شهدت اقتصاديات الاسواق الآسيوية الناشئة نموا سريعا جدا بين أواخر الثمانينات وحتى العام ,1996 حيث ارتفع الناتج الاجمالي المحلي لهذه الدول بنسبة 2.8% بين 1994 و1996. ولم يكن هناك أدنى شك في استمرار هذا الوضع حتى بداية ,1997 لكن الكارثة الاقتصادية الآسيوية وضعت حدا لهذا النمو . ولمواجهة هذه الكارثة في الدول التي تعرضت لأسوأ نتائجها وهي: تايلاند وكوريا الجنوبية وأندونيسيا, لجأ القطاع الخاص الى قروض ضخمة قصيرة الاجل بالعملات الاجنبية, وكانت باستمرار من دون حماية من مخاطر تقلبات أسعار الصرف, لافتراضها ان أسعار الصرف ستحافظ على استقرارها. لكن مع الهبوط الحاد الذي تعرضت له أسعار العملات المحلية في هذه الدول, أصبحت هذه الشركات تعاني من صعوبات متزايدة في خدمة ديوانها هذه اعتمادا على أرباحها من العملات المحلية. والأهم من ذلك هو ان العجز الحاد في الموارد من العملات الاجنبية هدد بجعل هذه الدول غير قادرة على خدمة ديونها بهذه العملات. وشددت دراسة نشرت في نشرة (ترندس) ان رأس المال الأجنبي ساهم في الازدياد المخيف في حجم الاقتراض الداخلي, وكانت هذه الديون عادة توظف لتمويل الاستثمارات في العقارات والأسهم التي كانت أسعارها قد ارتفعت بشكل ملحوظ, الأمر الذي أضاف المزيد الى اعباء المصارف المحلية التي تعاني مسبقا من التدهور الاقتصادي, إذ اعتادت المصارف استخدام العقارات والأسهم كضمانات اضافية لقروضها. لكن أسعار العقارات والأسهم ببساطة تدهورت, والنتيجة عدد متزايد بسرعة من الديون الميتة وكارثة في القطاع المصرفي. الظاهرة الأبرز أما الظاهرة الابرز في الكارثة الاقتصادية فكانت تحولها الى ماهو اشبه بالعدوى في الكثير من اوجهها لتنتشر بين دول متباينة جدا. ولم يكن احد يتوقع التوازي القوي بين حركتي اسعار الصرف واسواق الاسهم في العديد من الحالات بالنظر الى الروابط التجارية والعلاقات الاستثمارية بين هذه الدول بالرغم من ان معدل تزايد التجارة البين اسيوية في سنوات الازدهار الاقتصادي هو 55%. والعامل الاهم وراء ظاهرة العدوى هذه هو فقدان الثقة, حيث اثر تدفق رأس المال الاجنبي والمحلي نحو الخارج على كل هذه الدول دون استثناء لان المستثمرين اعتبروا انها كلها تعاني من مشاكل متشابهة. ولعب سوء الحظ دوره ايضا, حيث تزامنت المصاعب في الاسواق المالية اليابانية مع ازمة القطاع المالي في الاسواق الاسيوية الناشئة فاليابان ليست الشيرك التجاري الاساسي في المنطقة فحسب بل اهم دائن اجنبي للعديد من الدول التي ضربتها الكارثة الاقتصادية عام 1997 ايضا, اضافة لذلك فاليابان هي المورد الاكبر للاستثمارات الاجنبية المباشرة فمن بين الديون التي حصلت عليها تايلاند من المصارف التجارية الدولية وقيمتها 59 مليار دولار امريكي يقدر بنك التسويات الدولي ان 33 مليار دولار منها تعود لدائنين يابانيين كما ان اليابان هي مصدر 38% من الدين الخارجي لاندونيسيا و 20% لكوريا الجنوبية. الاقتصاد الآسيوي وعام 2002 استدعت كارثة العملة والاسواق المالية اجراء عملية اعادة هيكلة مؤلمة يتوقع ان تستمر طوال عام 1999 على الاقل فتدهور الناتج الاجمالي المحلي في معظم الاسواق الآسيوية الناشئة هو انعكاس للترتيب الهيكلي اكثر من كونه انحدارا دوريا. وعلى كل حال