات التراثية ونحن فعلياً غير مضطرين لتغييرها لكن هناك مجالاً للابداع في النقوش والأعمال الفنية الأخرى ونستطيع تطويرها لتتوازى مع الزخرفة الاسلامية لموازاتها. وبهدف السير في طريق التطور الطبيعي ينبغي ايجاد اهتمام رسمي بهذا الفن يدعمه التعليم والتخصص ويشترط بالمزخرف أن يكون صاحب ذوق وأن يكون فناناً وممتلكاً لأدوات التقنية في التنفيذ وفيما يخص حضور المرأة في هذا المجال الفني أوضح د. شيرزاد انها حاضرة بقوة في الوقت الراهن حتى انها طغت على الرجال ففي تركيا على سبيل المثال غالبية المزخرفين من الاناث. إلا أن التاريخ اسقط اسماء المزخرفات وكذا المزخرفين باستثناء ما حفظته الكتب لأنه عد فناً شعبياً, وفي العصر الحالي ظهر الحرص على تدوين الاسم شأن الخط. واثار مسألة التشويه إذ قال ان الامارات وغيرها من الدول العربية تشوه في نقل الزخرفة وقد بزغ اهتمام بالمسألة في العراق ومصر ومازال المغرب العربي منضبطاً نوعاً ما. وما نشاهده من نقوش وزخارف مليء بالاخطاء وفيه عناصر غير اسلامية وانماط زخرفية ومعمارية غربية مثل الركوكو والباروك. كتبت رندة العزير