ليس ثمة شك في أن عبدالعزيز الغرير هو أحد أبرز مصرفيينا في اللحظة الراهنة, وليس ثمة شك في أن أرباح بنك المشرق باتت أشبه بـ(الظاهرة) بعد أن حلق بها هذا المدير الشاب إلى آفاق لم يكن يتوقعها أحد.. على الرغم من ذلك فإن الغرير, والمشرق, يحظيان أيضا بقدر لا بأس به من الانتقادات . ترى هل هو الانتقاد الذي يذهب ـ عادة ـ إلى الناجحين بسبب.. نجاحهم؟ أم أنه انتقاد في موضعه.. أي يرتكز على أسس علمية وإحصائية ويكتسب بهذا محتوى يستحق ألا نستبعده؟ المسألة شائكة بعض الشيء, لا جدال في هذا... فأنت حين تنتقد شخصا يتفق الجميع على نجاحه تخاطر بأن تبدو من (حزب أعداء النجاح) .. حاسدا ربما, أو حقودا.. ولكن ماذا لو رأيت ـ بموضوعية وبصدق ـ أن هناك بالفعل ما يدعو للانتقاد؟ ماذا لو رأيت أن بريق النجاح قد يغشي العيون ـ بما في ذلك عينا هذا الإنسان الناجح ذاته ـ عن رؤية بعض النقائص الحقيقية غير الظاهرة ومن ثم يصرفه عن تصحيحها؟ لا يمكننا على أية حال أن نحكم على النوايا.. ليس لدينا بعد جهاز خاص له مؤشر يمكن أن نضعه على قلب من ينتقد ــ حين ينتقد ــ لنعرف إن كان نقده ينبع من رغبة حقيقية في دعم مسيرة ناجحة, أم من رغبة مغلفة في الانتقاص من شأنها والنيل منها! ولهذا السبب كان علينا أن نؤدي مهمتنا.. أي أن ننقل إلى عبدالعزيز الغرير نفسه الانتقادات التي توجه إليه, بلا مجاملة أو (تخفيف) .. وأن نترك له أن يرد عليها بنفسه.. من دون وسطاء. على الصفحات التالية وقائع هذه المواجهة الصريحة بين مصرفي يختلف مع سياساته البعض, ولكن الجميع يتفقون على أن هذه السياسات هي الأكثر إثارة للجدل في عالم المال في الإمارات العربية المتحدة. وسوف ينتهي هذا الجدل دائما بفريق من مؤيدي الغرير وآخر من منتقديه.. وحتى نصل بين الفريقين بجسر لا تشوبه الأحكام الشخصية, ولا تغلفه الانتقادات الذاتية, دار هذا الحوار الذي ظل فيه عبدالعزيز الغرير مبتسما, هادئا, صبورا, وودودا كما يعرفه الجميع. وفيما يلي أبرز ما في الحوار الذي ينشر نصه كاملا في مجلة (الامارات اليوم) في العدد الذي يصدر اليوم. بداية لابد من أنكم قرأتم تقرير مؤسسة موديز الأخير عن مصارف الإمارات, والجزء الذي يعنينا من التقرير يتركز في إشارته إلى أن انخفاض أسعار النفط والأزمة الآسيوية وتباطؤ تجارة إعادة التصدير تؤدي بمجموعها إلى التأثير سلبا على موجودات المصارف وأرباحها. وفي المقابل فإن ميزانيتكم العمومية تقول إن الموجودات زادت وكذلك الأرباح. إذا تركنا الأرباح الآن لنعود إليها لاحقا, فإننا نريد الآن معرفة رأيك في ملاحظات موديز النقدية على جودة الموجودات.. يبدو أن هناك تناقضا بين ما تقولون وما يقولون. ــ هذا التقرير الذي تشير إليه يعتبر تعليقا عاما, وما من شك في أن الدول التي انهارت اقتصاداتها تأثرت فيها البنوك بشكل سلبي من جراء هذا الانهيار. ولكن الحمد لله اقتصادنا في الإمارات ونشاطنا كبنك المشرق يعتمد على منطقة التجارة التي ننتمي إليها. وكما هو واضح فإننا لم نتأثر مثل الدول الخارجية. قد يحدث فتور أحيانا في بعض الأنشطة, ولكن لا يصل إلى درجة السلبية هذه, فأنا لا أعتقد أن تعليق (موديز) ينطبق على الإمارات, لاسيما وأن اقتصادنا لايزال بحالة جيدة. صحيح أن أسعار البترول تنخفض في الإمارات, كما هي الحال في العالم أجمع, ولكن التقرير الصادر عن الـ(Wall