انه لشرف لي أن أتلقى دعوة كريمة من الفريق أول محمد بن راشد آل مكتوم, ولي عهد دبي, وزير الدفاع في دولة الامارات العربية المتحدة, لحضور الجلسة الافتتاحية لملتقى الامارات الدولي. والقاء كلمة في هذا الملتقى الذي يقام بمباركة وتحت رعاية صاحب السمو الأخ الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم, نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء, حاكم دبي . ولا يسعني في هذه المناسبة المباركة إلا ان أتقدم بالشكر والقدير لرئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, ولراعي هذا الملتقى ولرئيسه الفخري ولجميع المسؤولين في هذه الدولة الناهضة التي ما فتئت ترتقي بشعبها وبمؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية بخطى سريعة وثابتة وملفتة. وما هذا الملتقى الفكري والاقتصادي الذي يتناول في كل عام قضايا عالمية على جانب كبير من الأهمية, الا بعض انجازات هذه الدولة التي تدرك أبعاد التحديات القادمة, وتؤمن بأهمية الحوار العلمي الرصين البناء لمعالجة هذه التحديات بعمل جماعي مشترك. ولا شك ان موضوع هذا الملتقى الذي تم اختياره لهذه السنة تحت عنوان (التنمية في القرن الجديد ــ نظرة متعمقة وبعيدة) يشكل احدى محطات وحلقات هذا التحدي الكبير الذي يواجهنا اليوم جميعا, سواء في محيطنا العربي أو في الدول النامية أو حتى في الدول المتقدمة. الكلام عن التنمية يرتبط عادة في عقول الناس بالمفهوم الاقتصادي للتنمية ونتناسى ان جوهر التنمية انما يكمن في الإنسان, لان الانسان هو أساس ومرتكز وعماد كل تنمية. وكلما نضج الانسان وتوسعت ثقافته, واكتملت خبرته, كلما زاد عطاء ونماء وقيمة. والتنمية لا تستقيم ولا تحقق الرفاهية أو رغد العيش أو حتى الاستقرار للمجتمع والمواطن إذا اتخذ مسارا واحدا واتجهت وجهة أحادية أو عامودية التنمية لا تستقيم الا إذا جاءت متكاملة ومتوازنة, تتناول الانسان أولا باعتباره عماد كل تنمية, وتطال كل القطاعات والحقول والميادين الأخرى, بحيث يستكمل بناء الانسان بالانماء الاقتصادي, والاجتماعي والثقافي والسياسي والإداري, وبهذه الوجوه وغيرها يكتمل عقد النمو. وعلى الرغم من تعاظم الابعاد التكنولوجية للحياة البشرية, فإن الابعاد الانسانية تبقى هي الأهم وتظل بحاجة إلى تعميق ومراجعة مستمرة. إن العالم اليوم يتفاعل على نحو متزايد وينفتح بصورة جلية وواضحة على التغيير المتنامي. ولن يستطيع العالم العربي أن يبقى بمنأى عن هذا التفاعل أو محصنا وخائفا من أن تمسه رياح التغيير, مع حرصه الشديد على التمسك بثقافته وهويته. فالمنطقة العربية بموقعها الاستراتيجي وثرواتها المختلفة وأسواقها المستقبلية المحتملة لن تكون قادرة على التقوقع أو العزلة أو الانغلاق وليس في مصلحتها ذلك, وبالتالي لا يمكن أن تبقي نفسها خارج مد الاقتصاد العالمي وخارج حركة العالم المعاصر, والا فستكون عرضة لكل التغيرات الجارفة دون أن يكون بوسعها أن تتحكم بمسار هذه التغيرات. الا اننا وبنفس المقدار يجب أن ندرك بأن القوى الاقتصادية الكبرى تتحصن بنظم معلوماتية متكاملة وقواعد انتاجية واسعة وشرائع ابتدعت لتخدم توجهاتها الاقتصادية وهي تمسك من خلالها بخناق معظم دول العالم وتدفعها دفعا إلى الاندماج في تكتلات وأسواق اقليمية كبرى خدمة لمصالحها وهي في ذلك لن تترك للدول الصغيرة منفردة, امكانية التحصن, كما تحاول أن تفعل, حماية لنفسها ولأوضاعها, بمقولات السيادة أو القرار المستقل. صحيح ان الانفتاح المتزايد للأسواق العالمية من شأنه أن يؤدي إلى استفادة بلدان كثيرة من فرص لا مثيل لها نتيجة مشاركتها في مجزيات هذا الانفتاح الا ان الصحيح أيضا ان الانفتاح يأتي مصحوبا بمجموعة من التحديات. فالانفتاح يوفر فرصا كثيرة للنمو, ولكنه وبالمقابل يوجد مخاطر جديدة لا يمكن التغلب عليها الا إذا كان واضعو السياسات الاقتصادية على دراية واحاطة بالأخطار التي ترافق هذا الانفتاح. إن مواجهة هذه التحديات يكون بتعاون بلداننا العربية, واننا ندرك جميعا انه ليس بامكان أي اقتصاد أن ينمو بمعزل عن محيطه الطبيعي, ولذلك فإن مواجهة هذه التحديات يكون بتعاون بلداننا العربية فيما بينها بما يؤدي إلى توسيع حجم السوق لكل بلد من بلداننا, واحداث وحدات اقتصادية وانتاجية أفضل وأكثر كفاءة وفاعلية تمكنها من المنافسة وتعزز النمو لدى اقتصاداتنا العربية وفرص استيعابها للتقنيات الحديثة وتجعلها بالتالي أقدر على المنافسة على الصعيد الدولي. إن الصورة في العالم العربي ليست قاتمة بقدر ما يتصور البعض. إن تطورات ايجابية كثيرة قد حدثت في العالم العربي من خلال اعتماد سياسات التشجيع على الانفتاح الاقتصادي والتعاون بين بلدانه, وهذا يؤدي إلى ارتفاع مستوى التبادل التجاري ويشجع على تدفق رؤوس الأموال فيما بينها مما يمكن من زيادة النشاطات الاقتصادية والتكاملية التي ستزيد بدورها القدرة التنافسية للمنطقة العربية ككل. إن العمل المشترك والتضامن لم يعد خيارا في عالم اليوم, بل هو ضرورة قصوى, ولقد أصبح محتما علينا أن نعمل جميعا وأن نتصرف على هذا الأساس متذكرين دائما أن لا فرصة ولا قدرة لنا كدول عربية على اللحاق بركب التطور العالمي إلا بالعمل على تعزيز أواصر التضامن والتعاون والتنسيق فيما بين دولنا. إن هذا يجب أن يشكل لنا حافزا لبناء انساننا ومؤسساتنا واعداد الكوادر الإدارية والفنية المطلوبة لنستطيع المواكبة والافادة من حسنات الانفتاح حتى لا نبقى مهمشين وخارج حركة العصر. ان المناهج القطرية للتنمية على اهميتها قد تكون عاجزة عن تحقيق الشروط التي تمكن اقطارنا العربية من توفير متطلبات التنمية المتواصلة بمجرد الاعتماد على النفس فهذه المتطلبات تستوجب العمل على تحقيق قدر مقبول من مكاسب الاندماج في نطاق عربي اكبر اذ لم يعد الاطار الضيق في حدود الدولة الواحدة كافيا لتحقيق اغراض التنمية في عالم تسوده الكيانات الكبيرة والكتل الاقتصادية الضخمة لاسيما ان الدول النامية ومن بينها دولنا العربية تعاني من مشكلات مستعصية ومن هذه المشكلات. ـ نمو سكاني متسارع يعيق عملية التنمية ويستتبع فوق ذلك الحاجة الى ايجاد فرص عمل جديدة. ـ البطالة واستمرارها بمعدلات مرتفعة. ـ بلوغ التضخم حدودا غير مقبولة ـ ارتفاع اسعار الفائدة وعدم ثباتها ـ ضعف الانتاج وانخفاض نوعية ومستوى الانتاجية ـ نمو اقتصادي متباطىء للناتج القومي المحلي الحقيقي. ـ طغيان المجتمعات الشابة التي تتطلب تخصيص موارد هائلة من اجل اكسابها المهارات اللازمة وتهيئتها لتتحول الى عناصر منتجة في ظل اوضاع اقتصادية وانماط انتاجية متغيرة اعود الآن ومن جديد الى الانسان لان الانسان وكما قلت هو العمود الفقري في التنمية ان العالم العربي يحتاج الى تعزيز رأس ماله البشري وتنميته والاستثمار في التفوق والنبوغ ان هذه