لاشك ان مشكلة البطالة - ويبدو لي والله اعلم ان الاصح لغويا ان نسميها عطالة وليست بطالة - مشكلة عالمية قديمة غير انها بدأت تزداد حدتها مع ظهور الثورة الصناعية وتطور الآلة لتحل محل الانسان وتنافسه وهي تزداد حدة وتنمو في كافة المجتمعات. ولقد تنبهت الدول الصناعية مبكرا الى هذه المشكلة الكبيرة التي تجر وراءها مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية وتنظيمية لا حصر لها, وبدأت الدول بالتصدي لها ومعالجتها بالطرق العلمية والعملية. غير اننا في العالم العربي مازلنا نعاني من هذه المشكلة وبشكل تزداد حدته يوما بعد يوم, حيث تبين احدث التقارير الاحصائية ان متوسط معدل البطالة في الوطن العربي يصل الى 14% حيث تصل في الضفة الغربية وقطاع غزة ( وهي حالة استثنائية بسبب الظروف السياسية للمنطقة) الى 47% وفي اليمن تصل الى 25% وفي الجزائر 21% وفي السودان 17% وفي الاردن 19% وفي لبنان 15% وفي المغرب 15% وفي تونس 12% وفي مصر 9% وفي سوريا 8%. ولاشك ان في دول الخليج العربية لدينا ايضا نسبة من العاطلين عن العمل بين المواطنين ولكنها وضع استثنائي ايضا وذلك نظرا للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمر بها المنطقة, والحقيقة ان هذه مجرد مؤشرات لابراز الظاهرة الاقتصادية ولكنها ليست الارقام الحقيقية الصريحة, حيث نتوقع ان تكون الارقام الحقيقية اكبر من ذلك وخصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ظروف العالم العربي وصعوبة الحصول على الاحصائيات الصريحة والدقيقة. ان مشكلة البطالة في العالم العربي مشكلة حقيقية رئيسية تقف عقبة كؤودا في طريق التنمية الاقتصادية فما هي اسبابها: 1- ان اول سبب يمكن طرحه وهو سبب رئيسي يتمثل في سوء توزيع الدخل القومي في العالم العربي بأكمله وان كان ذلك بدرجات متفاوتة, ويرجع ذلك بالدرجة الاولى الى غياب الحكم الديمقراطي في العالم العربي واذا وجد الحكم الديمقراطي يكون في الغالب شكليا مجردا من المضمون ومن الروح الديمقراطية الحقة. ان سوء توزيع الدخل القومي يرتبط مباشرة ايضا بسوء توزيع الانفاق العام وضياع الكثير الكثير من المال العام في مشاريع غير مدروسة ولا تخدم الصالح العام ولا تخدم الاولويات التي يحتاجها المجتمع. 2- غياب المشاريع الاقتصادية العربية المشتركة الناجحة واحلال المشاريع الشكلية غير الناجحة والخالية من المضمون محلها. 3- منافسة القوى العاملة الاجنبية من دول آسيا وعرض خدماتها بأسعار منخفضة تعجز القوى العاملة العربية عن منافستها ولولا تدخل عامل الاعتبار العربي لتقلص حجم القوة العاملة العربية في دول الخليج العربية الى درجات متدنية للغاية. ويرجع ذلك بالدرجة الاولى الى ارتفاع نسبة التضخم النقدي في الدول العربية المصدرة للقوة العاملة الى دول الخليج العربية الى درجة تجعل العامل العربي لايرضى بالاجور المنخفضة كنظرائه من العمال الاجانب. 4- التكوين الاجتماعي للوطن العربي والعادات والتقاليد والتماسك العائلي يكون عاملا مؤثرا تأثيرا سلبيا في هجرة القوة العاملة النسائية داخل الوطن العربي. اي بمعنى آخر لاتستطيع المرأة الهجرة الا بمحرم ومن ثم تقل قدرتها على منافسة المرأة غير المسلمة. 5- مخرجات المؤسسات التعليمية على كافة المستويات ( المدارس والمعاهد والكليات والجامعات) لاتتناسب مع اسواق العمل العربية ولا تنسجم معها. وعلى الرغم من ظهور بعض الاصلاحات في هذا الجانب في السنوات الاخيرة الا ان تلك الاصلاحات مازالت محدودة للغاية وتقتصر على بعض الدول وهي لاتفي بالغرض ولاتتناسب مع حجم المشكلة فلابد من الاكثار من المدارس والمعاهد التقنية والزراعية والتجارية والصناعية وحصر مناهجها في تخصصات محددة لتخدم تلك التخصصات وتقلل من معدلات البطالة المتفاقمة. 6- تسهيل اجراءات الهجرة والاقامة للعرب وتيسيرها لهم وتمييزهم عن الاجانب, حيث ان تلك الاجراءات من الاسباب الرئيسية وراء زيادة معدلات البطالة في العالم العربي. ولاشك ان الحلول تكمن في ازالة الاسباب او الحد من تأثيرها ما امكن ذلك. حيث ان ازالتها لن تتم بعصى سحرية بين يوم وليلة ولكنه سوف يتم بالتدريج وبارادة الشعوب والسلطات اذا عملت على ذلك.