تجدر الاشارة الى ان الدعوة الى التغيير والتحويل إلى المصارف الإسلامية ليست نابعة من عواطف جياشة كما قد يخيل الى البعض وانما هي نتاج عوامل ومتغيرات يفرضها الواقع الذي نعيشه ومبررات علمية ومنطقية اكاديمية سبق ان اشرنا الى بعضها نوجزها في النقاط التالية: العوامل والمتغيرات الواقعية : 1 ــ ان حاجة جماهير المسلمين متزايدة باضطراد الى خدمات البنوك الاسلامية وذلك من اجل رفع حرج المعاملات الربوية عن كاهلهم. وبما اننا نعيش في عالم يؤمن بالروح الديمقراطية ويحترم ارادة الشعوب فهذه الحاجة تصبح من مطالب الشعوب الملحة ايضا. ومن مؤشرات تنامي تلك الحاجة معدلات النمو السريعة التي يشهدها القطاع المصرفي بشكل عام والنشاط المصرفي الاسلامي بشكل خاص, ليس على مستوى الدولة فحسب وانما على مستوى العالم بأسره. 2 ـ البنوك الاسلامية اصبحت واقعا واثبتت نجاحها ونموها في مختلف الانشطة الاقتصادية, فأصبح المسلم وغير المسلم كلاهما مؤمن بتلك الحقيقة, التي اوجدت لها ذاتية مستقلة. 3 ــ كافة الانشطة الاقتصادية والمالية تنمو كما اشرنا وتتطور فلماذا لا تنمو البنوك الاسلامية في دولنا ايضا شأنها شأن باقي الانشطة الاقتصادية. 4 ــ المعاملات الاقتصادية الإسلامية لا تقل كفاءة عن غيرها من المعاملات الأخرى غير الإسلامية. بل انها تتفوق عليها نظريا (وواقعيا أحيانا, رغم صعوبة الحكم على الواقع في ظل الظروف الراهنة). 5 ــ بعض الدول غير الإسلامية ــ ذات الأنظمة المصرفية العريقة ــ تقبلت النظام المصرفي الإسلامي وسمحت للبنوك الإسلامية بممارسة أنشطتها فيها. فإذا كانت بعض المجتمعات غير الإسلامية قد أقبلت على تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية ــ سواء بالسماح في قيام البنوك الإسلامية أو بالسماح في المعاملات الإسلامية من خلال البنوك الربوية القائمة, وذلك احتراما لإرادة الجاليات الإسلامية في تلك الدول ــ فمن باب أولى أن تقوم تلك الخدمات وتنمو وتتطور في الدول الإسلامية. 6 ــ يتخرج طلابنا (المتخصصون في مجال المصارف والتمويل والمحاسبة) ويجدون حرجا شديدا في العمل في المجال الربوي فيلجأون للبحث عن وظائف أخرى خارج تخصصاتهم مما يترتب عليه هدر للموارد البشرية للمجتمع, فلماذا لا نوجد لهم مزيدا من المصارف الإسلامية التي يستطيعون أن يعملوا بها دون تحرج. وهنا نساهم في حل مشكلة البطالة التي ظهرت في الدولة في السنوات الأخيرة مساهمة فاعلة. وخير نموذج على ذلك سياسة توطين الوظائف التي ينتهجها بنك دبي الإسلامي وتلقى قبولا وتجاوبا كبيرا بين قطاع الشباب في الدولة. والحقيقة انه لولا وجود الحوافز المادية المغرية للعمل في المجال المصرفي لانخفضت نسبة العاملين من المسلمين في البنوك إلى درجات كبيرة جدا (أدنى مما هي عليه اليوم), وهذه ظاهرة غاية في الخطورة وتتطلب خطوات عملية سريعة لحلها. 7 ــ لقد لاحظت شخصيا ان بعض رجال الأعمال لديهم الاستعداد لهذا التغيير المنشود, من منطلق إيمانهم اليقيني بأهميته, فلماذا لا نشجع ذلك الاستعداد وننميه ونطوره. 8 ــ البنوك الإسلامية تكيفت مع متطلبات وقوانين المصارف المركزية وقوانين الشركات المعهودة في الدول التي نشأت فيها (وان كان ذلك من باب الاضطرار في الكثير من التشريعات وخصوصا في الدول غير الإسلامية), كما وانها قد تكيفت مع متطلبات المنظمات المالية العالمية, ولم تنشأ عنها مشاكل تذكر, فلماذا لا تتاح لها فرص النمو والتطور شأنها شأن غيرها من المؤسسات المالية والمصرفية. 