مسألة حاسمة وفي هذا المجال لا مفر لحكوماتنا من ان تعيد النظر في مناهجها التعليمية بهدف رفع مستواها وتعديل اساليب التعليم التي تخطاها الزمن والتي تقوم على تخريج اعداد كبيرة من حملة الشهادات الجامعية غير القادرة على التكيف مع سوق العمل ومتطلباته الاقتصادية وحاجاته وتطوره مما يطرح شريحة كبيرة من خريجي الجامعات خارج سوق العمل ويخلق مشكلة بطالة مقنعة ويؤثر بالتالي في استقرار الاوضاع الاجتماعية ويؤدي الى خلق هوة ما بين واقع هؤلاء الخريجين وتوقعاتهم, وبالتالي الى تنامي حال النقمة لديهم اذا نظرنا حولنا في العالم نجد ان البلاد التي تتوافر لديها الامكانيات العلمية والتقنية المواتية لاقتصاد المعرفة هي البلاد التي تحقق نجاحات اقتصادية باهرة لها ولشعوبها. ان التحديات التي امامنا ليس من اليسير مواجهتها إلا اذا احدثنا تغييرا اساسيا في بنانا التربوية واعطينا قدرا كافيا من الاهتمام لتنمية الموارد البشرية من خلال التعليم والتدريب واعادة التأهيل. هذه الموارد البشرية هي التي تشكل الركيزة الاساسية في عملية التغيير والتكييف المطلوبة وتحديثها لبناء القوة العاملة التي تتلاءم مؤهلاتها ومهاراتها مع حاجات اقتصاداتنا والتي ستنقلنا الى معاصرة الالفية الثالثة ان بعض الدول ترفع شعار (كومبيوتر في كل صف) . حبذا لو نعمل على تطبيق شعار (كومبيوتر في كل مدرسة) كبداية فالاستثمار في القطاع التعليمي والتدريب واعادة التأهيل امر ضروري لانه عنصر اساسي لضمان تحقيق تنمية قابلة للاستمرار على المدى الطويل, وهو المدخل الحق للنهوض العلمي والاقتصادي والاجتماعي, والتغيير ليس نقضا للماضي ولا انكارا له بل هو محاولة متجددة للاطلال على المستقبل والحفاظ على الاستمرارية في الوقت نفسه. من هنا يبدو واضحا اهمية الدور الذي يمكن ان تضطلع به الدولة والمؤسسات التعليمية على مختلف مراحلها وخاصة الجامعات على مشارف القرن الواحد والعشرين, فلم يعد مقبولا ان يبقى هذا الدور دورا عاديا او تقليديا يقتصر على الجانب التعليمي او على تخريج نخبة من المثقفين في مختلفة الحقول العلمية او مجموعة من اصحاب الكفاءات المؤهلة لتتبوأ بعض المراكز القيادية المالية او الادارية او حتى السياسية بل عليها ان تتحول مع غيرها من الصروح التعليمية والتربوية الى مراكز للابداع والتفوق, الى مؤسسات تكيف نفسها مع المتغيرات والتحولات والثورات العلمية والتكنولوجية مثل ثورة المعلومات وثورة الاتصالات وثورة التقنيات الحديثة التي تجتاح العالم والتي من شأنها ان تتركنا اذا ما تخلفنا عن المواكبة خارج الدورة الاقتصادية التكنولوجية العالمية المستندة الى ما يسمى باقتصاد المعرفة, ليس ذلك فقط بل ينبغي ان يتحول اهتمام المسؤولين في دولنا الى اعادة صياغة انظمة مؤسساتنا واجراءاتها لكي تتمكن من تشجيع وتحفيز الابداع والتفوق عن طريق مكافأته واعلاء شأنه. لابد لنا ان نؤكد هنا على اهمية الدور الذي يمكن ان يلعبه القطاع الخاص الى جانب القطاع العام في موضوعات التربية والتدريب واعادة التأهيل, فالقطاع الخاص يستطيع ان ينشىء مراكز تفوق وامتياز ويحث عليها ويشجعها ويدعم استمرارها وهو بذلك يشكل القاطرة التي تدفع ايضا بالقطاع العام نحو هذا المسار بذلك يسهم القطاع الخاص في تخفيف الاعباء المالية والادارية عن كاهل القطاع العام فضلا عن كونه يسهم اسهاما ايجابيا في زيادة حيوية ودينامية عملية