فإن العوامل الاساسية التي مكنت الاسواق في الماضي من تحقيق نمو متواصل ستظل متوفرة مستقبلا وهي: الادخار المحلي المرتفع وعملية المتابعة النشطة للتقنية والتوجه القوي نحو التصدير. وستستمر السياسة الاقتصادية لهذه الدول في الأخذ بعين الاعتبار التخطيط للنمو على المدى الطويل وإيجاد الحلول للمشاكل الهيكلية في اقتصادياتها. لكن المصاعب السياسية والتوسع المفرط في الإجراءات المالية والنقدية قد تقضي على فرص تعافي هذه الأسواق على المدى الطويل. وإذا ما نجحت الدول الآسيوية في عملية إعادة الهيكلة هذه, فمن المتوقع أن تعود لتتبنى خيار النمو على المدى المتوسط والذي يبدأ عام 2001. وعلى كل حال فإن هذا النمو سيكون أقل من سابقه (حوالي 3.5%) في بداية التسعينات وستعزز الصين من هذا النمو خصوصاً وأنها تشارك بـ 40% من مجمل الانتاج الاقتصادي لهذه الدول, وبشكل مغاير, فإن الاقتصاديات الخمسة الكبرى من مجموعة آسيان ستتوسع فقط بنسبة 3%, والهبوط الحاد في نسب النمو على مدى العام الحالي سيكون مصحوباً بارتفاع في التضخم وأسعار الفائدة ونسب بطالة سريعة التزايد. لكن الطلب المحلي الضعيف جداً سيخفف من حدة التضخم, وليبدأ تأثير انخفاض أسعار العملة على نسب التضخم بالتضاءل, وربما تكون نسبة التضخم الان قد وصلت قمتها مسبقاً, وأحد المخاطر التي تواجه تعافي هذه الاقتصاديات هو أن عجز الميزانيات الذي لا يمكن تجنبه في المدى القصير سيتم تمويله بطباعة المزيد من العملة. وهذا لا يعني توقع توجه عام نحو التضخم, اعتماداً على معطيات وأحداث أزمة المديونية في أمريكا اللاتينية. البطالة وتبقى البطالة المشكلة التي تهدد بالتحول الى أزمة طويلة الأمد. حيث تطورت تايلاند وكوريا الجنوبية وماليزيا وأندونيسيا بسرعة لتصبح اقتصاديات تعتمد على قطاع العمالة. فالعمال الذين يفقدون وظائفهم الان في قطاعي الصناعة والخدمات أصبح من المستحيل الان إعادة استيعابهم في قطاع الزراعة. أضف لذلك أن اعداد السكان ممن هم في سن العمل يتزايد بنسبة سريعة جدا. ففي اندونيسيا مثلا يتزايد هؤلاء الآن باعداد تزيد مليونين سنويا عما كان سائدا قبل 10 سنوات. وباعتبار ان اسعار العملات المحلية في الدول الآسيوية قد هبطت بشكل مخيف امام الدولار الامريكي فان الطلب الداخلي ايضا وفي حالات عديدة انهار, وبالتالي فان الواردات تتراجع بشدة الامر الذي سيحسن من الميزان التجاري والارصدة الجارية. وعلى الاغلب فان معظم دول جنوب شرقي آسيا ستدير فائضا في الرصيد الجاري هذا العام. ذلك اضافة لتدفق التمويل الى هذه الدول عبر اتفاقيات قروض رسمية ثنائية ومتعددة الجوانب مما سيمكن المصارف المركزية من زيادة احتياطياتها من العملة لتدفع فوائد الديون قصيرة الاجل.. وكنتيجة لذلك فقد تحسنت الآن وبشكل ملحوظ اوضاع البورصة في كوريا الجنوبية وتايلاند. ويعتمد المدى الذي سيستغرقه انخفاض الواردات على تزايد الصادرات وعودة هذه الدول الى التمويل العالمي. حتى الآن, فان نسبة نمو الصادرات في الدول الأكثر تضررا من الكارثة الاقتصادية لم يصل الى الحد الذي توقعته حتى الآن. والاسباب وراء ذلك هو الاعتماد الكبير غالبا للصناعات التصديرية على الاسيتراد وانخفاض اسعار عملات الدول التي تتنافس على اسواق التصدير والانخفاض الحاد