لاشك ان ثمة قناعة قد تكون عامة بأن الطفرة النفطية التي لعبت دوراً لا يستهان به في التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة خلال العقدين المنصرمين, قد شارفت على الانتهاء إذا ما قلنا أنها انتهت, وليس في الأفق ما يشير الى عودتها مرة أخرى , ففي الوقت الذي تراجعت فيه أسعار النفط الخام بما يعادل الثلث بالنسبة للعام الماضي, فإن المواد الأولية الزراعية (التصنيعية) وخلافها التي تنتجها الدول العربية, هي الأخرى شهدت تراجعا أكبر في أسعارها في الأسواق العالمية, الأمر الذي سيفرض ضغوطات مذهلة على مستويات المعيشة والتنمية التي عاشتها منطقتنا العربية في سنوات خلت, خاصة وأن هذا التراجع يترافق مع النشاطات المحمومة والنمو المطرد للشركات الكونية (المتعددة الجنسية) التي تقوم بمحاولات خرق حاجز السيادة الوطنية بتركيز جهودها على المسائل التجارية بأنواعها, وبالأخص تلك التي تستحوذ على قوة الدفع والقدرة على اختراق الأسواق للمنتجات والخدمات, وأخذ المبادرة في ايجاد التدابير فيما يخص التجارة الاقليمية الضخمة التي تسمح لها بالمزيد من النمو لهذه الشركات, متكئة بذلك على التطور التكنولوجي الذي أفسح لها المجال لتقسيم العملية الانتاجية الكونية, والتصرف بها حسب ما تمليه مصالحها, دون الالتفات إلى ما قد تخلفه هذه السلوكيات الجهنمية على الآخر, والذي بدوره قد أجج وفاقم الاضطراب الاقتصادي والنقدي, واستنزف ثروات الدول النامية بعامة والعربية بخاصة, من جراء هذه السياسات الاقتصادية العدوانية, الهادفة الى تعميق التبعية بصورها المختلفة, كالتبعية في نمط الاستهلاك والانتاج والتسويق للصادرات والحصول على الاستيراد, والتبعية الغذائية والتكنولوجية والثقافية في ارتباطها العضوي بالاحتكارات الدولية, للاستمرار بنهبها المنظم, بشقيه المستقر والمعلن الذي تمارسه الدول الرأسمالية المتقدمة والممثلة بالشركات المتعددة الجنسية, في صورة تدهور لشروط التبادل, وفوائد القروض وأرباح الاستثمارات, والتلاعب في أسعار التحويلات وغيرها من أشكال النهب. وقد بات الأمر هذه الأيام ملحاً أكثر من أي وقت مضى وعلى ضوء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعيشها الأقطار العربية المصدرة للنفط وغير المصدرة, أن تلجأ إلى اتخاذ سياسات وتدابير اقتصادية ازاء كل ما يجري لوقف التداعيات الخطيرة لاقتصادات العرب وتبديد ثرواتهم, وان تضع هذه الدول مجتمعة استراتيجيا عربية للتنمية المستقلة ضمن نظام اقتصادي يخدم المتطلبات العربية في الداخل وألا يكون لعبة في يد المنظمات الدولية لتأمين متطلباتها, واكد من التدخل السافر للبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية (الجات) وصندوق النقد الدولي في الحياة الاقتصادية للوطن العربي تحت شعار الانفتاح الاقتصادي ودمج قوى السوق العالمية والعولمة وما شابه ذلك. ولعل هذا الكلام ليس ضرباً من ضروب الوهم أو الخيال, لأن الوطن العربي يمتلك الكثير من البدائل الاستراتيجية الهامة لتنوع الدخل ليس فقط النفط, بل في القطاعات الانتاجية الأخرى. فعلى مستوى الصناعة لابد من الاقرار ان العرب يمتلكون عدداً من العناصر الهامة والمميزة التي تمكنهم في السعي بمسار التصنيع وتوسيع التجارة بالسلع المصنعة, لما يتصف به الوطن العربي, من استحواذه على الموارد الطبيعية الهامة ليس فقط النفطية وملحقاتها, بل واحتياطيات المعادن, وأشباه المعادن بكل تسمياتها الامر الذي يسمح لهم بتطوير الصناعات التي تستند الى تلك المصادر, مثل صناعة البتروكيماويات, والصناعات الثقيلة الأخرى, الحديد والصلب والالمنيوم وغيرها, مع الأخذ بالاعتبار الموقع الجغرافي الذي يعتبر وسيطا بين أوروبا وآسيا, وامكانيات توفير الرساميل. لكن هذا يتطلب بالضرورة من العرب اذا ما أرادوا السير به, رفع قيمة القطاع الصناعي في الناتج الوطني على صعيد كل قطر, ليؤدي وظيفته والغاية المرجوة منه على المستوى القومي, وأن يقلع العرب عن حالة التلكؤ والانتظار الذي يبقي هذا القطاع ضعيفاً واهنا مقارنة مع القطاع الصناعي في الدول النامية, وكي لا يبقى حجم الصادرات الصناعية العربية ضعيفا, والذي يفسح المجال لاستنزاف الثروات الباطنية والمواد الخام ويفقدها أهميتها الاستراتيجية, ومن المؤسف حقا انه رغم مرور حوالي ثلاثة عقود على عملية التنمية الصناعية في العديد من الدول العربية, لا يزال القطاع الصناعي يتصف بكثير من صفات التخلف, حيث لا تزال نسبة السلع الاستهلاكية هي أعلى نسبة في الانتاج الصناعي, والمنتجات