التكيف والتأقلم مع الحاجات المتغيرة في مجتمعاتنا واقتصاداتنا واسواق العمل لدينا في عالم سمته الاساسية النزوع نحو التغيير والتطور. ان هذ التوجه نحو الاستثمار في مجال تنمية الموارد البشرية والاهتمام بالانسان يتطلب تكيفا واستعدادا من قبل الدول لكي تتمكن مؤسساتها من مواكبة حركة التغيير الضرورية. هذه الرسالة الاساسية يمكن ترجمتها الى استراتيجية من شقين حتى تصبح كل دولة شريكة اكثر صدقية وفاعلية في تنمية بلدها. ـ العنصر الاول في هذه الاستراتيجية هو التوفيق بين دور الدولة وقدرتها فحيثما تكون قدرة الدولة ضعيفة ينبغي ان تحدد بعناية كيفية تدخلها ومجالات تدخلها ومن شأن زيادة التركيز على الجوانب الجوهرية, ان تحسن الفاعلية ولكن علينا ان نعي هنا ان المسألة ليست مجرد اختيار ما تفعله الدولة وما لا تفعله فحسب بل ايضا مسألة كيف تفعله. ـ والعنصر الثاني في الاستراتيجية هو زيادة قدرة الدولة عن طريق بعث الحيوية في اداراتها وفي مؤسساتها العامة وهذا يعني وضع قواعد وقيود فعالة للحد من تصرفات الدولة التحكيمية كما يعني اخضاع مؤسسات الدولة لمزيد من المنافسة من اجل زيادة كفاءتها الانتاجية. ان تحسين اداء مؤسسات الدولة, وتحسين الحوافز, يعني ان تصبح الدولة أكثر استجابة لاحتياجات المواطنين. لقد اصبح لزاما في هذا الاطار ادخال التقنيات الحديثة على اختلافها في عمل الادارة والتي من شأنها تبسيط المعاملات وتسهيلها وتوحيد انماطها وتحسين نوعية الخدمة التي تقدم للمواطن بما في ذلك افساح المجال للاتصال الالكتروني بين المواطن والادارة مما يقلص الاحتكاك بينهما وبالتالي يسهم في تقريب الادارة الى المواطن ويضفي على العلاقة بينهما مزيدا من الثقة والشفافية. ان القاء نظرة متفحصة على اقتصادات العالم يكشف عن نماذج لا حصر لها من البلدان والاقاليم التي وقعت في شرك دوائر مفرغة من الفقر والتخلف, نتجت عن عدم الفاعلية المزمنة للدولة, وهذه الدوائر يمكن ان تؤدي بسهولة الى العنف الاجتماعي والجريمة والفساد وعدم الاستقرار, التي تقوض قدرة الدولة كلها على دعم التنمية, او على العمل اصلا, والتحدي الحاسم الذي يواجه الدول هو اتخاذ هذه الخطوات الصغيرة والكبيرة على السواء, في سبيل قيام حكومات ذات فعالية ورؤى مستقبلية, تضع الاقتصاد على المسار الصاعد ويكون لديها الوضوح في الرؤيا والارادة والعزيمة والتصميم على المضي في هذا السبيل, ان اصلاح مؤسسات الدولة عمل طويل وشاق وله حساسية سياسية وقد يصطدم بالكثير من المعارضة الشديدة لعمليات التغيير والتصحيح, ولكن اذا كنا الآن اكثر ادراكا لحجم التحدي الذي تنطوي عليه عملية التغيير, فنحن ايضا اكثر ادراكا لتكاليف ترك الامور على ماهي عليه. ان الشعوب غير المهيأة لمواكبة التغيير عانت تاريخيا نتائج كثيرة ابرزها تأجيل النمو والتنمية الاجتماعية ولكن الدولة التي تؤجل عملية التغيير والاستعداد لمواكبة حركة العصر مهددة الآن بتحمل تكلفة اكبر, تتمثل في الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي, بل والتفكك في بعض الحالات, مما يضر ابلغ الضرر بالاستقرار والقدرة الانتاجية كما بحياة البشر. اشكركم واشكر راعي هذا الملتقى والذين اشرفوا على تنظيمه واتمنى لدولة الامارات العربية المتحدة وشعبها دوام التقدم والازدهار, ولصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة التوفيق والسداد.