على الطلب في اسواق التصدير في المنطقة. وتختلف ارقام التصدير من دولة لاخرى, فقد تزايدت صادرات الفلبين في العام الماضي بنسبة 19% باعتبار ان الولايات المتحدة تستوعب اكثر من 45% من صادراتها, وعلى العكس فان صادرات ماليزيا انخفضت 11%, لان صادراتها عادة ما تتوجه للاسواق الآسيوية عموما. ويتوقع للصادرات الآسيوية هذا العام ان ترتفع بنسبة 3% , لتعود العام المقبل لمعدل 7.5%. وستستحوذ الأسواق الآسيوية الناشئة نتيجة انخفاض صادراتها المؤقت هذا على 17% فقط من التجارة الدولية العام ,2002 أي أكثر انخفاضا بـ 1,5 نقطة مئوية عما كانت عليه عام 1996. وعلى تايلاند وكوريا الجنوبية وأندونيسيا وماليزيا الآن أن تتعامل مع مشكلتي الدين الداخلي والصناعة المصرفية. كما يجب أن تعطي الأولوية لتأسيس آلية تدخل مالية وزيادة فاعليتها, حينها فقط يمكن لهذه الدول أن تستفيد مستقبلا من نسب الادخار العالية فيها تقليديا, مع ان نسب الادخار على المدى القصير ستهبط لأن الدخل الحقيقي للسكان سيهبط, اضافة لأن القطاع العام سيواجه عجزا في الميزانيات. القروض الخارجية من ناحية أخرى تساهم محدودية توفر القروض الخارجية, وأزمة السيولة المحلية وأحيانا الاغراق بالسلع في خفض الاستثمار. ولذلك فلن تستمر نسب الاستثمار المرتفعة كثيرا ذات الصلة بالناتج الاجمالي المحلي. وبعد أن كانت تايلاند تستثمر 41% من ناتجها الاجمالي المحلي وماليزيا 43,3% فإن هاتين الدولتين ستتمكنان من استثمار 35% (فقط) . وهذا الاجراء سيكون ضروريا لمنع تجدد التباين السريع بين الادخار المحلي والاستثمار والعجوزات الواسعة في الحسابات الجارية التي يجب تغطيتها برأس المال الأجنبي. ويتوقع نهاية العام 2002 ان نرى عجوزات متوسطة في الحسابات الجارية باعتبار ان الطلب على الاستثمار في البنى التحتية سيرتفع مرة أخرى في الأسواق الناشئة. من ناحية أخرى فقد كشفت الأزمة المالية عن ضرورة اعادة تشكيل الدول المنكوبة لهياكل شركاتها وأسواقها المالية. وتحتاج اعادة الهيكلة هذه للخبرة ورأس المال الأجنبيين. وربما يرتفع الاستثمار المباشر في آسيا بدرجة كبيرة على مدى السنوات المقبلة نتيجة تخفيف تايلاند وكوريا الجنوبية وأندونيسيا والفلبين مثلاً لقوانين الملكية الأجنبية إضافة لهبوط أسعار الممتلكات وانهيار العملات. وإذا ما صدقت هذه التوقعات فإن الدين الخارجي للدول الآسيوية المنكوبة لن يتزايد كما كان عليه الحال في السنوات الخمس الأخيرة, وأكثر من ذلك فعلى هذه الدول ان تستفيد من الدرس الذي خلصت اليه خلال الأزمة وتعيد هيكلة دينها الخارجي لتنتقل من الاقتراض قصير الأجل الى الاقتراض طويل الأجل, وستسهل مهمة تحمل أعباء خدمة الديون إذا ما وصلت الصادرات لما هو متوقع لها. آسيا بعد الأزمة تواجه أندونيسيا وتايلاند وكوريا الجنوبية مصاعب متشابهة ولو بدرجات مختلفة, كانخفاض العملة وتعرض المقدرة على دفع الدين لخطر شديد وانعدام ثقة المستثمرين مما أدى لهروب شامل لرؤوس الأموال منها, حيث سحبت المصارف الدولية من هذه الدول الثلاث في النصف الثاني من عام 1997 مبالغ وصلت 20 مليار دولار, واستمر ذلك الوضع حتى منتصف العام الماضي. ووافقت هذه الدول على برامج يدعمها صندوق النقد الدولي ومؤسسات مشتركة أخرى تهدف أولاً