اعتاد الاقتصاديون على سماع مفهوم الانفاق في أدبيات الاقتصاد الوضعي المعاصر وتأقلموا مع مفاهيمه حيث ألفوها ولم يألفوا سواها وكذلك حال عامة الناس في مختلف بقاع الأرض , فنسمع عن الانفاق العام في الميزانية العامة للدولة ونسمع عن الانفاق الخاص أو الشخصي بالنسبة للدخل الشخصي ونسمع عن الانفاق في قطاع الأعمال كذلك. وكل تلك المفاهيم تصب في مفهوم واحد للانفاق ألا وهو أن الدولة أو الفرد أو المؤسسة ينفق من الميزانية التي اعتمدت أو رصدت لذلك الغرض لشراء سلع وخدمات محددة قد تكون سلعاً استهلاكية فانية أو معمرة, أو قد تكون سلعاً استثمارية (أي رأسمالية) أو قد تكون تكنولوجيا أو معلومات أو خدمات أو غير ذلك. لكنه يبقى في النهاية هناك مفهوم محدد لذلك الانفاق الا وهو انفاق لتحقيق غايات وأهداف الجهة المنفقة. غير أن قلة من الاقتصاديين وعامة الناس من تعمق في فهم الانفاق من وجهة نظر الاقتصاد الاسلامي. وهذا يرجع الى تقصيرنا نحن بني البشر في تدبر معاني القرآن الكريم والتعمق في فهمه وتفسيره والحقيقة أن كلمة المال وردت صراحة في القرآن الكريم في 87 موضعاً أو آية في 32 سورة مما يدل على أهمية الاقتصاد والمال في حياة الأمم والشعوب, وهذا بالطبع غير المعاني الأخرى للمال مثل الملك والخير والنعم وغيرها. فلقد أولى الاقتصاد الاسلامي أهمية كبيرة للمال في حياة الأمم والشعوب ولقد حث على الكد والكدح والكسب والسعي المستمر في طلب الرزق. غير أن المتمعن في الآيات الكريمة التي تذكر ذلك يرى ان كل ذكر للمال وللاقتصاد صراحة أو ضمناً يقترن بذكر العبادات كالصلاة والصوم والحج وعمل الصالحات واقترن كذلك بالعقيدة والايمان والتوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. وهذا يدل دلالة قطعية على الربط بين الاقتصاد والعقيدة والعبادة في الاقتصاد الاسلامي حيث لا يجوز الفصل بينهم في حين يجوز تمييزهم عن بعضهم. وفي حين نرى أن الزكاة وهى فرض وركن ثابت من أركان الاسلام قد وردت صراحة في القرآن الكريم في 32 موضعا في 19 سورة, وكلمة الصدقات قد وردت صراحة هي الأخرى في 14 موضعاً في 4 سور. والمعروف أن الصدقات تأتي مرادفة لمعنى الزكاة في بعض المواضع. نرى أن كلمة الانفاق بمشتقاتها اللغوية قد وردت في القرآن الكريم في 73 موضعاً في 25 سورة وقد وردت هي الأخرى مقترنة بالعقيدة وبالعبادات. وقد وردت في شكل ترغيب وترهيب وحث على الانفاق التطوعي. غير أن مفهوم الانفاق هنا يختلف عن المفهوم الوضعي الذي سبق ذكره فالمفهوم هنا لا يخاطب شخص الدولة ولا الشركة, حيث ان هذه المؤسسات من صنع البشر والانسان هو محور الحياة وهو المعني الأول بهذا الدين, وهو الحامل للرسالة وهو المعني بالانفاق. فيخاطبه الدين هنا لا لكي ينفق على نفسه ويتمرغ بالنعم ويسرف كيفما يشاء, فيشبع رغباته الجامحة ويطلق لنفسه العنان فيمتعها بكل ما تشتهي من سلع وخدمات دونما قيد أو شرط أو ضابط وينسى المجتمع من حوله وهو عضو فيه ولا يبالي بالعالم من حوله, جاع أم شبع, لبس أم تعرى, تمتع بالصحة والعافية أم أهلكه المرض. كلا وألف لا. أتى الاسلام ليوضح له معنى الانفاق بمفهوم جديد لم يكن مألوفاً في الجاهلية الأولى قبل الاسلام, ويبدو أننا لم نعد نألفه اليوم, ذلك المفهوم لم يكن ليذكر في 73 آية في كتاب الله إضافة الى مواضعه في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لولا أهميته القصوى. ذلك المفهوم هو استخدام المال الخاص للانفاق للغير. فالانسان مطالب بتحكيم عقله وكبح جماح شهواته وتحديد حاجاته وتصنيفها واشباعها ثم الانفاق للغير. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيما يروى عنه (المال مال الله والفقراء عيال الله والأغنياء وكلاء الله على عياله) أخرجه البخاري. حيث أكد علماؤنا على أن الملك لله وحده والبشر مستخلفون في هذا الملك. ولكي لا تخرج عن إطار الانفاق نقول ان كافة العلماء أكدوا على أهمية الانفاق, وبأن الفقراء وذوي الدخول المنخفضة يكون الميل أو النزعة الحدية للاستهلاك لديهم عالية أكثر من الأغنياء وذلك لأنهم لم يتمكنوا بدخلهم المنخفض من اشباع حاجاتهم الاساسية والضرورية, وبالتالي فإن أي دخل اضافي يخصص كذلك للانفاق والاستهلاك وليس للادخار, ومن هذا المنطلق يرى الاقتصاد الاسلامي أن أي انفاق من الغني الى الفقير والمسكين وذوي الحاجة فسوف يخصص مباشرة للانفاق الاستهلاكي. أي بمعني آخر بدلاً من أن ينفقه الغني للحاجات الكمالية سوف ينفقه الفقير للحاجات الاساسية والضرورية فيما لو أعطي له, ومن ثم يزداد الطلب على السلع الضرورية والاساسية ويزداد تخصيص الموارد الاقتصادية لانتاج تلك السلع, مما يعني بدوره ترشيداً بطريق غير مباشر ليس للاستهلاك فقط بل للانتاج ولاستغلال الموارد الاقتصادية للمجتمع فيما يعود بالنفع على المجتمع.