آفاق اقتصادية: مسيرة أسعار النفط والأبعاد الاستراتيجية:بقلم - د. محمد ابراهيم الرميثي

ان المتتبع لمسيرة أسعار النفط الخام منذ بداية الثمانينات, وهي بداية الظهور الواضح لتدهور الاتحاد السوفييتي السابق وقرب انتهاء العمر السياسي لهذا العملاق الذي يناطح المعسكر الغربي بأكمله , يلاحظ ان الأسعار تمر بحالة ركود توصلها الى مستوى منخفض للغاية بحيث انها لو تم قياسها بالأسعار الحقيقية لأواخر عقد الستينات فانها لا تكاد تصل الى مستوى الاسعار في تلك الحقبة من الزمن التي مضى عليها أكثر من 30 عاما, ثم تمر الاسعار بحالة رواج توصلها الى مستويات عالية تفوق 30 دولارا للبرميل المتوسط. ان طول الفترة (أي البعد الزمني) بين فترتي الرواج والركود يستغرق حوالي خمس سنوات وكأنها فترة مدروسة بدقة. ويرجع المحللون الاقتصاديون والسياسيون وخبراء النفط تلك التقلبات الحادة في أسعار النفط الى التقلبات الحادة في عمليات العرض والطلب. فمن حيث العرض هناك وفرة كبيرة في المعروض النفطي بلا شك حيث تدل كافة الدلائل على وجودها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا هذه الوفرة؟ ولماذا لم يتفق أعضاء منظمة أوبك على تخفيض الوفرة النفطية طالما ان قرار الانتاج بيدهم؟ وهل ترتبط الوفرة بقرارات اقتصادية ام قرارات استراتيجية وسياسية؟ ومن هو المستفيد الأول والثاني ومن هو الخاسر بوجود هذه الوفرة؟ اما من حيث الطلب فالكساد الذي تعرضت له كثير من الدول حديثة العهد بالتصنيع كان بالفعل وراء انخفاض الطلب العالمي على النفط. غير ان تحسن حالة الكثير من تلك الدول لم يكن له تأثير ايجابي يذكر على أسعار النفط, لماذا؟ من الناحية المنطقية اذا كانت آثار الكساد السلبية على أسعار النفط كبيرة, فلابد بالمقابل ان تكون آثار الرواج الايجابية عليها كثيرة ايضا. حيث تشير كافة المؤشرات الاقتصادية الدولية على وجود بوادر رواج في مختلف الاقتصاديات الصناعية. في الحقيقة ان أسعار النفط الخام, كسلعة استراتيجية لا تقوم التنمية الاقتصادية وتستمر الا بها, لا تخضع فقط لعوامل العرض والطلب المعتادة, حيث ان عوامل العرض من الممكن التحكم بها فالانتاج النفطي يعتبر انتاجا ذا مرونة عرض عالية وذلك نظراً لتقدم مستوى تكنولوجيا انتاج النفط الخام وتكريره ونقله وتسويقه وارتفاع الطاقة الانتاجية في تلك العمليات. ومن هذا المنطلق تصبح مرونة الانتاج والعرض عالية جدا وبالتالي فهي ترتبط بقرارات ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واستراتيجية, وليست اقتصادية محضة. اما من حيث جانب الطلب فالمعروف ان الدول الصناعية المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية واليابان استطاعت بحكم امكانياتها الهائلة تطوير طرق تخزين النفط الخام المستورد من الدول المنتجة والمصدرة بحيث ارتفعت قدراتها التخزينية الى درجة عالية. ومن هذا المنطلق فهي تسعى الى زيادة عمليات التخزين في حالة انخفاض اسعار النفط الخام الى درجات متدنية والاستفادة من ذلك المخزون في حالة ارتفاع أسعار النفط الخام لتحقيق غايتين رئيسيتين: 1 ـ الاستهلاك من المخزون الذي تم الحصول عليه بأسعار منخفضة. 2 ــ ضغط الطلب على النفط في حالة ارتفاع الاسعار. وتقليل الطلب الى حدوده الدنيا, وذلك من اجل الضغط على الأسعار لكي تنخفض ثانية ولو بعد حين. وينبع تخفيض الطلب من حجم المخزون ذاته حيث ان نسبة من المعروض النفطي المخصص للطلب المحلي تأتي من المخزون ذاته وتستورد باقي النسبة المطلوبة من السوق العالمي للنفط. والحقيقة ان دول الاوبك التي لم تستجب بالامس القريب لتخفيضات عرض النفط هي التي ترغب اليوم بالاستجابة لما رفضته بالامس ويرجع ذلك بالدرجة الاولى للمتغيرات السياسية والاستراتيجية التي تشهدها المنطقة اليوم. فهل آن الاوان لوضع استراتيجية واضحة لمستقبل أسعار النفط.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات