لقد عرف علماء الاقتصاد والاقتصاديون بشكل عام مفهوم سياسة الاغراق في التجارة الدولية منذ زمن طويل. ويقصد به ببساطة الاسلوب والسلوك الذي تتبعه بعض الدول الصناعية في التجارة الخارجية حيث تقوم بتصدير السلع والبضائع والخدمات بكميات كبيرة جدا لدرجة اغراق اسواق الدول الاجنبية (المستوردة لتلك المنتجات) بأسعار منخفضة جدا تعجز عن منافستها المنتجات المحلية لتلك الدول المستوردة, والتي في الغالب تكون حديثة العهد بالتصنيع. وتهدف سياسة الاغراق الى ضرب الصناعات الوطنية للدول المستوردة والهيمنة على اسواقها في الامد البعيد. فهي تستند بالدرجة الاولى على مبدأ التميز السعري وانخفاض تكاليف الانتاج في المنشآت الكبيرة ذات التكنولوجيا الفنية والادارية المتقدمة. والحقيقة ان كافة الاقتصاديين والمهتمين قد ادركوا خطورة تلك السياسات, وبشكل خاص على الدول حديثة العهد بالتصنيع فظهرت دراسات عديدة حول هذا الموضوع من اهمها دراسة جاكوب فاينر عام 1923م حول دوافع الاغراق من قبل المصدرين في الدول المستوردة, والتي كانت بمثابة المفتاح الذي فتح للباحثين ملف القضية. ثم ظهرت نظريات ودراسات كثيرة جدا حول هذا الموضوع لا مجال لحصرها. اما بخصوص سياسات الاغراق في سوق العمل في الامارات العربية المتحدة, فأنا اعتقد انها ظاهرة حديثة وتستحق ان تجري حولها دراسات جادة وهادفة. وهي مشكلة اقتصادية حقيقية يعيشها كافة المقيمين على ارض الوطن وتنعكس في كل جوانب حياتهم. ان المتتبع والمتمعن لواقع سوق العمل في الدولة يدرك تماما سياسات الاغراق التي تتبعها بعض الدول والشعوب الاجنبية في هذه السوق. وفي الغالب فان تلك السياسات تتم بشكل منظم ومدروس من قبل الحكومات الاجنبية او نقابات العمال في تلك الدول. ومما يدلل على ذلك حماية تلك الدول لمواطنيها العاملين في الدول الخليجية من الناحية المالية والاقتصادية والوقوف وراءهم ودعمهم لضمان حقوقهم كاملة غير منقوصة. وقد تتم تلك الظاهرة بشكل طبيعي تلقائي احيانا حسب ظروف العرض والطلب في اسواق العمل. فهاهي القوة العاملة الاجنبية بمختلف جنسياتها تغزو اسواق العمل المحلية بمختلف تخصصاتها, وتعرض خدماتها بأسعار زهيدة جدا وتنافسية, بحيث لا تستطيع القوة العاملة الوطنية ان تنافسها بهذه الاجور المتدنية, و ذلك نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة محليا وانخفاضها في الدول المصدرة لتلك القوة العاملة, وهذه هي سياسات الاغراق بعينها. فهي تشبه الى حد كبير سياسات الاغراق المتبعة في التجارة الدولية. بيد انها بدلا من ان تكون في اسواق السلع والخدمات تكون هنا في اسواق العمل. فاذا لم نتنبه الى هذه الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة, ونعمل مبكرا على وضع الحلول اللازمة لعلاجها, فان العواقب على المديين القريب والبعيد ستكون وخيمة جدا وان النتائج بلا شك ستكون سلبية جدا وفي غير الصالح العام لهذه الدولة. ان عرض خدمات القوة العاملة الاجنبية بتلك الاسعار المنخفضة جدا في اسواق الدولة وبالصورة التي نراها اليوم تقف وراءه عدة عوامل ومبررات منها: 1 ـ ان تلك الدول المصدرة للقوة العاملة تعاني من ارتفاع كبير في عدد السكان ومن ثم فهي تعاني من بطالة كبيرة ومزمنة وضيق