وفقا لتفاصيل توفرت حول مبادرة صندوق النقد والبنك الدوليين لعلاج مشكلة مديونية العالم الثالث, فقد حددت المبادرة الدول المرشحة للاستفادة بتلك التي ينطبق عليها تصنيف دول ذات دخل منخفض ومديونية عالية أو مثقلة بالديون , أي كل دولة تقل فيها حصة الفرد عن 725 دولارا من الناتج المحلي الاجمالي, وبالنسبة للمديونية فتعتبر ثقيلة اذا تجاوزت نسبة اجمالي الديون الخارجية إلى الصادرات 220% أو اذا تجاوزت نسبة الديون إلى الناتج المحلي الاجمالي 80% واخيرا اذا تجاوز معدل خدمة الديون إلى اجمالي الصادرات 25%. وتبعا لهذه المعايير فان عدد الدول التي ينطبق عليها مقياس الاكثر فقرا أو ذات دخل منخفض عليها معايير المديونية الثقيلة فيبلغ نحو 20 دولة, منها 8 دول تقع في خانة ذات مديونية غير قابلة للسداد بطريقة تلقائية هي المؤهلة للاستفادة من المبادرة ويضم كلا من السودان, موزمبيق, زائير, زامبيا, بوروندي, نيكارجوا, غينيا بيساو, ساو تومي, و12 دولة تقع في خانة الدول ذات الديون الضاغطة وتضم كلا من بوليفا, الكاميرون, ساحل العاج, تنزانيا, اوغندا, الكونغو, اثيوبيا, جويانا, مدغشقر, ماينمار, النيجر, رواندا, اضافة إلى الصومال وليبيريا, وتضم الدول العربية التي تصنف كدول ذات مديونية عالية كلا من السودان والصومال وموريتانيا والجزائر وسوريا واليمن, ويذكر هنا ان القيمة الاجمالية للديون العربية قد بلغت 240 مليار دولار عام 1997 أي ما نسبته 11% من اجمالي الديون الدولية كما بلغت نسبة خدمة الدين إلى اجمالي الصادرات حتى نفس العام 14%. اما فيما يخص آلية تنفيذ المبادرة المذكورة فهي تنطوي على مراحل تنفيذ ثلاث, ففي المرحلة الاولى يقوم صندوق النقد والبنك الدوليين باعداد تحليل لمديونية الدول المعنية بشرط ان تكون هذه الدول قد طبقت بنجاح ولمدة ثلاث سنوات متتالية برنامجا شاملا للاصلاح الاقتصادي تحت اشراف صندوق النقد الدولي, واذا تبين ان الدول لا يمكنها الوصول إلى مستوى آمن من المديونية يمكن معه سداد التزاماتها بطريقة تلقائية استنادا إلى اتفاقية نابولي, فيصبح من حقها عندئذ الاستفادة من المبادرة الجديدة, لتدخل بعد ذلك المرحلة الثانية التي يقوم خلالها البنك الدولي بتحديد الحجم المطلوب تخفيضه من قيمة ديونها, وتحصل الدولة على تعهد بتخفيض ديونها إلى الحد الآمن. ولا يكون تنفيذ التعهد فوريا وانما يتوقف على استمرار الدولة في تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي باشراف صندوق النقد الدولي لمدة ثلاث سنوات جديدة, اي ان هناك ست سنوات من الالتزام الكامل ببرنامج اصلاحي كشرط للاستفادة من المبادرة. ويمكن للدول المعنية خلال المرحلة الثانية الاستفادة من تخفيض قد يصل إلى 90% من خدمة ديونها الحكومية (نادي باريس) ونسبة مماثلة من خدمة الديون التجارية (نادي لندن) , اما المرحلة الثالثة فتصبح فيها الدول مؤهلة للحصول على تخفيض في اصل ديونها تصل نسبته إلى 90% من الديون الحكومية من خلال نادي باريس وتكون مؤهلة ايضا للحصول على تخفيض لاعباء الديون متعددة الاطراف, غير ان المبادرة لم تحدد حجم التخفيض ولا صيغته, بل ربطت ذلك بمفاوضات مباشرة مع كل مؤسسة على حدة, كما ان دول نادي باريس ترفض ان تخفض ديونها بنسبة 90% وتتمسك بنسبة 80%. ومن خلال هذا العرض لتفاصيل مبادرة صندوق النقد والبنك الدوليين يظهر بوضوح انها لم تحمل في طياتها اي تغيير جوهري في موقف الدول والمؤسسات الدائنة من الدول المدينة, بل انها ووفقا لما وضعته من شروط ارادت بها ليس علاج مشكلة المديونية بل تشجيع اكبر عددا ممكن من الدول المدينة في الدخول في برامج الاصلاح واعادة الهيكلة الاقتصادية التي يضعها صندوق النقد الدولي والتي تحمل في طياتها الكثير من السلبيات والثغرات, ومن خلال تسلسل آلية التنفيذ فان الدول المدينة سوف تلزم نفسها تلك البرامج دون ان يلزم صندوق النقد والبنك الدوليان نفسيهما بأن تشمل هذه الدول لاحقا بالدول المستفيدة من برنامج تخفيف ديونهما, ومما يثير الشكوى بصورة اكبر حول جدية المبادرة هي انها لم تحدد مصادر التمويل اللازم للتنفيذ. والجانب المهم الاخر في الموضوع ايضا ان برامج الاصلاح الاقتصادي التي يروج لها صندوق النقد الدولي تستوجب من بين بنودها فتح اقتصاديات الدول النامية امام تحرير التجارة والاستثمارات الخارجية القادمة إلى الداخل وهي عوامل تؤدي بالمحصلة النهاية إلى تعظيم الخلل في الميزان التجاري وميزان المدفوعات, الا ان تبرير الصندوق هنا هو ان هذا الخلل يتم لصالح اصلاحات سوف تعيد التوازن للاقتصاد على المدى المتوسط والطويل الآجل, الا انه تبرير يصعب اثبات صحته, والدليل على ذلك ان العديد من الدول العربية اضطرت إلى تكييف برامج صندوق النقد وتعديلها أو الانتقاء منها وفقا لظروفها الخاصة, وهذا يعني ان نجاح المبادرة الجديدة يعتمد على استعداد صندوق النقد والبنك الدوليين الآخذ بالاعتبار الظروف الخاصة لكل بلد والتعامل بمرونة كبيرة مع هذه الظروف وعدم فرض الشروط المسبقة من جانب واحد لتقديم المعونات والدعم المالي والفني, والا فان المبادرة لن تتجاوز في اهدافها ومضامينها ذات الاهداف والمضامين القديمة لاستغلال الدول النامية ولكن باشكال مبتكرة وجديدة.