9 ــ لا يوجد مبررات منطقية واقعية واضحة تمنع التوسع في البنوك الإسلامية وتطويرها, وان وجدت شكوك في بعض النفوس فهي لا تعدو كونها تقييما ذاتيا تنقصه الصحة وينقصه كذلك وضوح الرؤية حول النظام المصرفي الاسلامي. وهذه الشكوك ان وجدت سوف تزول بزوال المسببات بلا شك. 10 ــ دولة الامارات مقبلة على انشاء سوق للأوراق المالية, وأعتقد ان البنوك الإسلامية لابد من أن تتاح لها فرصة الدخول إلى الأسواق المالية العالمية من خلال هذا السوق كي تنمو وتتطور. ونحن نتوقع أن تلعب البنوك الإسلامية دورا أكبر من غيرها من البنوك العادية في البورصة, وذلك نظرا لطبيعة هذه البنوك وأهدافها وأنشطتها. 11 ــ هناك من المسلمين من يتردد حتى بالاكتتاب في الشركات المساهمة الجديدة لمجرد انه يعلم ان المساهمة تتم في بنوك ليست إسلامية (وهم محقون في ذلك), فلماذا نحرم صغار المستثمرين من الفرص الاستثمارية التي أتاحتها لهم الدولة والحلول في أيدينا. 12 ـ ما يشهده العالم من تغيرات سياسية اقليمية وعالمية يحتم تطوير وتوسيع مجال عمل البنوك الاسلامية. 13 ــ هناك الكثير من ادوات التمويل والاستثمار المطبقة في النظام البنكي الغربي قريبة الشبه الى حد كبير من ادوات التمويل والاستثمار الاسلامية, مما يعني عالمية النظام البنكي الاسلامي وامكانية تطبيقه ولو جزئيا من قبل الشعوب غير الاسلامية. فهذه الشعوب لو لم تكن تدرك جدواه الاقتصادية لما أقبلت على تطبيقه. 14 ـ التوجه العالمي العام نحو الانفتاح العام (أو ما يسمى تدويل الاقتصاد), وايمان كافة الشعوب والامم بأهمية ذلك التوجه في خلق جو المنافسات العالمية وتنميته وتطويره. 15 ـ التوجه العالمي نحو الخصخصة يبرر الاهتمام بانشاء مزيد من البنوك الاسلامية, حيث ان البنوك الاسلامية اقدر من غيرها من البنوك التجارية على منح الائتمان المتوسط والطويل الامد والذي تحتاجه المؤسسات الخاضعة لعملية التخصيص وخاصة في بداية تلك العمليات. فالبنك الاسلامي مؤهل للقيام بوظائف البنوك التجارية والصناعية والعقارية والاستثمارية تحت سقف واحد. 16 ـ النزعة الكبيرة تجاه تشجيع وتنمية الصناعات التحويلية والتقليل من الاعتماد على النفط الخام يجعلنا نهتم بانشاء البنوك الاسلامية لأنها أقدر من غيرها على تمويل الاستثمارات والمشاريع الانشائية الطويلة الاجل. ثانيا: المبررات العلمية والاكاديمية: 1 ــ لم يثبت علميا وبدليل قاطع ان معدلات الفوائد البنكية كانت في يوم من الايام هي المحفز والمحرك للادخار والاستثمار والتراكم الرأسمالي ومن ثم التنمية الاقتصادية. فالاختلاف بين العلماء حول دورها مازال قائما ونظريا محضا. حيث ان الواقع لا يدعم البراهين النظرية التي قام باجرائها بعض العلماء. وذلك على الرغم من اعتياد القطاعات الاقتصادية على معدلات الفوائد المصرفية لفترة طويلة من الزمن وتأقلمها معها. 2 ــ الثابت علميا ومحاسبيا وبالدليل القاطع ان معدلات الفوائد البنكية تدخل مباشرة في حساب تكاليف الانتاج, ومن ثم تنعكس في اسعار السلع والخدمات. اي انها من العوامل المغذية لمعدلات التضخم النقدي وارتفاع الاسعار بشكل مباشر. 