اعطت زيادة اسعار النفط خلال الاسبوع الماضى والتى بلغت دولارا ونصف للبرميل الواحد مؤشرا قويا بأن منظمة اوبك بدأت تجني ثمار صمودها فى معركة الاسعار التى ظلت على تراجعها منذ عام 1998 . وقد اعطى هذا المؤشر الامل فى امكانية اعادة التوازن الى اسعار النفط خلال النصف الثانى من العام الحالى ولاسيما بعد اعلان وزير النفط والثروة المعدنية السعودى على ابراهيم النعيمى بعد اجتماع تشاورى لوزراء النفط فى دول مجلس التعاون عقد يوم الاربعاء الماضى بأن هناك اتفاقا لاقرار تخفيض مستوى الانتاج سيتم التوصل اليه بين الدول المصدرة للنفط من داخل اوبك وخارجها قبل الاجتماع المقبل للمنظمة فى 23 مارس الحالى فى فيينا . ويصعب التكهن بالمدى الذى سوف تصل اليه اسعار النفط فى المستقبل المنظور لان هذا الموضوع يرتبط بحجم التخفيض فى الانتاج الا ان مصادر نفطية اوضحت بان دول مجلس التعاون قد اتفقت على تخفيض الانتاج بكميات يعتد بها بما يكفل سحب فائض المخزون من السوق وبالتالى رفع الاسعار ومع ان هذه الخطوة تبدو وكأنها دفاع عن مصالح الدول المنتجة لبيع ثروتها النفطية بأفضل سعر ممكن بدلا من التسابق الذى لا مبرر له من قبل بعض الدول لزيادة انتاج النفط الا ان بقاء اسعار النفط عند هذا المستوى لم يعد يضر فقط بالدول المنتجة وانما شمل الدول المستهلكة والشركات النفطية على حد سواء وبصورة خاصة اصبح حائلا دون متابعة الاستثمارات النفطية فى الدول النفطية نفسها ولاسيما بعد ان بلغت نسبة انخفاض الاسعار نحو 40 بالمائة مما افقد دول مجلس التعاون نحو 30 بالمائة من اجمالى عائداتها النفطية كما يرتبط ارتفاع اسعار النفط بمدى تعاون الدول المنتجه الاخرى خارج الاوبك ولا سيما فنزويلا والمكسيك. وقدرت مصادر اقتصادية دولية مجموع الايرادات النفطية العربية عام 1998 بنحو 78 مليار دولار مقابل نحو 300 مليار دولار فى عام 1980 اضافة الى انخفاض القيمة الفعلية لسعر النفط من 10 دولارات عام 1974 الى نحو 5 دولارات فقط حاليا بعد أخذ التضخم بعين الاعتبار وحساب القيمة الفعلية للدولار . وبينما توقع معالى عبيد بن سيف الناصرى وزير البترول والثروة المعدنية ارتفاع أسعار نفط خام برنت القياسى الى نحو 18 دولارا خلال العام الحالي فقد توقع بيل ريتشاردسون وزير الطاقة الامريكي ارتفاع أسعار النفط الى 15 دولارا فى العام الحالى والى 20 دولارا فى العام المقبل . وتؤكد التوقعات طويلة المدى أن الطلب على الطاقة بشكل عام وعلى النفط والغاز بشكل خاص سيزداد بشكل كبير وحتى يمكن مقابلة الطلب فان الدول المنتجة يجب أن تعمل بشكل مكثف على تطوير مصادرها الا أن توفر الاستثمارات اللازمة لذلك يعتمد بالمقابل على أسعارها بين السلعتين . وقدرت مصادر خليجية مسؤولة حجم انفاق دول مجلس التعاون خلال السنوات العشر القادمة على خطط التنمية والبناء بنحو 200 مليار دولار كما قدرت ماتم انفاقه خلال الربع الاخير من هذا القرن بنحو 260 ملياردولار . وتوقع معالى الدكتور محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة أن تنفق دول مجلس التعاون على المشاريع الرئيسية خلال السنوات الخمس القادمة بما يتراوح بين 70 الى 90 مليار دولار منها نحو 25 مليار دولار لمشاريع النفط والغاز ونحو 20 مليار دولار لمشاريع البتروكيماويات ونحو 25 مليار دولار لمشاريع البنية الاساسية والصناعات كالالمونيوم والفولاذ . وتوضح كل هذه الارقام بأن دول مجلس التعاون ستواجه خللا كبيرا فى حل معادلة التنمية اذا استمرت اسعار البترول على مسارها فى عام 1988 لأن هذا يفرض أن تتم عملية تمويل المشروعات السابقة فى معظمها من خلال الاقتراض الخارجى الذى يمكن أن يأخذ أشكالا متعددة من بينها القروض التجارية وتسهيلات تمويل الصادرات وتمويل المشروعات عن طريق اصدار سندات دولية من قبل بعض دول المنطقة . وقد تبدو المعادلة أكثر وضوحا حيث أن مصلحة الدول المستهلكة هو فى تطور الانتاج وزيادة قدرة الحقول لتوفير فرص تلبية متطلبات السوق الدولية وليس من مجرد الاعيب سعرية تفرضها احدى الدول المستهلكة مهما كان حجم استهلاكها للطاقة من خلال استعمال المخازن النفطية التى تم املاؤها بالنفط الرخيص وبهدف توفير الفرص الملائمة لاقتصاد هذه الدولة بعينها بسبب استهلاكها الكبير للنفط والغاز وارتفاع فاتورة مدفوعاتها وذلك من خلال نقل عبء هذه الفواتير الى البلدان المنتجة للنفط . لقد أدت الازمة المالية التى بدأت فى دول جنوب شرقى اسيا فى منتصف عام 1997 والتى انتقلت فيما بعد الى اليابان وعدد من الدول الصناعية الى ضعف فى الطلب على البترول وهبوط شديد فى اسعاره مما ترك آثارا سلبية على التنمية فى دول مجلس التعاون التى شهدت فى الاعوام الثلاثة الماضية تسارعا فى عملية النمو الاقتصادى وتحسنا فى توازن كل من الميزانية العامة والحساب الجارى لميزان المدفوعات الخارجى ولا سيما فى عام 1997 بينما فرضت تداعيات الازمة المالية والاقتصادية فى اسيا المزيد من التحديات على دول مجلس التعاون. وأكدت هذه الازمة مدى صوابية مسعى دول المنطقة نحو تنوع مصادر الدخل وتقليص دور الحكومة فى الية النمو الاقتصادى فى دول المنطقة وبالتالى تعزيز دور القطاع الخاص فى جهود التنمية . ــ وام