شديد في فرص العمل في اسواق العمل لديها, فهي تريد بلا شك ان تجد حلولا لمشكلة البطالة لديها في اسواق العمل الخارجية والخليجية بشكل خاص. 2) الاختلاف الكبير في مستوى المعيشة بين دولة الامارات من ناحية وبين تلك الدول المصدرة للقوة العاملة الاجنبية من ناحية اخرى, وتباين مستويات الاسعار كذلك بشكل كبير, وتباين معدلات صرف العملات بين دولتنا والدول الاجنبية المصدرة لتلك القوة العاملة ايضا, حيث ان رواتبهم المنخفضة هنا تكون مرتفعة جدا بمقاييس بلدانهم. 3) الرغبة الجامحة لتلك الشعوب الاجنبية في غزو الاسواق الخليجية والسيطرة على التجارة وعلى المؤسسات المالية والمصرفية بشكل خاص, وذلك لما للمنطقة من اهمية كبيرة, فهم يدركون تماما ان السيطرة على قطاعي التجارة والمصارف تعني السيطرة على الاقتصاد برمته, وذلك لكون هذين القطاعين عصب الاقتصاد وقلبه النابض, ولكون الاسواق الخليجية اسواقا كبيرة ومفتوحة على العالم الخارجي. 4) النزعة الجامحة لدى الكثير من المهاجرين في اكتساب جنسية هذه الدول الخليجية في الامد البعيد, لهم او لاجيالهم في اسوأ الظروف (من وجهة نظرهم). 5) اتباع الدولة للنظام الاقتصادي الحر والمنفتح بشكل كبير للعالم الخارجي, وسهولة الحصول على الرخص التجارية والمهنية, وسهولة مزاولة الانشطة الاقتصادية. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو كيف نواجه مشكلة الاغراق تلك؟ وكيف نعمل على حلها؟ وفي الحقيقة لقد ادرك كافة المسؤولين والمواطنين خطورة المشكلة وهم بلاشك يعون اهمية هذه القضية, فظهرت بالتالي المبادرات الفردية والجماعية والمبادرات الرسمية وغير الرسمية بهدف احتواء هذه الظاهرة, وسعى المسؤولون الى عقد الندوات والمؤتمرات العلمية التي تناقش هذه القضية, وعقدت المنتديات واللقاءات الفكرية والثقافية من اجل الحوار والمصارحة حول هذا الموضوع, وتمت التحقيقات الصحفية المتعمقة التي كشفت ابعاد القضية وخفاياها. وتم الاهتمام بالقضية على ارفع المستويات حيث شكلت لجنة عليا من قبل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله من اجل ذلك ونحن في هذا المقال لا نقلل من اهمية تلك الانشطة والمبادرات, بل اننا نعترف بدورها الكبير في ابراز اهمية الظاهرة الى الوعي الجماهيري العام, ونبارك مبادراتهم وانشطتهم لمحاولة احتواء المشكلة والبحث عن الحلول العلمية والعملية المناسبة لعلاجها. بيد اننا هنا نطرح ملف القضية, انطلاقا من مشاعرنا كمواطنين بخطورة هذه القضية وضرورة ايجاد سياسات جادة وحازمة ودقيقة لتوطين القوة العاملة في كافة المؤسسات الاقتصادية. ونؤكد على ضرورة كون تلك السياسات تتحرى المعايير الموضوعية الدقيقة في عملية التوطين. المعايير التي تنطلق من وحدة الهدف ووحدة المصير لكافة ابناء الدولة, وان تضع الانسان (سواء اكان رجلا ام امرأة) المواطن المناسب في المكان المناسب لقدرته ومؤهلاته وكفاءته في العمل فهي المعايير العلمية التي تعتمد عليها الدول في بناء اقتصادياتها, اما المعايير غير الموضوعية فيجب استبعادها تماما, ومع ان توفير فرص العمل حق لكل مواطن فهو حق لمن لديه مؤهلات علمية وكفاءات متميزة ولمن ليس لديه كذلك, بيد ان كل انسان لابد وان يأخذ حقه ونصيبه المناسب لشخصيته.