تفترض الاقتصاديات الحديثة بأن السياسات التوسعية كتخفيض نسب الفائدة والضرائب وزيادة الانفاق ما هي الا اجراءات ظرفية مؤقتة في طبيعتها أساسا. أي حينما يتعرض الاقتصاد للمصاعب فإنه يحتاج لدفعة, وبمعنى آخر ان تقوم الحكومة بدعمه . وما ان يتم ذلك حتى يبدأ الاقتصاد بالتوسع ذاتيا, لكن هذا الافتراض أي مقدرة الاقتصاد على النمو ذاتيا قد لا يكون قابلا للتطبيق في الاقتصاد الياباني لسوء الحظ. ولنفهم سبب ذلك, علينا حل هذا اللغز: كيف يتأتى لاقتصاد بدا وكأنه لا يقهر, أن يصبح مزعزعا سريع التأثر؟ يتحدث الصحفي ريتشارد كاتز في كتابه الذي نشر مؤخرا (اليابان: النظام الذي سما) عن نقطة لاحظها, كما لاحظها غيره, وهي ان اليابان رسخت (اقتصادا مزدوجا) بعد الحرب العالمية الثانية. من جهة أولى شجعت اليابان القطاع التصديري القادر على المنافسة, حيث تمكنت تويوتا وسوني وأمثالهما من غزو أسواق العالم, ومن جهة ثانية وفرت اليابان الحماية لمعظم القطاعات الأخرى في اقتصادها (مثل تجارة التجزئة والاتصالات والنقل والصناعة المصرفية والزراعة والعديد من الصناعات الأخرى) من المنافسة. وكان وراء هذه الحماية دوافع سياسية واجتماعية. ونذكر على سبيل المثال قطاعين لقيا الكثير من الحماية وهما المزارعون وأصحاب المحلات التجارية اللذان كانا من أهم ناخبي الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم, وبكلام أعم, فإن اليابانيين يقيمون عاليا الاستقرار و(الانسجام) في العلاقات الاجتماعية والمنافسة تهدد هذه القيم. ونجحت صيغة العمل هذه نجاحا رائعا لتعود طويلة, حيث تمكنت الصناعة التصديرية المتوسعة بدفع بقية قطاعات الاقتصاد, لكن الصيغة ذاتها بدأت تتزعزع أواسط الثمانينات لأسباب عدة منها ارتفاع قيمة الين, الأمر الذي زاد من تكلفة الصادرات اليابانية. كما تمكنت الشركات الامريكية من تفادي هجمة المنافسين اليابانيين بتخفيض تكاليف الانتاج وتحسين مستواه. ومن جانبها استطاعت بعض الدول الآسيوية الاخرى كتايوان وكوريا الجنوبية ان تضع يدها على الاسواق اليابانية. وفقد الاقتصاد الياباني قوة دفعه الكبيرة مع توقف ازدهار الصادرات. ويعتمد النمو الاقتصادي على الابداع والتغيير, حيث تنتج الشركات منتجات جديدة أو تخفض أسعار منتجاتها. وهذا يزيد من العرض, وكلما زادت الشركات من كفاءتها, ارتفعت معدلات الاجور وفرص العمل, الأمر الذي يرفع الطلب, وزيادة الطلب تستطيع استيعاب زيادة العرض, وبالتالي يرتفع معدل الانتاج والعمالة معا. لكن هذه المعادلة الاقتصادية الصحية غير موجودة في اليابان, لأنه وخارج قطاع الصناعة التصديرية, فإن عامل الابداع والتغيير غائبان تماما. والنتيجة لذلك هي ان السياسات التوسعية في الاقتصاد الياباني ليست لها أية صلة بمثيلاتها في معظم دول العالم الأخرى. لقد تعلمنا كلنا كاقتصاديين كيف يمكن لأية دولة تعاني من تراجع اقتصادي ان تقوده نحو التعافي, سواء بتخفيض الضرائب أو زيادة الانفاق أو تخفيض نسب الفائدة. لكن اليابان قد جربت كل هذه السبل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية والنتيجة التي حصلت عليها هي الأزمة التي تتعمق باستمرار. أما آخر النصائح التي سمعها اليابانيون فهي طباعة المزيد من العملة وذلك (حسب ما قيل) سيشجع الانفاق. وربما يطبقون هذه النصيحة. ولجأ مصرف اليابان, بعد اجتماعه الاخير لبحث سياسته في 12 فبراير الماضي, لجعل نسب الفائدة على القروض قصيرة الأجل تهبط الى مستوى الصفر تقريبا. ويعتقد بعض المحللين الآن بأن الاقتصاد العالمي الضعيف بحاجة الآن الى عودة للنشاط في الاقتصاد الياباني, لأن ذلك قد يبث الروح فيه. فهل يجدي خفض الفوائد في اليابان؟ وكيف يمكن للفوائد المنخفضة ان تساعد في تحريك الاقتصاد؟ للاجابة على هذا السؤال الوجيه نقول بأن نسب الفوائد المنخفضة يمكن ان تساهم في زيادة الاقتراض, أو يمكن ان تدفع المستهلكين لزيادة انفاقهم وذلك بسحب مدخراتهم في المصارف (لأن ربحها يقل), كما يمكن للفوائد المنخفضة ان تزيد من المقدرة التنافسية للصادرات اليابانية باعتبارها تسبب انخفاض سعر الين, لكن كل ذلك قد لا تكون له نتائج طفيفة, خصوصا وان نسب الفوائد في اليابان كانت منخفضة أصلا ولسنوات عديدة, حيث كانت الفوائد على القروض القصيرة الأجل قبل التخفيضات الأخيرة 25.0%, لكن مفعول ذلك كان سريع الزوال, بل ان الدواء احيانا زاد من حدة الداء فعلا. ففي أواسط الثمانينات جربت اليابان تقديم قروض ميسرة, وهو ما أدى لاحداث ازدهار مصطنع أو ما يسمى (اقتصاد الفقاعة) والذي وضع انهياره المصارف اليابانية في وضع لا تحسد عليه بوجود ديون ميتة ضخمة. أما التسعينات فشهدت خططا (تحفيزية) شملت تخفيضات في الضرائب وزيادة في الانفاق, لكن أيا من هذه الخطط أعطت نتيجة دائمة المفعول, وفي الوقت نفسه تضخمت الديون الحكومية لتتجاوز نسبتها 100% من اجمالي الناتج المحلي, ولن يتوقف الدين الحكومي عند هذا الحل, بل سيزداد, إذ قد يستهلك عجز الميزانية هذا العام 10% من الناتج المحلي, حسب ما يقوله ديفيد آشر عن برنامج اليابان في معهد ماساشوسيتس للتقنية. أما بيرت إيلي المحلل المالي فيقول بأن المحللين الاقتصاديين التقليديين يتجاهلون (القضايا الثقافية والبنيوية) . واليابان اليوم تحس بالعواقب المؤجلة لعقود من كبح التغيير في اقتصادها, فشركاتها التي تمتعت بالحماية من المنافسة لم تحاول ابتداع منتجات جديدة أو تحسين كفاءتها الانتاجية, ففصل العمال من وظائفهم كان يعتبر تصرفا معاديا للمجتمع. وتقول بعض الدراسات ان نسبة البطالة المعلنة رسميا في اليابان وهي 4.4% يمكن ان تتضاعف فيما لو أضفنا لها نسبة البطالة المقنعة. والاحتفاظ بهذا العدد من العمالة غير المنتجة يخفض من الارباح, الأمر الذي يقود الشركات الى الافلاس أو يمنعها من التوسع. والاقتصاديات الحديثة ذاتها لا تستطيع ان تتجاوز العقبات بشكل آني, فقد تعلمت أوروبا الدرس ذاته, حيث ساهمت شبكة معقدة من الممارسات كالضرائب المرتفعة والقوانين والأرباح الكبيرة من أعمال لا تحتاج الى عمالة في رفع مستوى البطالة لتتجاوز مستوى 10%, ولن تغير الشركات والعمال من سلوكهم الاقتصادي الا اذا اضطرت لذلك. لكن المشكلة هي ان عملية التغيير تحتاج لوقت طويل أولا, ولا تحظى برضى العامة عنها ثانيا. فالتغيير في حد ذاته قد يعتبر انتقاصا من القيم المتوارثة وتهديدا للجماعات صاحبة القوة. واليابان الآن تعاني من تأجيلها لاجراءات كان يجب ان تتخذ قبل 20 عاما. وفي المقابل هي غير قادرة على تنفيذ الاصلاحات في غضون 20 شهرا.. وهنا يكمن الفخ الذي وضعت نفسها به. خدمة: لوس انجلوس تايمز