غالبا ما يقود البحث عن وسيلة مبسطة لفهم الواقع الحالي المعقد إلى محاولة تحديد مقدار لكل شيء يمكن تحديد مقداره أو يبدو أنه يمكن تحديد مقداره. لكن محصلة هذا انتشار عدد كبير من الإحصاءات والتنبؤات, وبطبيعة الحال لا يشكل النفط استثناء من هذه القاعدة . وفي هذه الصناعة ـ أي صناعة النفط ـ يبدو أن شهية صانعي القرار سواء أكانوا على المستوى العام أم الخاص, وكذا الخبراء والإعلام, شهية لا تعرف الشبع من الأرقام, التي تكون لها عادة قوة توضيحية وتفسيرية أكبر بكثير من تحليل مهما بلغ طوله. وتقود الدقة الظاهرية للإحصاءات الأشخاص إلى نسيان الافتراضات المثيرة للجدل, والتقديرات التقريبية وصعوبات جمع البيانات ومعالجتها, والاستنتاجات المصطنعة من هذا التقرير أو ذلك. إن من المتعارف عليه منذ زمن طويل أن تقديرات احتياطي النفط والغاز يمكن أن يكون لها طبيعة سياسية. لذا, نجد أن الملاحظين والمراقبين لم يكونوا جميعا مقتنعين بتقدير زيادة الاحتياطي المؤكد للنفط الخام لدى دول الأوبك بمقدار 285 مليار برميل خلال الفترة بين 1984 و,1988 إذ جاء ذلك في مقابل زيادة مقدرة تراوحت بين 22 و25 مليار برميل خلال السنوات السبع السابقة على الفترة المذكورة والسنوات السبع اللاحقة لها. كذلك, فإن الأرقام التي قدمتها الولايات المتحدة بعد ذلك بسنوات قليلة بخصوص احتياطي بحر قزوين لم تكن نتيجة دراسات فنية واقتصادية فقط. وفي العام ,1998 وبسبب الانهيار في أسعار النفط, نشأ جدل حول مدى دقة توقعات الوكالة الدولية للطاقة. وهي التوقعات التي تنشرها كل شهر في تقرير تعنونه بـ(تقرير سوق النفط) . وتصدر الانتقادات في الغالب من الولايات المتحدة, وتأتي بصفة أساسية من جانب المحللين النفطيين أو الدول المنتجة. وقد وصل الجدل إلى داخل قاعات مجلس الشيوخ الذي أصدر أوامره إلى المكتب العام للمحاسبة للقيام بدراسة متعمقة للمسألة برمتها. والانطباع العام هو أن الوكالة الدولية للطاقة إما تبالغ في تقديراتها للمعروض العالمي على النفط أو تخفض من تقديراتها للطلب, أو حتى تسيء تقدير حجم المخزون, وتعطي بذلك انطباعات ورؤية خاطئة للسوق النفطية, وهو ما يساعد على تنامي الضغوط على الأسعار. وقد عاد هذا الجدل للاشتعال في الشهر الماضي في أعقاب تقرير أصدرته شركة استشارات خاصة هي شركة جروب لونج أند ليتل ومقرها مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية, وقد توصل التقرير في خلاصته إلى أن الوكالة الدولية للطاقة قد بالغت في تقدير المعروض من النفط من جانب الدول الأعضاء وغير الأعضاء بالأوبك, كما أنها قللت من تقديراتها لعوائد التصنيع. وقد انتقدت الشركة كذلك دول الأوبك هي الأخرى لعدم تقديمها إحصاءات موثوق بها. وامتدت دائرة الانتقادات الموجهة من شركة جروب لونج آند ليتل لتشمل الصحافة المتخصصة لنشرها أرقاما مبالغا فيها تماما عن حجم إنتاج دول الأوبك. وتقول إن إنتاج النفط الخام للأوبك, مقدرا على أساس المعلومات المقدمة من جانب الدول المستوردة, لم يتجاوز 2621 مليون برميل يوميا في المتوسط خلال العام ,1997 بينما كانت التقديرات الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة ترفع حجم الإنتاج إلى 272 مليون برميل يوميا. وفي العام الماضي, لم تبدأ دول الأوبك في خفض إنتاجها إلا في الربع الثالث من العام, ولم يتجاوز حجم الخفض 550 ألف برميل يوميا, بعدما بلغ حجم الإنتاج ذروته في الربع الثاني ببلوغه 273 مليون برميل يوميا طبقا للدراسة المذكورة. وفي ضوء التباطؤ في نسبة نمو الطلب العالمي والزيادة الحادة في حجم الصادرات العراقية, فإن الخفض المشار إليه لم يؤد إلى عكس الاتجاه التراجعي للأسعار. وكما يقول جورج ليتل فإنه ليست هناك براميل مفقودة بل المسألة مسألة إحصاءات مغلوطة. ويساور المنتجين الأمريكيين شعور بالقلق الشديد من جراء إساءة استخدام الأرقام التي تصدرها الوكالة الدولية للطاقة داخل أسواق العقود المستقبلة, وأن هذا يعد السبب الرئيس وراء الانخفاض الواضح في الأسعار. في المقابل تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن (الحقيقة هي ببساطة أن هناك نفطا كثيرا للغاية في السوق, ومعلومات غير صحيحة لكنها ليست بالكثرة نفسها) , ويعتقد مسؤولو المنظمة أن مسألة البراميل المفقودة تعد مشكلة حقيقية لا يمكن إنكارها. وفي كل الأحوال يحتاج الموقف إلى مزيد من التوضيح خلال الأشهر المقبلة. كما يحتاج العاملون في المجال النفطي إلى الاحتفاظ بأكبر قدر من رباطة الجأش والتفكير الهادىء, مع تذكير أنفسهم دائما بأنه إلى جانب الإحصاءات الدقيقة, لابد من أن تكون هناك معلومات مغلوطة. مدير المركز العربي للدراسات البترولية بباريس