Street Journal) منذ ثلاثة أسابيع يتكلم عن أن اقتصاد الإمارات أفضل منه في كثير من الدول المحيطة ودول مجلس التعاون, لأن الإمارات تعتمد على استثمارات الدولة نفسها والاستثمارات الخارجية وعوائدها التي أصبحت أكبر من عوائد دخل النفط. وثانيا إن اقتصاد الإمارات عامة, وأعني الاقتصاد التجاري, يعتمد كثيرا على التجارة وليس على النشاط الحكومي, فوضعنا لايزال أفضل بكثير من دول أخرى, ويتمنى الآخرون دائما أن تكون اقتصاداتهم في وضع اقتصاد الإمارات نفسه. وفي الوقت ذاته فإن الحذر والحيطة أمران مطلوبان, فعندما يرى المرء من حوله فعليه في هذه الحالة أن يحتاط كي لا يقع في الأخطاء نفسها, وقد التقيت تجارا يعملون في جميع الأنشطة والمصارف وعرفت أنهم أصبحوا أكثر حذرا في معاملاتهم المصرفية. فبعد الذي حدث من انهيارات في الأسواق الخارجية, اعتبرنا ذلك بمثابة تنبيه وإنذار لكي نحتاط. ونحن لدينا الوقت لنأخذ حيطتنا, فالكارثة تحدث عندما تأتي فجأة وعندما يكون الشخص غير مستعد لها. القروض والسلفيات الجزء الأكبر من موجودات بنك المشرق في القروض والسلفيات, والنسبة هي نحو 60%.. فما تأثير هذا على البنك؟ ــ الحمد لله قروضنا معظمها داخل دولة الإمارات, ونعرف السوق ونتعايش معها. ما أعنيه بالفتور هو أن التاجر كانت لديه تطلعات نحو النمو في بعض الأنشطة, أما الآن فالنمو غير موجود, فلذلك ليس له تأثير. وبالنسبة لتقرير موديز وقلقه على جودة الموجودات فإنني أعتقد أن موديز تأثر سلبا وأضر به عدم قدرته على التنبؤ بكثير من الكوارث الاقتصادية التي حدثت في الشرق الأقصى وفي أمريكا اللاتينية ودول أخرى. ومنذ نحو العام كانوا يقولون إن كوريا أحسن دولة وتايلاند أحسن دولة, ولكنهم الآن, وبعد ما حدث, أصبحوا أكثر تشددا. مؤسسة موديز ليست الوحيدة فقط التي تقول هذا, فكل هيئات التقويم تقول إن الودائع في الإمارات وسوق الخليج غير محسوبة في السوق الدولية على أنها سند متوسط المدى يساند حركة هذه المصارف في السوق المالية العالمية, بل على أنها سند قصير المدى. فهم يقولون إنه عندما حدثت أزمة الخليج تم سحب الودائع من البنوك.. فما الذي يضمن عدم حدوث أزمة مشابهة تؤدي إلى سحب الودائع مرة أخرى؟ ــ في تقديري أنه ليس من المنطق تطبيق المعايير التي تطبق على مصارف عمرها 300 سنة ذات نظام مصرفي متكامل على الدول النامية, فنحن من الدول النامية التي لم تصل بعد إلى مستوى الدول الأخرى, ولكننا ننمو بسرعة, وفي اعتقادي أننا يمكن أن نصل إلى مستواها في مدة أقل من الفترات التي أخذتها هي للوصول إلى ما هي عليه, فتطبيق هذه المعايير على بنوك الشرق الأوسط شيء غير منطقي. والدليل على ما أقوله هو أنه بعد أزمة الخليج, استطاعت البنوك أن تطور نفسها وتحقق نموا وكأن الأزمة لم تكن, لذا فأنا لا أعرف لماذا يحدث تشكيك في صحة وقوة ومتانة النظام الاقتصادي عندنا, يعني أن غرض الطرف الآخر أن يضعنا نحن تحت الوصاية. القلق لا يحدث على النظام الاقتصادي ككل ولكن على بعض الجوانب مثل القطاع المصرفي! ــ الأنظمة التي يتكلمون عنها لا تنطبق علينا, أي أن المستثمر هنا لا يستطيع أن يضع أمواله كوديعة أكثر من 6 شهور أو سنة, ومتوسط المدة هنا 6 شهور على البنوك كلها. وفي نيويورك يعطونك وديعة لمدة 25 سنة, 10 سنوات أو 5 سنوات. فلنفترض إذن السيناريو التالي: إذا حدثت أزمة من نوع ما مع بنك ما, كما حدث بالفعل حين تدافع الناس إلى سحب ودائعهم بعد شائعات عن خسائر في السوق الآسيوية أو أزمة إقليمية تؤدي إلى خروج حصة مقلقة من الودائع.. ماذا ستفعل في هذه الحال؟ ــ البنوك استطاعت تجاوز أزمة الخليج وتطورت وحققت تقدما كبيرا. والمرء لا يستطيع أن يحتاط لشيء لا يوجد في الحسبان, أي أن هناك أشياء خارج قدرة الإنسان, مثل الكوارث. فأنا في اتجاهي العملي مثلا إذا افترضت أن كل عميل من عملائي إذا أقرضته فربما سيهرب فإنني لن أقوم بالإقراض أبدا, ولكنني أضع في الحسبان أن هناك بعض القروض لن ترجع, أو أن الشخص يمكن أن يلجأ إلى بنك آخر أو استثمار خارجي, فهذا وارد. ألا ترى في حقيقة الأمر أن قروضك تبلغ ضعف استثماراتك وودائعك سيرا على الحبل.. مخاطرة كبيرة, خاصة وأن حجم الاحتياطي لديك محدود نسبيا؟ ــ غير صحيح أن احتياطي بنك المشرق أقل من الآخرين, و50% من قروضنا تسدد خلال سنة ونصف السنة. فإذا أردت أن أقلص ديوني هذه, فإن كل ما علي أن أقوم به هو وقف الإقراض, وخلال سنة ونصف السنة سينخفض حجم إقراضي إلى 50%. أنا الآن أجتهد في زيادة الإقراض, فالعمل الجيد هو الحصول على مقترضين جيدين, وهذه هي فكرة التسويق, فعندما تكون نشيطا وتجذب العملاء يزداد الربح. والحصول على العميل النظيف ليس بذلك العمل الهين, فالنشاط التسويقي وجذب عملاء جدد يعدان عاملين مهمين في نجاح البنوك. وهذا ما تفعله كل البنوك, حيث تحاول الحصول على حجم عمل أكبر, وهذا يترجم إلى أرباح أكبر. المنطقي أن تنخفض الاستثمارات الحكومية بسبب انخفاض أسعار النفط, وأن تتباطأ تجارة إعادة التصدير بسبب الأزمة الآسيوية.. يؤدي هذا إلى ركود, أو فتور كما أسميته, فيتراجع الطلب بصفة عامة.. فإن كنت أقرضتني لبناء منزل, أي أن للبنك حصة فيه, فإن هذه الحصة تصبح غير مضمونة القيمة بسبب الركود العام.. أي أن جودة الموجودات تنخفض, هذا في حال حدوث تراجع في السيولة.. أليس كذلك؟ ــ لا تتكلم عن أزمة السيولة.. معنى السيولة هو أن البنوك ليس لديها الكم الكافي من النقود للإقراض. أنا لا أتكلم عن سيولة البنوك. ــ السيولة عامة, وكلمة السيولة في رأيي كلمة أسيء استعمالها. السيولة في البنوك عندنا هي حجم الأموال الفائضة عند البنوك التي ليست لها استثمارات أو توظيفات, وبالتالي فإنها تضعها في بنوك أو استثمارات خارجية, فالسيولة موجودة لدى المصارف. هذا شيء منطقي, ولكن هذه السيولة أصبحت أقل في الدورة الدموية للسوق, أي بالنسبة للمستهلك والبائع, وذلك لعوامل كثيرة, وبالتالي فإن الطلب أقل, ولذلك فإن سعر السلعة أقل, وبالتالي حصتك من هذه الأشياء الممولة تقل قيمتها النسبية. ــ ... يجوز. _ أود أن أقول ثانية.. ألست قلقا من أن لديك نسبة انكشاف عالية في سوق الإقراض, وأن أي وضع انكماشي في الاقتصاد في المرحلة المقبلة سيجعل الصورة مختلفة بالنسبة للبنك؟ ــ لا, لأن عندنا ما يسمى بالتركيز الائتماني, وهو إحدى السياسات المصرفية التي هي عبارة عن نسبة معينة في المائة من حجم قروضك تقرضها في قطاع معين. فمثلا لا يزيد حجم الإقراض في مجال العقارات على 5% من مجموع القروض, و5% في مجال السيارات, و10% في مجال المأكولات أو 6% في البترول, مثلا. فالبنوك تتبع سياسة تنويع القروض.. إنها ليست أرقاما حقيقية, ولكنها مجرد أمثلة. وماذا إذا حدثت هزة في هذه المجالات؟ ــ نعم, هذا وارد, ولكن ما أتوقعه هو أن الوضع في الشرق الأوسط وفي الخليج وفي الإمارات لن يمر بهذا, حيث مرت علينا أزمة وكانت الأوضاع أسوأ من والناس كانت تعيش أزمة إلى أن مرت هذه الأزمة ومضت الأمور بخير. هنالك كلام يدور حول أنك خرجت من قوقعتك كثيرا وتوسعت في سوق القروض وأنك بنك الرواج الاقتصادي, ولكنك لست بنك انكماش اقتصادي, وأنك في حال وجود انكماش اقتصادي سوف تتعثر.. فما رأيك في ذلك كله؟ ــ قلت لك لو أنني أريد الآن تقليص ديوني خلال سنة ونصف السنة يمكن أن أخفضها 50%, ولكن لدينا قناعة بأن هذا قرار غير سليم. هل ذلك بسبب رهانك بأنه لن تحدث أزمة؟ ــ لا, أنا أقول لك إنه خلال ثلاث سنوات تمر أزمات مختلفة على نطاق أنشطة معينة على نوع معين من العملاء, فيمكن أن يكون لدي عميل يتعامل معي منذ 10 سنوات وتمر به أزمة لأي سبب من الأسباب, وأنا أتعايش معه. ولكنني لا أعتقد أن هناك أي مصرفي يصدق ويؤمن بأن دولة الإمارات يمكن أن تمر بها أزمة كساد مثل تلك التي مرت بالشرق الأقصى, وأننا يجب أن نعتبر أن سنة 2000 هي عام كساد عالمي وكساد على مستوى الإمارات وإلا لن نرى ـ إذا اعتقدنا ذلك ـ أي نشاط للبنوك مثل الآن على مستوى الإعلانات والترويج وجذب العملاء. هل يعني ذلك أنك تضع في حسابك أنه سوف يحدث تباطؤ وتبني حساباتك على هذا؟ ــ نحن نعمل على تحديد نسبة معينة من القروض في كل مجال وتنويع هذه المجالات, فنحن نقوم بفرض سيناريو معين. ففي سوق العقارات مثلا نفترض أن الإيجارات سوف تنخفض وأن الفوائد ترتفع أو تزداد نسبة الإخلاء.. وهكذا, فنحن نضع سيناريو لكل شيء ونتجاوب معه. ولكن الاحتياط يجب ألا يكون بصورة أكبر من اللازم, فالأشخاص المتشائمون لا يقدرون على الوصول إلى طموحاتهم. ولو سألت أي مصرف في الإمارات هل يمكن أن يقوم بوقف الإقراض فإنه يجيبك بالنفي ويؤكد أنه سينشط, ولكنه سيكون أكثر حذرا, فهناك عملاء محل ثقة وهناك عملاء وضعهم يجب أن يكون تحت رقابة أكبر. ــ دعنا نتفق على شيء واحد على الأقل.. ذلك هو أن أي افتراض أن قيمة الأصول تظل ثابتة بصرف النظر عن المناخ الاقتصادي هو افتراض خاطئ تماما.. الأصول ليس لها قيمة سوقية ثابتة.. إنها تتغير. ومن قال أنني أختلف مع هذا؟ ولكن هذا لا يعني أن نفترض حدوث كوارث وأزمات وانهيارات. في جانب الأرباح.. هل تعتقد أن تقويم أي بنك يجب أن يعتمد على أرباحه فقط وكم حقق منها, أم ترى أن ذلك يجب أن يعتمد على مؤشرات أخرى مثل كفاءة ونوعية موجوداته وحجم احتياطيه وطبيعة سياسته الائتمانية؟ ــ الأرباح هي أحد المؤشرات, والعائد أيضا هو أحد المؤشرات. من الممكن أن أحقق أرباحا قيمتها 200 مليون ورأس مالي 200 مليون, وبالتالي أكون حققت 100% عائدا على حقوق المسهمين, وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون هناك بنك حقق أيضا 200 مليون ولكن رأس ماله مليار, ومعنى هذا أنه حقق 20% فقط عائدا على حقوق المسهمين. العائد على الموجودات هو أحد المعايير, وأيضا نسبة مصاريف التشغيل إلى الدخل العام, وأيضا الأساس الائتماني, وهل البنك نشط أم يعتمد على ظرف معين من الدخل وكفى؟ وهل هذا البنك متطور ومساير للمعايير الدولية؟ وهل عدد عملائه يتزايد أم ينكمش؟ فهذا أيضا مؤشر. وهناك أيضا رضا العملاء, فهذا أيضا مؤشر له أهميته الكبيرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخطة المستقبلية, وما إذا كانت هناك خطة لرفع مستوى الموظفين, فهناك أشياء غير ملموسة تدخل في تقويم مستوى البنك المتميز. فمثلا عندما أقول لك إنني دربت أكثر من 1600 موظف من البنك عندي فهذا شيء غير ملموس ولكن يدلك على أن البنك هذا جاد ومهتم بموظفيه, فإذا كان موظفوه غير متميزين فإنهم لن يقدروا على تقديم خدمة جيدة, وأيضا عدد المنتجات الجديدة التي يقدمها البنك تعتبر من ضمن المؤشرات ذات الأهمية. المعايير التي قلتها لا تدخل في نطاق مدى مناعة البنك ضد الانكماش. دعنا نتصور سيناريو من سحب الودائع من دون التطرق إلى السبب.. هل تعتقد أن بنك المشرق قادر على الصمود في هذه الحالة, ومقدرته هذه تأتي في مقدمة البنوك؟ ــ أنا لو عملت على أساس أن كل الودائع التي أمتلكها سأخسرها.. .. لا ليس كلها بالطبع. ــ حتى 50% أو 60% منها, أنا سأتمكن على الرغم من ذلك من أن أعمل. هل يمكن أن تأتي لي ببنك يعمل تبعا لهذه النظرية؟ المعروف عالميا أن لديك مجموع موجودات ولديك نسبة منها مع الأفراد أو سيولة محتفظ بها, فإذا خرجنا عن الإطار المعمول به محليا ودوليا يحق لك أن تقول هذا. هل أنت مطمئن لمستوى الإقراض ببنك المشرق ومقدار مناعة البنك؟ ــ نسبة الـ60% قروض مطمئنة. والذي يحدث في البنوك المتطورة هو أنهم يقرضون أكثر من ودائع العملاء.. لماذا؟ لأن البنك يحصل على ودائع عن طريق غير العمولات من السوق المالية. إن اعتماد البنوك على الودائع فقط هناك في العالم المتطور قليل جدا على العكس من هنا, فالمعايير هناك مختلفة. حسنا هذا رد مقنع.. ومسألة أخرى.. هل تأملون في الحصول على جائزة الجودة هذا العام؟ ــ لدينا ثقة كبيرة ونتقدم ونعمل, وكنا أول بنك يحصل عليها, ومنذ ذاك التاريخ وحتى الآن لم يحصل عليها بنك آخر. والقوانين تحجب الجائزة عن أي بنك فاز بها لمدة ثلاث سنوات. ونحن تقدمنا هذه السنة وأملنا كبير إن شاء الله. ولكن لماذا تأملون في الحصول على جائزة الجودة هذا العام؟ مصروفاتكم الإدارية مثلا كنسبة من أرباح العمليات تفوق أي معدل معقول.. إن ذلك لا يحسب للإدارة, ولكن يحسب عليها. المؤشرات العامة للبنك تقول إنه توسع خارج قوقعته كثيرا, وإذا كان هذا ليس خطرا في الظروف العادية فإنه قد يصبح خطيئة كبيرة في حال وجود مهددات خارجية.. العملاء ـ خاصة من اقترضوا من البنك ـ يشكون من التعسف معهم في احتساب الفائدة والرسوم, ولكنهم مضطرون للمجيء لأن البنك لا يدقق كثيرا في أهليتهم للاقتراض, وهذه كلها أمور تحسب عليكم.. أليس كذلك؟ ــ لا يوجد تعسف في التعامل مع العملاء, فهذا كلام غير صحيح. وتوجد لدينا الآن, ومنذ فترة طويلة, قواعد واضحة, والعميل يقوم بالتوقيع على أوراق القرض وعلى نسبة الفائدة. فإذا كان كلامك صحيحا فلن ينمو البنك, لأنه لن يأتي إليه المزيد من العملاء ثانيا, نحن نقوم بعمل استبيان دوري, أحيانا كل أربعة شهور, عن مدى رضا العملاء, حيث نضع في الاستبيان خمس نقاط: راض جدا, راض, غير راض, غير راض جدا.. وهكذا, ففي العام الماضي جاءتنا ردود من 15 ألف عميل, وهذه نسبة جيدة كمؤشر, وتبين أن مستوى رضا العملاء لدينا بلغ 86%, وهذا يدلك على أن الكلام عن عدم رضا العملاء غير صحيح. عندنا العملاء هنا مدللون لآخر درجة, فأنا أود أن يثبت لي أي شخص أن هناك تعسفا في معاملة العملاء, وأريد حقائق.. وليس كلاما فقط. بالنسبة للمصاريف الإدارية.. هل تنكر أن نسبتها من أرباح العمليات مرتفعة؟ ــ نحن لا نبخل بالمصاريف من أجل التطوير, فمن غير صرف لن يوجد أي تطور, فنحن لدينا قناعة بأنه إذا كان هناك مردود من هذا الصرف, فلا توجد مشكلة, ولكن إذا تم إنفاق 100 درهم وأخسر منها, فلا داع إذن للإنفاق. في حين أنني عندما أنفق 100 درهم وأعلم أنني سأستفيد منها ألف درهم فهذا يعتبر استثمارا صحيحا. ولكن بالنسبة لأرباح العمليات؟ ــ لا بالعكس, عالميا يقولون إن نسبة التشغيل تصل إلى 60% من نسبة الأرباح, وعندنا هنا 40%. لكن بالنسبة للبنوك الأخرى فهذه النسبة عالية نسبيا. ــ كل واحد وفلسفته, لكن إذا كانت هذه المصاريف لا تعطيني أي ناتج فلن أقوم بعملية الإنفاق. قد يكون اجتذاب العملاء الذين تحدثت عنه سببه هو أنكم لا تدققون كثيرا في أهليتهم للاقتراض. ــ سياستنا الائتمانية واضحة جدا, نحن غير مستعدين لأن نقرض عميلا ثم ندخل معه في مشكلة بعد 6 شهور, فهذا مبدأ غير مقبول. فنحن حريصون جدا على أن العميل الذي يعمل معنا يستمر معنا لمدة 20 سنة, فبدلا من 500 مليون أرباحا نجعلها 400 مليون, فهذا رقم جيد, مقابل أن نرتبط بالعملاء على المدى الطويل. أزمة سوق الأسهم بالنسبة لأزمة سوق الأسهم.. أقرضتم لشراء أسهم, وكنتم أحيانا تعرفون أن هذه القروض غير شخصية, ولكنكم تصدرونها كأنها قروض شخصية, وتجاوزتم السقف المحدد من البنك المركزي.. هل هذا كلام صحيح؟ ــ لا.. القرض الشخصي هو القرض الذي يعتمد تسديده على دخل الفرد. ولكن لا يوجد قانون يمنع شخصا ما في مجال التجارة أو في الأراضي أو في العقارات أو الأسهم من الاقتراض. ولكن هذا لا يعتبر قرضا شخصيا, فهذا أصبح إذن قرضا تجاريا ولا يوجد شيء يمنع هذا. هل قدمتم قروضا بضمانات الأسهم القديمة أم المطروحة وقتها؟ وما الأساس الذي حسبتم عليه السعرين القديم والجديد وقتها؟ ــ كانت السوق متحركة جدا, كل شركة كانت لها طريقة حساب خاصة بها, فشركة إعمار مثلا حسبنا السهم بنحو 24 درهما وأخذنا عليه معدل 30% هامشا, فأصبح إقراضنا لإعمار بنحو 19 درهما. طوال الوقت؟ حتى وقت أن ارتفع؟ ــ نعم.. طوال الوقت, وفي الذروة, والناس يقولون إن بنك المشرق كان متهورا في الأسهم!! وبعد كل هذا تم تسديد معظم القروض وانتهى الأمر. هل يمكن إعطاؤنا فكرة تقريبية عن حجم الديون المتعثرة بسبب أزمة الأسهم الأخيرة؟ ــ ليس لدي أي شيء, ولا حالة واحدة, ويمكن أن تذهب للمحكمة للتأكد مما إذا كانت هناك قضايا ضدي أو لا في هذا النطاق. أنتم الآن تطبقون معايير المحاسبة الدولية.. أليس كذلك؟ ــ نعم. ماذا كنتم تطبقون إذن في السابق؟ ــ كنا نطبق معايير محاسبة غير دولية, أي المتعارف عليها محليا. نحن طبقناها هذا العام لأن المناخ أصبح مناسبا ولإعطاء العميل والمستثمر قدرا أكبر من الشفافية في أرقامنا, والحقيقة أننا من الناحية الجوهرية كنا نطبق محتوى معايير المحاسبة الدولية ولكن بدون الاسم.. نحن طبقناها تطوعا, قبل أن يطلب البنك المركزي هذا. إذن أرقام كشف الحساب الأخير معتمدة على المعايير الدولية؟ ــ .. نعم بالطبع. هل تقدر أن تقول بأمانة إن بنك المشرق التزم بقواعد البنك المركزي حرفيا فيما يتعلق بمجال تنظيم الإقراض في شراء الأسهم؟ ــ نحن دائما ملتزمون بجميع القوانين والشروط المعمول بها داخل الدولة, ولا نريد أن نخالفها, فما هي المصلحة في أن نخالف؟ المصلحة هي أنك كنت تكسب.. ــ لا.. الذي يكسب هو الذي يشتري السهم بعشرة ويبيع بمائة. أما أنا فكم أكسب؟ أنا تمويلي على 2% و3% كهامش, ولذلك فإنني لا أكسب المبالغ الكبيرة التي يتكلمون عنها. والذي خسر بعد ذلك.. ألم يسبب لك أي ضرر؟ ــ لا. القروض الشخصية فلنتحدث بصراحة.. يبدو أن بنك المشرق يعتمد على مساحة ما محددة المعالم: ميل الناس إلى الاستهلاك والتباهي والقروض الشخصية, وميل الناس إلى الوقوع في أوهام الربح السريع. بمعنى أن البنك يطور في الناس أسوأ ما فيهم. هذا منطق.. والمنطق الآخر المخالف في المدارس المصرفية يتمثل في تمويل جوانب إيجابية في المجتمع: رغبة الشباب في بدء مشروعات صغيرة, والميل نحو إقامة مشروعات انتاجية تعتمد على العمل والإبداع الإنساني. رأينا مثلا مشروع (الطموح) الذي تبرع له الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, ولي عهد دبي وزير الدفاع, بمبلغ 50 مليون درهم لدعم الشباب المنتج. أما أنت فإنك تريد أن تثير في هؤلاء الشباب شهية شراء المرسيدس كوبيه.. ما قولك؟ ــ لقد ذكرت أن نصف إقراضي كان في القطاع التجاري. وأنا لست أدري.. هل القطاع التجاري مطلوب تمويله أم لا؟ فأنا مسهم إسهاما كبيرا في تدوير العجلة في هذا القطاع الاقتصادي في دولة الإمارات, فأنا تمويلي فوق الـ50% في هذا القطاع. صحيح أنه توجد لدي قروض شخصية وهذه القروض نعطيها لأغراض نعتقد أن أصحابها لهم حاجة فيها, وإضافة إلى ذلك فنحن في مجتمع لا يوجد فيه أحد يشتري سيارة نقدا, ولا يوجد أحد يشتري ويؤسس منزلا بطريقة نقدية.. والشيء نفسه ينطبق على الزواج, والعالم كله يمشي على هذا المنوال. نحن لا نستطيع أن نفرض على الأشخاص تصرفاتهم ونضع القوانين لفرض أشياء عليهم. وأنا أعتقد أنه خلال السنوات العشر الماضية أصبح المستهلك أكثر دراية وأكثر علما بتعاملاته المصرفية, وهذا لا يأتي بين يوم وليلة, فهناك وعي الآن في التعامل مع المصارف. إضافة إلى ذلك فإن دورنا لا يتركز فقط على الأشياء الاستهلاكية فنحن نشجع الناس على التوفير والادخار. لماذا لا يقوم البنك بمبادرة لمساعدة الشباب لبدء مشروع تجاري. بعبارة أخرى, هل تعتقد أن لأي بنك دورا اجتماعيا أيضا أم أنه مؤسسة ربحية فقط؟ أي هل تعتقد أن المهم هو الربح فقط؟ لا يهم ما تبيع, يمكن أن تبيع أي شيء لتربح.. المهم هو المال فقط حتى وإن كنت تروج لقيم اجتماعية منتقدة.. غير إنتاجية.. الربح يأتي أولا؟ ــ إننا مؤسسة ربحية, لكن في الوقت نفسه عندما يتقدم إلينا أحد الشباب فنحن نحاول تقديم المشورة قبل التمويل. فمن السهل التمويل, ثم بعد ذلك تحدث المشكلات. لذا يجب أن يكون هناك حذر أكبر في التعامل مع هؤلاء في بداية مشوارهم وعملهم التجاري. بعد المشورة والنصيحة, وهي أمور مجانية, هل تقدم المال بعد ذلك بنسبة فائدة منخفضة؟ ــ بصراحة لا توجد لدينا نسبة تفضيلية, ولكن من وجهة نظري فإن سبب نجاح أي مشروع لشاب ليس نسبة الفائدة, فالفرق بين 7% إلى 9% فائدة نسبة ضئيلة, فنجاح الفكرة هو الأساس, فالمشروع الذي يعتمد على نسبة الـ2% هذه لن يكون مشروعا. أنت عضو في مجلس إدارة (إعمار) وتنوي الشركة القيام بمشروعات عملاقة في شريحة معينة من السوق يخشى البعض من أنها تعاني من التشبع, أو أنها (لن تحتمل) هذه الزيادة الكبيرة في العرض.. هل لديك ـ كمصرفي ـ تعليق على هذا؟ ــ أنا متأكد من أن أية شركة تقوم بالاستثمار في أي مجال فإنها تضع جميع الافتراضات وتحسب حساباتها, وتعرف آلية السوق. ولكن الشخص الذي سيضع في اعتباره أنه سيكون هناك كساد لن يعمل, فالفكرة هي أن البلد ينمو وعدد السكان ينمو سنويا, فإذا كانت لدي زيادة 5% في عدد السكان فمن الطبيعي أن تكون هناك زيادة 5% في العرض الجديد. حسنا.. الاستناد إلى مقولة إن أية شركة في الدنيا لابد من أن تقوم على دراسة معمقة معناه أنه لن تكون هناك شركات تعلن إفلاسها في العالم. ولكن العكس صحيح, فهناك شركات تعلن إفلاسها, على الرغم من أنها مبنية على دراسات جدوى عميقة. ــ الخطأ هنا أكيد في التقدير وفي القرار. هناك شرائح معينة فيها تشبع, وتوجد شرائح معينة فيها طلب, فشرائح الإسكان المتوسط عليها طلب كبير والمعروض فيها قليل, وشرائح الإسكان الفاخر وفوق الفاخر فيها عرض كبير, ولذا هناك قلق معين!! ــ هذا صحيح.. وكل واحد حسب تقديره, وكل شركة يجب أن تحتاط و(الشاطر يكسب) . ولكن ما هو تقديرك بالنسبة لتشبع شرائح معينة من سوق العقارات؟ ــ أي مشروع يجب أن يكون لديه ما يميزه عن غيره, ولو أنك بنيت بناية مثل المباني الأخرى التقليدية ولا يوجد فيها أي تميز فإن الأمر سيكون مجرد سلعة عادية. ولكن عندما يكون لدى الشخص شيء مميز عن الآخرين لا يوجد له مثيل في السوق, حينذاك يمكن أن تكون لدى هذا الشخص شروطه التي يفرضها. ما رأيك في مسلسل الاكتتاب في الشركات العامة خلال النصف الثاني من العام الماضي؟ هل أسهم هذا في الضغط على السيولة المتداولة في السوق؟ وهل تتفق أصلا مع الرأي القائل إن أسواقنا تعاني من قدر من الركود؟ ــ لا يمكن أن يؤجل أي مشروع مناسب.. يخشى أصحاب هذه المشروعات من أن تصبح الظروف غير ملائمة بعد ذلك.. ما حصل هو أن كل شخص أصبح لديه خوف من أن السوق قد تسبقه فأنا لدي مشروع ما, فلو انتظرت سنة أو اثنتين فإن السوق يمكن أن تتغير, والفرصة تضيع علي. ثانيا فكرة الاكتتاب أصبحت مقبولة أكثر وأكثر في السنة الماضية, أي أن الناس لم تكن تؤمن بالاكتتاب, والآن هناك قبول واعتقاد بأن الاكتتاب يمكن أن يكون عمل الفرد ويكسب ويربح منه. ولكن الأموال (مدفونة) في البنك, فالفلوس تم سحبها من السوق ووضعها في البنك. ــ نعم. لماذا؟ ألم يؤثر هذا على السوق في لحظة غير مواتية, وأثر على حركة التجارة والسيولة في السوق في وقت كانت هناك عوامل خارجية سلبية مثل آسيا وأسعار النفط؟ ــ يجوز. هل حساب إعمار لديك؟ ــ .. إنه في كل مكان. ما رأيك فيما حدث.. أي سحب هذا القدر من السيولة ووضعه في حساب.. بعيدا عن دورة السوق؟ ألم يؤثر ذلك على حركة السوق؟ ــ (إعمار) مثلا حسب الخطة التي لديها تحتاج رأس مال أكبر من الذي تملكه حتى تستطيع أن تنفذ مشروعاتها. فكانت الفرصة هي: مادام الوقت مناسبا, فلماذا لا أجمع رأس المال هذا حتى أبدأ, لأن هذه المشروعات معظمها طويلة الأمد. حين أخطط مثلا للمرسى الغربي أو تلال الإمارات فمن الطبيعي أن أكون مستوعبا أنها مشروعات طويلة المدى, فيجب أن تكون لدي قاعدة أعتمد عليها, فأنا لا أستطيع أن أبدأ المشروعات ثم وفي منتصف الطريق أكتشف أنه ليست لدي قاعدة أعتمد عليها.. فهكذا يكون القرار سليما. صحيح أن استعمال هذه الأموال ليس فوريا, ولكن حين أبدأ يجب أن تكون لدي قاعدة للاستمرار. أجرى الحوار: عصام الدين عبدالعزيز