الصناعية الوسيطة ــ التي تمثل المرتبة الثانية من حيث الأهمية النسبية ــ ما زالت في غالبيتها منتجات تكرير النفط والمواد غير المعدنية, ولا يزال حجم ونسبة انتاج السلع الرأسمالية صغيرين جداً قياساً بالدول الشبيهة مثل دول جنوب شرق آسيا. وهذا يتطلب الشروع الجاد في انشاء المشروعات المشتركة لخلق التكامل الرأسي والأفقي للصناعات, وازالة الازدواجية بينهما, وتفادي الطاقات الانتاجية العاطلة, مع التأكيد على هذه المشروعات في المجال الزراعي لتعزيز اكتفائها الذاتي, وذلك في التنسيق بينها ضمن استراتيجية تقوم على أساس التخصص والميزة النسبية, وكبح جماح الظاهرة الاستهلاكية الترفيهية في عالمنا العربي, وانتقاء التكنولوجيا الملائمة والقيم المجتمعية, والعمل على استيعابها وتطويقها بما يؤدي الى تطوير وبناء التكنولوجيا العربية في اطار القدرات الذاتية. وقد يكون أحد البدائل الاستراتيجية ايضا الموارد البشرية الذي لم تعط الاهتمام الكافي من قبل النظام القطري العربي, وإذا ما أردنا ان تكون استراتيجية بحق فلابد من تنمية هذه الموارد, من خلال برامج وآليات تعمل على تعظيم الاستفادة من الطاقات الاستيعابية للتعليم الفني والتدريب المهني في كل الوطن العربي, وضرورة المشاركة الشعبية بما تمثل من طبقات وفئات وشرائح اجتماعية واقتصادية في صنع القرار الاقتصادي والسياسي, وتجميد الصراعات والخلافات القائمة بين النظم القطرية على أساس من حلها أو تناسيها والقفز عنها, كمقدمة لتأسيس حالة من التكامل الاقتصادي, وبالمشاركة هذه بالضرورة سيفرض على النخب السياسية الحاكمة أن تلتزم بمصالح الشعوب العربية والتي تتمثل في العمل العربي المشترك وبالتكامل الاقتصادي, وتؤمن بضرورته وتعمل على تنفيذ استحقاقاته عندئذ تعكس آمال وطموحات الشعوب العربية, بأن يصل النظام القطري العربي إلى جملة من الحقائق أهمها: التسليم للمصلحة العليا لأبناء الأمة بضرورة وجدوى العمل العربي المشترك والعمل نحو تسييد سلطات هذا الكيان ليصبح في النهاية كياناً قومياً كاملاً تذوب فيه الارادة القطرية, لتشكل قوة موحدة فاعلة تعبر عن مصالح جميع الارادات القطرية. وبما يخرج التكامل الاقتصادي عن شروط واخضاع الاجهزة المركزية, الى اجهزة مركزية مدعمة بسلطات فوق القطرية. وعطفا عن ماتقدم لابد من الاعتراف ان الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي الذي يشكل القاعدة والبداية التاريخية الاستراتيجية للتطور الاقتصادي, والذي تفتقده الكثير من الدول المتطورة مثل اليابان, بحاجة ماسة لاقتصاد المعرفة الذي يشكل الذروة والسمة الابرز للاقتصادات الاكثر تطورا. اي لابد من الخروج من حالة الاعتماد العبثي غير المنظم والمبدد للثروة في اغلب الاحيان المقصودة وغير المقصودة والذي يتمثل في الاعتداء على الموارد الطبيعية, لأن اقتصاد المعرفة هو الذي يشكل المصدر الاهم لنموها وليس لتبديدها. وهذا يتطلب توسيع وزيادة حجم القاعدة الانتاجية الوطنية المنظمة في كل الدول العربية المنتجة والمصدرة للنفط بالقطاعات الاقتصادية الاخرى الصناعية والزراعية والخدمية, الذي بدوره سينتج شبكة من العلاقات الصحية والمعافاة بين قطاعات الاقتصاد المختلفة المتطورة منها والاقل تطورا. مع الأخذ بنمط تقسيم العمل داخل الوطن العربي الذي يحقق التطور والتحرر الاقتصادي من شروط السوق, ويساهم بذلك في اقامة النظام الاقتصادي العربي الذي يستهدف بالضرورة ازالة التبعية والحد من استنزاف الموارد العربية, واقامة علاقات اقتصادية متكافئة وعادلة بين العرب. والذي بالضرورة سيفسح المجال رحبا امام استخدام الموارد الطبيعية والبشرية استخداما امثل يزيد في كمية الانتاج للمساهمين في عملية الانتاج وسيفتح باب المنافسة الشريفة بين القطاعات الانتاجية التي تسعى الى الافضل والانجح فيما تنتج, والذي بدوره سيفتح الابواب الموصدة امام الصناعات العربية بسبب من جودتها وقدرتها على المنافسة للمنتوجات الاجنبية ايا يكن مصدرها. والأخذ بعين الاعتبار مسيرة التكامل الاقتصادي العربي الذي يتجاوز نظرية الاتحادات الجمركية ويؤسس لانشاء وحدات نقدية من خلال قوى السوق على مستوى الوحدات العربية مثل مجلس التعاون الخليجي وغيره من الاتحادات الاخرى المجمدة كمقدمة لتكامل نقدي بعملة واحدة مشتركة, يتوافق مع انشاء سلطة نقد مركزية واحدة من خلال مؤسسات الجامعة العربية المتخصصة, خصوصا وان الاسواق العربية هذه الايام قد بدأت تلحظ شيئا من التقارب واخرى من التشابه الذي قد يصل في صورته حد التطابق.