3 ـ ان استخدام معدلات الفوائد البنكية كأداة نقدية لطرح بعض الحلول للمشكلات الاقتصادية التي تواجهها الدول الصناعية كمشكلات البطالة والتضخم والكساد, هي بحد ذاتها لا تعتبر حلولا جذرية وانما هي حلول مؤقتة (كالأدوية المسكنة للآلام تماما). ويعترف علماء الاقتصاديات النقدية جميعا بهذه الحقيقة. 4 ـ كافة الجامعات المشهورة في الدول الصناعية تعترف بالأهمية العلمية للاقتصاد الاسلامي. وبدأت تدرسه وتدرسه, بل وتمنح الدرجات العلمية العالية في هذا التخصص, وتوسع مجال البحث العلمي فيه, وان كانت تحاول تجريده من جوانبه الروحية والعقائدية والعبادية. 5 ــ لقد اثبت علماء المسلمين عالمية النظام البنكي الاسلامي وقدرته على التفاعل علميا وعمليا مع الانظمة المصرفية القائمة. 6 ـ ان ايجاد جو المنافسة بين البنوك الاسلامية الوطنية هو الاسلوب الانجع والطريقة العلمية لنمو وتطور الخدمات المصرفية التي تقدمها البنوك الاسلامية. وهذه المنافسة لن تتم الا في حالة و جود اكثر من بنك اسلامي وطني. وان غياب جو المنافسة يوجد جو الاحتكار وما يتولد عنه من مشاكل اقتصادية عديدة. 7 ـ البنوك الاسلامية, فضلا عن كونها بنوكا تجارية, فهي بنوك استثمار. لذا فان قدرتها على المساهمة في التنمية الاقتصادية اكبر من قدرات البنوك التجارية الاخرى. وبما ان الدول الاسلامية هي في عداد الدول النامية فان البنوك الاسلامية تكون, بناء على ذلك, انسب من غيرها من البنوك لأن تلعب دورا أكثر حيوية وفاعلية في مجال التنمية الاقتصادية والاستثمارات المتوسطة والطويلة الأجل. وتجدر الاشارة إلى ان للدول الصناعية المتقدمة تجارب شبيهة بهذه مع بنوك الاستثمار في بدايات عهودها بالتنمية. ونحن نعتقد ان الوقت قد حان لانشاء المزيد من البنوك الإسلامية وذلك عن طريق تغيير بعض البنوك الوطنية القائمة وتحويلها إلى بنوك إسلامية. وقد نغيرها حتى دون أن نسميها إسلامية, فالعبرة بالمقاصد لا بالألفاظ. أي بمعنى آخر إذا كان هناك تحفظ على التسميات, أي كانت الأسباب والمبررات, فلنتركها بأسمائها السابقة ولتمارس من خلالها أنشطة التمويل والاستثمار الإسلامية ولو كان ذلك التحول على مراحل. فلا بد من البحث إذا عن آلية معينة فاعلية لعملية التحويل المنشودة حتى تتم دون أن ينشأ عنها أية تأثيرات جانبية قد تضر الأنشطة والقطاعات الاقتصادية. ونحن من جانبنا نؤكد على كون ذلك التغيير في مصلحة الشعوب الإسلامية وليس فيه أي ضرر على اقتصاديات الدولة. كما ونهنئ دولة الكويت الشقيقة التي تدرس هذا الموضوع منذ عدة سنوات وهي تقترب الآن من طور التنفيذ, ونستفيد من خبرتها وما توصلت إليه في هذا المجال. كما ونود أن نقول لاخواننا رجال الأعمال والمؤسسين للمصارف الوطنية, والذين ما زالوا يتحفظون على مثل هذه الخطوات, انظروا إلى عالم اليوم من حولكم.. وتأملوا..!! فما هو المعقول وما هو اللامعقول..؟؟. هناك الكثير الكثير مما كان بالأمس لا معقولا للعباقرة والمتخصصين (أو قل كان حلما أو خيالا), أصبح اليوم واقعا معقولا لكافة مستويات العقول البشرية وان لم تدرك أسراره ادراكا تاما. وذلك مثل الطائرات والصواريخ والهواتف وغزو الفضاء الخارجي والقنوات الفضائية والحاسوب والانترنت وغيرها من الاختراعات التي كانت مجرد أحلام. فلا يعقل أن نقف حائرين عاجزين عن تطبيق المعاملات الاقتصادية الإسلامية وتفهمها كما يجب فهي واقع ملموس كذلك. وهي بحاجة إلى من يؤازرها ويشجعها ويبرزها للمسلمين بشكل معتدل ومفيد. وبشكل واقعي يتفق وروح العصر الذي نعيشه.