مرت 40 عاماً منذ تأسيس (مصرف التنمية بين الامريكيتين) على يد مجموعة من رجال الاقتصاد الذين يميلون الى الاعتقاد مثلهم مثل الرئيس الحالي للمصرف انريك ايجليسياس , ان الشركة بين الولايات المتحدة وامريكا اللاتينية يمكن ان تساعد على تحقيق كامل الطاقات الاقتصادية والاستفادة منها. ويرعى المصرف مجموعة من البرامج التي تهدف الى تحقيق المزيد من التقدم في مجالات التنمية الاجتماعية, وتشجع عمليات الاندماج الاقتصادي ودعم الاعمال الصغيرة. ان نجاحات المصرف في هذه المجالات تتحدث عن نفسها. ولكن في الوقت التي تكافح امريكا اللاتينية للمحافظة على وجودها في حالة الفوضى الصارمة التي افرزتها الازمة المالية العالمية, فإن مصرف التنمية بين الامريكيتن, ومن دون وجه حق يتعرض الى انتقادات لاذعة ويصنف في خانة صندوق النقد الدولي الذي يتعرض لكثير من الانتقادات والاتهامات. اضافة الى ذلك, فبعد حوالي عشر سنوات من اقدام اكبر دول امريكا اللاتينية بما فيها الارجنتين والمكسيك, على فتح اقتصادياتها امام الرأسمالية العالمية فإن السواد الاعظم من المواطنين لم يتعرف بعد على منافع اقتصاد السوق, الامر الذي ادى الى اجماع في المنطقة يتساءل حول الحكمة من وراء تطبيق هذا النموذج الاقتصادي وينادون في الوقت نفسه لاستبداله (بالطريق الثالث) كنهج ونظام مهجّن قادر على جعل رأسمالية السوق اقل حدة واكثر قبولاً لدى عامة الناس. يقع مصرف التنمية بين الامريكيتين في وسط هذا الصراع وايجليسياس هو اول من يقف في وجه العاصفة وتعود اصوله الى عائلة اسبانية مهاجرة ونشأ في اورجواي وبينما كان يتابع دراساته لنيل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد, ربطته صداقة وطيدة مع جون كنيث جالبريث الذي كان يعتبر في ذلك الوقت احد الاقتصاديين المرموقين, وكان يعمل مع الرئيس الامريكي الاسبق جون كنيدي لاقامة (الحلف من اجل التقدم) والذي يعتبر المبادىء الامريكية الحقيقية الاولى لمساعدة امريكا اللاتينية من خلال برنامج يربط بين المساعدات الاقتصادية والاصلاحات الداخلية. لقد لعبت تلك الصداقة دوراً مهماً في قيادة ايجليسياس لمصرف التنمية بين الامريكيتين. في عام 1986 تولى ايجليسياس رئاسة المؤتمر الذي بدأ ما يعرف بدورة الاورجواي للمفاوضات التجارية والتي ادت الى قيام (منظمة التجارة العالمية) . بعد ذلك بسنتين تم انتخابه رئيساً لمصرف التنمية بين الامريكيتين واعيد انتخابه للمرة الثالثة العام الماضي بعد ان رفع القروض التي يقدمها المصرف من 6.1 مليار دولار عام 1988 الى 10 مليارات دولار. تمتد خبرة ايجليسياس العملية لحوالي 45 عاماً قضاها كأستاذ جامعي ودبلوماسي ورئيس لبنك الاوروجواي المركزي, خلال مقابلة عبر الهاتف, ذكر ايجليسياس الاعزب عن ثلاثة اشياء تجعله في غاية السعادة, التحدث مع الاصدقاء في جميع انحاء العالم, والاستماع للاوبرا, والنوم الذي لا يحظى بالكثير منه لكثرة اسفاره. الطريق الثالث يدعو العديد من الاقتصاديين والقادة في امريكا اللاتينية لتبني (طريقاً ثالثاً) هل تعتقد ان هناك شعوراً متنامياً في امريكا اللاتينية, ان تجربة اقتصاد السوق في طريقها الى الفشل؟ وكيف يمكن ان نقيس النجاح؟ يجب ان نلقي نظرة شاملة حتى نتمكن في وقت واحد من قياس الكفاءة الاقتصادية والاجتماعية في اطار النظام الديمقراطي, قد نميل في بعض الاحيان الى المبالغة بالكفاءة الاقتصادية على حساب الكفاءة الاجتماعية, الامر الذي من شأنه ان يؤدي في بعض الاحيان الى المواجهة وفي بعض الاحيان نحاول ان نعظم من الكفاءة الاجتماعية ونهمل الجانب الاقتصادي لينتهي بنا المطاف الى الحد من الملكية الخاصة, وارتفاع معدلات التضخم والتخلف, ان الاختبار الصعب ينطوي على اقامة توازن جيد بين السياسات التي تستطيع ان تؤمن في الوقت نفسه معدل نمو يمكن الحفاظ عليه وتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الفقر. * هل ادت الاصلاحات الاقتصادية التي طبقت على مدى الخمس عشرة سنة الماضية في بلدان مثل المكسيك والارجنتين الى تضييق الفجوة بين الاغنياء والفقراء؟ ــ ان الاصلاحات التي طبقت كانت في غاية الاهمية لاستعادة الاستقرار في تلك الاقطار. من المحتمل ان هناك اشياء كان من الممكن ان تنفذ بطريقة افضل ولكن ومن حيث المبدأ, فان تلك الاصلاحات تم دعمها من قبل هيئات تتسم بسوء الادارة الاقتصادية والتي نعاني منها فعلياً في كل بلد من بلدان المنطقة. ان هذه شروط مسبقة لا بد من توفرها والالتزام بها لتنفيذ سياسات اجتماعية جادة تؤدي الى ردم الفجوة. يجب على تلك الدول اكمال ما بدأوه في مجال الاصلاحات ولكنهم في الوقت نفسه يحتاجون الى اعادة الاهتمام بالسياسات الاجتماعية لتحتل رأس قائمة اهتماماتهم خلال السنوات المقبلة, ليس امامنا من خيار سوى تنفيذ هذه الاصلاحات, ولكننا لم ننجز المهمة حتى الآن, فعملية مكافحة الفقر وتضييق الفجوة بين طبقات المجتمع لا تزال من القضايا المعلقة في المنطقة. التهميش * هل تعتقد ان عملية التهميش والفقر واسعتا الانتشار في امريكا اللاتينية جاءت كنتائج حتمية لعمليات الاستغلال الاقتصادي والانظمة الاقتصادية المجحفة كما يقول بعض الناس, ام ان الاسباب تعود الى عوامل اخرى مثل النظام التعليمي السيء؟ ــ للفقر جذور تاريخية عميقة في امريكا اللاتينية تبدأ بالطرق التي وزعت بها الثروات, وخصوصاً الاراضي كما نعاني ايضاً من سوء ادارة الاقتصاد وما ينشأ عنه من تضخم والذي يلقي بأعباء ثقيلة على كاهل الفقراء. كما ان لدينا حكومات تفتقر الى المصادر الكافية, بالاضافة الى ادارة تفتقر الى الكفاءة في ادارة الموارد المالية المتوفرة اضف الى ذلك ان بعض السياسات الاصلاحية التي طبقت في المراحل الاولى من الاصلاح الاقتصادي ادت الى تركيز الدخل في ايدي طبقة محدودة من المجتمع. ولكن عندما ابحث عن اصل وجذور مشكلة الفقر وعدم المساواة, فأنا اميل الى الاعتقاد ان المشكلة تكمن في فجوة التعليم ومن المحزن في حقيقة الامر ان نعترف اننا لم نقم بما يكفي في هذا المجال, فالتعليم لا يزال سيئاً جداً في المنطقة, كما انه لا يزال حكراً على فئة محدودة, من الناس, ولا نزال بحاجة ماسة لادخال تحسينات جذرية على نوعية النظام التعليمي, ان الاهتمام بآليات السياسات الاجتماعية الاساسية يجب ان ينصب على التعليم والتدريب اللذين يعتبران العنصران الاساسيان للنشاط الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في اي بلد من بلدان العالم. النزعة الى الحماية * فشل الرئيس الامريكي بيل كلينتون اقناع الكونجرس الموافقة على منحه سلطة المسار السريع والذي يقول انها تحتاج لاجراء مفاوضات مثمرة والتوصل الى اتفاقيات في مجال التجارة الحرة العالمية هل تعتقد ان النزعة الى الحماية تتنامى في الولايات المتحدة الامريكية؟ ــ لدي احساس بأن ظاهرة العولمة التي نمر بها الآن ستجعل النزعة الى الحماية تتنامى في كل مكان وليس في الولايات المتحدة فقط. كما تهدد العولمة خطط الاندماج التي انجزناها في السنوات القليلة الماضية والمحصلة النهائية, لا بد لنا من ان ندرك ان التجارة كانت ولا تزال قضية في غاية الصعوبة وان جهوداً جبارة بذلت لتحريرها, ولكن لا بد من بذل المزيد من الجهد حتى نتوصل الى فتح الاسواق. آمل ان تدرك الدول المتقدمة والولايات المتحدة على وجه الخصوص مدى اهمية فتح الاسواق في امريكا اللاتينية لايجاد المزيد من فرص العمل في الولايات المتحدة ايضاً فالمنطقة الآن هي ثاني او ثالث شريك تجاري للولايات المتحدة, ويحذوني الامل ان يفهم الامريكيون في نهاية المطاف المنافع التي سيجنوها من التجارة الحرة على المدى البعيد. ولكني اعلم ايضاً انه في اوقات الازمات والتخبط, فإن النزعة نحو الحماية تصبح أمراً مغرياً. نقد الصندوق * يتعرض صندوق النقد الدولي الى انتقادات حادة بسبب الطريقة التي عالج بها الازمات الاقتصادية في آسيا وروسيا والبرازيل هل هناك ما يبرر هذه الانتقادات؟ ــ كان صندوق النقد الدولي دائماً موضع تساؤلات وخاصة في امريكا اللاتينية, ولكن لا بد من التذكير بأن مؤسسات (بريتون وودز) لعبت دوراً بارزاً في تجنيب العالم العديد من الازمات المالية منذ الثلاثينات من هذا القرن, ويعود الفضل في ذلك الى صندوق النقد ولا بد من الاشارة في هذا المقام انه خلال السنوات القليلة الماضية قام صندوق النقد بتوسيع نشاطاته لتشمل العديد من القضايا المهمة مثل البعد الاجتماعي للحكم. ان هذا يعتبر من حسنات الصندوق وخصوصاً فيما يتعلق بتوسعة آفاق المجالات التي يعمل في اطارها. وبالرغم من انني لا أنكر ان المجالات التي يعمل فيها الصندوق تبقى مثيرة للجدل, الا انني على يقين بأنه يقدم افضل ما لديه ولا يوفر جهداً لمساعدة الدول الخروج من ازماتها, ومن المهم في هذا الاطار ان نقارن الحاضر بالماضي لادراك مدى نجاح الصندوق من فشله. * ما هي النتائج المتوقعة للأزمة البرازيلية؟ هل تعتقد ان الرئيس فرناندو هنريك كاردوسو يقوم بما هو صواب في هذه المرحلة؟ ــ نعم. انه يواجه وضعاً طرأ عليه نتيجة لظروف خارجية وخصوصاً في بداية الازمة كما ان البرازيل تعاني من ضعف اقتصادي وهو ما يدركه الرئيس حتى قبل انتخابات العام الماضي فهو يعكف الآن على تصحيح السياسات المالية البرازيلية ويطبق العديد من السياسات النقدية في محاولة لانجاح الصفقة التي عقدها مع صندوق النقد الدولي, والاسواق لا تزال في حالة انتظار قبل ان تعبرعن ايمانها بالبرنامج الاصلاحي العام. يمكن القول ان هناك اشارات واضحة تدل على امكانية تطبيق البرنامج الاصلاحي وخصوصاً لان هناك تصميم قوي للتوصل الى معدل جديد للعملة. الفجوة بين الدول * الا توافقني الرأي ان عولمة الانتاج ادت الى توسيع الفجوة بين الدول القادرة على الاستمرار اقتصادياً وبين تلك غير القادرة على ذلك؟ ــ للعولمة وجهان, الاول يوفر الفرص, والآخر يجلب المخاطر, لدينا الآن سوق مالي عولمي يسمح بالوصول الى جميع مدخرات العالم وهو امر في صالح جميع الاطراف ولكن هذا ينطوي على مخاطرة كبيرة, فالدول التي لم تعد نفسها للابحار في خضم هذه البحار سيعانون كثيراً ويمكن ان ينتهي الامر باستبعادهم او تأخيرهم عن اللحاق بركب التقدم. المهم في ظل العولمة هو انه من واجبنا ان نفهم ونتعلم كيف نقرأ الاشارات الصادرة عن الاسواق العالمية حتى نتمكن من خلق الدفاعات الداخلية خط الدفاع الاول هو وضع سياسة اقتصادية شاملة وسياسة مالية جيدة على وجه الخصوص فالدول التي تتمتع باقتصاد محلي جيد ولديها القدرة على توفير ادارة اقتصادية جيدة تكون دائماً في وضع افضل لمواجهة المخاطرالتي تفرضها العولمة. ثانياً: هناك آلية اخرى تعتبر في غاية الاهمية بالنسبة لامريكا اللاتينية الا وهي الاندماج. * ما الذي نحتاجه حتى نتوصل الى آلية تساعد المستثمرين على التمييز بين الدول التي نجحت بتنفيذ وتطبيق الاصلاحات وبين تلك التي فشلت في هذه المهمة؟ ــ اعتقد ان المستثمرين يعرفون حق المعرفة وعلى دراية كاملة بما يقومون به وخصوصاً ان الاسواق لا يمكن ان تخفي الحقائق فاذا نظرت الى هذا الموضوع اعتماداً على الاحصاءات المتوفرة, يبدو واضحاً ان امريكا اللاتينية تتخبط بحالة من الفوضى المالية, ولكن ليس على المدى البعيد, فالاسواق تراهن الآن على ما تعتقد انه آمن, ولكنها تدرك تماماً الاهمية المستقبلية لامريكا اللاتينية لقد حدث, الى حد ما على الاقل, اعادة تقييم لامريكا اللاتينية من المنظور العالمي وحتى في خضم الفوضى القائمة, لا بد من الاشارة الى ان العدوى بقيت محصورة داخل البرازيل ولم تنتقل الى باقي دول المنطقة.وفي ظل ظروف مختلفة, فإن الوضع كان يمكن ان يكون اسوأ من ذلك بكثير ويعود الفضل في ذلك الى حسنات السياسات التي تم انتهاجها العام الماضي والاصلاحات التي انجزت خلال السنوات القليلة الماضية. * في وقت تتقيد الحكومات بسياسات مالية واضحة, ويتناقص فيه استهلاك الجماهير, كيف يمكن للحكومات ان تعالج مشكلة البطالة؟ ــ الحري بالحكومات في مثل هذه الظروف ان تتخذ الخطوات الضرورية لتشجيع القطاع الخاص على زيادة استثماراته وذلك لايجاد المزيد من فرص العمل, ولكن في حال ارتفاع معدل البطالة, فإن على الحكومة ان تتنبأ بضرورة اتخاذ ما يكفي من الاجراءات لمواجهة المشكلة وبما ان المنطقة تحتوي على العديد من المشاريع الصغيرة, فإن تشجيع الحكومة ودعمها لمثل هذه المشاريع يصبح في غاية الاهمية لايجاد اكبر عدد ممكن من الوظائف في هذا الاطار لا بد من بذل المزيد من الجهد في امريكا اللاتينية. * هل يمكن ان نقيس نجاح نمط اقتصادي بمجرد النظر الى قدرته على زيادة انتاج البلد؟ ــ لا ولست اسمح لنفسي ابداً بالوقوع باغرء الاقتصار على النظر الى مدى النمو الاقتصادي فالتنمية والتطور يجب أن يشمل العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والعيش في اطار قيم المجتمع وخصوصاً فيما يتعلق بتحقيق الذات الروحية عند الشعب, ولهذا السبب يلاحظ زيادة اهتمام مصرف التنمية بين الامريكيتين بالتنمية الحضارية لان هذه هي الطريقة الافضل لادخال عناصر حضارية في معادلة التنمية من شأنها تقوية ودعم هويتنا وقيمنا الحضارية لا بد ان يتوفر توازن جيد بين العمل والقيم والديمقراطية واحترام حقوق الانسان واوقات المرح والمتعة. حوار: سرجيو مونوز خدمة (لوس انجلوس تايمز) خاص لـ(البيان)