لتحقيق استقرار في أسعار الصرف على المدى القصير وتدفق رأس المال. أما الاصلاحات الجذرية فستهدف لتحسين البنى الاقتصادية على المدى الطويل, وتم ابتداء من أواسط عام 1998 تخفيف السياسة المالية والنقدية التي كانت جزءا من الاستراتيجية الأولية لصندوق النقد الدولي, وتحاول حكومات هذه الدول الآن التخفيف من وطأة الكارثة على الاقتصاد الحقيقي والحالة الاجتماعية حتى لو كان ذلك على حساب عجز الميزانيات. كما خفت الضغوطات على عملاتها نتيجة تحسن الين مقابل الدولار, وهذا ما مكن الحكومات من تخفيف نسب الفائدة بحدة دون إطلاق موجة جديدة من هروب رأس المال وانخفاض أسعار العملة التابع له. ولا يمكن لآلية تدخل مالي في هذه الدول الا العمل بشكل جزئي, فالمصارف وشركات التمويل تعاني من انخفاض اسعار الصرف, وكانت قد عانت من أسعار الفائدة المرتفعة وتزايد عدد الشركات المعلنة لافلاسها. وأحد متطلبات التحسن الاقتصادي الآن هو استعادة عافية النظام المالي. وهذا لا يمكن تحقيقه بنجاح الا اذا تمت اعادة هيكلة للشركات ايضا وتم خفض الدين المحلي المرتفع. ويلقى باللوم جزئيا على أزمة الثقة والمشاكل الهيكلية الأساسية فيما يتعلق بالتأثير الكبير للسياسة على القرارات الاقتصادية. ويتوقع من تايلاند وكوريا ان تضعا اعادة الترتيب الهيكلي في قطاع المال والأعمال والنظام الاقتصادي قيد التنفيذ خلال العامين الحالي والمقبل. أما في اندونيسيا فهذه العملية يجب ان تتأخر قليلا. الدول الثلاث هذه الآن هي في الحضيض من تاريخها الاقتصادي وينتظر ان تكون كوريا الجنوبية أول المتعافين تليها تايلاند. اما المشاكل الاقتصادية في اندونيسيا فهي اسوأ بكثير, اضافة للقلاقل السياسية والتوترات الاجتماعية والعرقية التي ستؤثر على النمو الاقتصادي لعدة سنوات مقبلة. ومما يزيد من صعوبات الاقتصاد في اندونيسيا مغادرة العديد من الصينيين البلاد بعد احداث العنف التي تلت التغيير الحكومي وأخذوا معهم كل السيولة المتوفرة بأيديهم. ومع ذلك فاذا ما استطاعت اندونيسيا ان تنجز الاصلاحات الهيكلية وتفعيلها فسيعود اقتصادها لينمو بنسبة 5% سنويا. وتزامنت حركة الاقتراض المتنامية في تايلاند عام 1997 مع ضعف في قوانين الصناعة المصرفية واجراءات المراقبة والاضطراب الواضح في القرارات الاستثمارية نتيجة للروابط الشخصية بين القطاع الخاص والسياسيين والسلطات. ويتوقع توفر الشروط الاساسية لتحقيق فاعلية اقتصادية وتطورها بسبب ضغوط الاحداث واشراف صندوق النقد الدولي. وأخيرا, تعود المشاكل المالية لكوريا الجنوبية الى حد كبير للاستراتيجيات المفرطة في الطموح من قبل أساطين الصناعة التي تتحكم باقتصاد البلاد. كما اتبعت الحكومة سياسة صناعية مع ان وسيلتها الوحيدة لذلك كانت النظام المصرفي. فوجهت التمويل نحو الشركات الكبرى لتتوسع هذه الشركات في كل القطاعات دون الأخذ بعين الاعتبار توجهات السوق العالمية. عند ذلك تأثرت مقدرة الشركات لخدمة ديونها, نتيجة الانخفاض الكبير في الصادرات عام 1996, لأن 60% من ديون البلاد الخارجية هي ديون قصيرة الأجل, ويتوقع للاقتصاد الكوري الجنوبي حتى نهاية العام الحالي ان يشهد نموا طفيفا مرة اخرى. وابتداء من العام 2000 فإن هذا الاقتصاد يجب ان يتوسع بنسبة 5%. اعداد: جلال الخليل