بعد شهرين من تداول العملة الأوربية الموحدة (اليورو) في الأسواق بات واضحاً للكثيرين أن أكثر الذين يعانون من العملة الجديدة هم اليابانيون, وذلك بعد أن خابت توقعاتهم قبل ظهور اليورو, والتي كانت تدور حول امكانية التنسيق بين اليورو والين الياباني بهدف إزاحة الدولار مستقبلا عن صدارة العملات الدولية . ويقول المحللون ان التحدي الذي أصبح يواجهه الين الياباني يأتي في الأساس ليس من قوة اليورو بقدر ما هو ناتج عن الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها اليابان منذ فترة طويلة خاصة مع التراكم الضخم للديون المعدومة, والتي بلغت ما يقرب من 700 مليار دولار أمريكي, والتي أصبحت تشكل تهديداً واقعيا للاقتصاد الياباني, هذا إلى جانب الضغوط الأمريكية المستمرة على اليابان, والتي تطالبها واشنطن فيها بإصلاحات اقتصادية كثيرة مرتبطة بزيادة في الإنفاق مع تخفيض للقيود على الواردات وتقليل منح المساعدات للدول الآسيوية. وفي الوقت الذي يواصل اليورو فيه تدعيم مواقعه في الأسواق العالمية يواصل الين الياباني اهتزازاته وضعفه في الأسواق, وينعكس تقدم اليورو وتقهقر الين ليس على أسعار العملات فقط ولكن ايضا على الصفقات الكبرى في الأسواق العالمية والتي بات واضحا أن حظ اليورو منها يتفوق تدريجيا على حظ الين الياباني. وعلى ما يبدو أن اليابان في الفترة الحالية أصبحت مقتنعة بالمركز الثالث في الترتيب بعد الدولار واليورو, ويطمئنها في الحفاظ على هذا الموقع مؤقتا حجم تداولات عملتها في الأسواق الدولية والتي تصل الى حوالي 13%, هذا في الوقت الذي ما زال يحتل فيه الدولار المقدمة في التداول في هذه الأسواق بنسبة تقترب من 45%, ومن ناحية أخرى يواصل اليورو تقدمه في هذه الأسواق منذ ظهوره في أول يناير الماضي حيث استطاع أن يقترب في الأيام الأخيرة من نسبة 20% من حجم تداولات أسواق العملات العالمية, وهو الأمر الذي يحلله المراقبون بأنه ليس قوة ولا ثقة في اليورو نفسه بقدر ما هو ثقة مسبقة في المارك الألماني الذي ما زال يقود اليورو في الأسواق العالمية. وفي ظل ما يعانيه الاقتصاد الياباني من أزمات لاتجد الحكومة اليابانية أمامها خيار من أجل المحافظة على المستوى العالمي لعملتها الين سوى العودة لمواصلة المفاوضات والمباحثات مع الأوروبيين, وهي المباحثات التي كانت تدور طيلة العام الماضي حول امكانية ايجاد شكل من التحالف بين الين واليورو يهدف في الأساس إلى عدم إزاحة الدولار الأمريكي باعتبار أن هذا الأمر شبه مستحيل في الظروف الراهنة وفي ظل الأزمات العالمية, ولكن يهدف التحالف في الأساس إلى إقامة نظام نقدي دولي ثلاثي الأبعاد يهيمن عليه الدولار واليورو والين معاً. وكانت دعوة التحالف هذه قد لاقت قبولا لدى الأوروبيين خاصة في فرنسا, ورحب بها الرئيس جاك شيراك في لقائه في يناير الماضي مع رئيس الوزراء الياباني (كيزو أوبتشي) كما رحب بها الألمان في اللقاء الذي جرى بين وزير المالية الياباني كييشي ميازاوا ونظيره الألماني (أوسكار ليفونتاين) . ولكن رغم هذا الترحيب من جانب الأوروبيين في البداية إلا ان المساعي في اتجاه التحالف بين الين واليورو تباطأت في الآونة الأخيرة خاصة بعد أن استطاع المولود الجديد (اليورو) الوقوف على قدميه وبدأ يخطو بثقة خطواته الأولى في الأسواق المالية العالمية, حيث ظهرت بوادر تراجع لدى الأوروبيين عن فكرة التحالف مع اليابانيين. ويرجع المحللون تراجع الأوروبيين هذا إلى خشيتهم من التأثر بالأزمات والتقلبات التي يعانى منها الين الياباني من جهة, وخشيتهم من جهة أخرى من الدخول في تحديات مع الدولار خاصة وأن اليورو مازال في أول الطريق, ولن يستطيع مواجهة أي ضغوط يفرضها عليها الدولار الآن, ومن الواضح أن المستفيد الأول من التحالف الياباني الأوروبي هو الين المهدد, وليس اليورو, الذي في غنى الآن عن الدخول في معارك في أسواق المال مع الدولار الذي ما زال يتربع على عرش هذه الأسواق بلا منافس. من ناحية أخرى فإن الأوروبيين على يقين من أن الأمريكيين لن يسمحوا ولن يقبلوا بسهولة أي تقارب اقتصادي مالي بين اليابان وأوروبا. ومن هنا بات الين الياباني في حالة يرثى لها وأصبح مهددا ليس فقط من قبل الدولار بل ايضا من قبل اليورو الذي أصبح يطارد الين في عقر داره في الأسواق الآسيوية خاصة في الصين التي تعد المنافس الأكبر لليابان في آسيا, والتي تبلغ تعاملاتها مع أوروبا 13% من حجم صادراتها العالمية, وهو الأمر الذي يؤكد أن اليورو سوف يحتل المرتبة الثانية في قائمة احتياطيات الصين من العملات الأجنبية في المستقبل القريب, وهذا بلاشك سوف يشجع باقي الدول الآسيوية على السير في الطريق نفسه, وتكون النتيجة النهائية لهذا كله مزيداً من الانهيار والتدهور للين الياباني الذي يتوقع له المراقبون أن يعاني أشد الأزمات التي واجهها في تاريخه في العام الجاري 99.