تثير عودة الاقتصاد الامريكي إلى الانتعاش في التسعينات قدرا كبيرا من الإعجاب والدهشة. ففي العام 1990 كانت سبع من الشركات العشر الأكبر في العالم يابانية واثنتان فقط أمريكية وواحدة أوروبية . أما الآن وبعد العام المذكور بثماني سنوات فقط أصبحت تسع شركات من العشر الأكبر عالميا أمريكية وواحدة أوروبية ـ هي هي لم تتغير ـ رويال داتش شل. أما القائمة التي تلي العشر الأوائل فالسيطرة الامريكية عليها تامة أيضا, فهناك عشرون شركة أمريكية بين الشركات الـ25 الأكبر في العالم. الأمر نفسه ينطبق على قائمة المليارديرات في العالم, فبالنسبة إلى عدد السكان, يوجد في الولايات المتحدة عدد من المليارديرات يبلغ خمسة أضعاف مثيله في أوروبا وتسعة أضعاف مثيله في اليابان. ولنأخذ مثلا, بيل جيتس, أغنى رجل في الولايات المتحدة والعالم. فهذا الرجل وصل حجم ثروته إلى 83 مليار دولار في نهاية العام الماضي, ولا يوجد خارج الولايات المتحدة أي شخص تقترب ثروته حتى ولو من بعيد من ثروة جيتس. ومع انتهاء التسعينات يتوقع أن يفوق النمو في إجمالي الناتج المحلي الامريكي الناتج الإجمالي لأي اقتصاد في العالم باستثناء الاقتصاد الياباني. ومن دون التصدير إلى الولايات المتحدة, ستسقط بقية دول العالم في حال من الركود. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة واقتصادها هما قاطرة العالم الاقتصادية. لقد شهد منتصف وأواخر الثمانينات حديثا صريحا وواسع النطاق في الصحافة الأوروبية واليابانية عن رحلة الهبوط لأمريكا وعن نهاية القرن الامريكي وما شابه ذلك, وكانت صناعة الإليكترونيات الاستهلاكية الامريكية في أزمة حتى توقفت بالفعل بعض المصانع, كذلك تخلت الولايات المتحدة خلال تلك الفترة عن موقع الصدارة في مجال صناعة السيارات وأشباه الموصلات لليابان. وكان الاتجاه المتصاعد نحو تحقيق التكامل الاقتصادي في طريقه لوضع أوروبا في (الطريق السريع) , وهو ما عززته نهاية الشيوعية, وما قيل حينئذ عن أن ذلك سيتيح للأوروبيين إمدادات جديدة ضخمة من المواد الخام رخيصة الثمن فضلا عن عمال مهرة ومرتفعي المستوى التعليمي. كذلك ساد الاعتقاد بأن القرن الواحد والعشرين سيكون إما قرن اليابان أو الصين, فالآسيويون كانوا يؤدون على نحو جيد تماما على الساحة الاقتصادية, ما دفع إلى الاعتقاد بأن السيطرة الاقتصادية الآسيوية قادمة لا محالة. لقد سرى إحساس بالقلق بين الامريكيين, وتساءلوا عن الخطأ, كذلك ظهرت في الأسواق كتب عدة عن سبل إيقاف التدهور الحاصل في الصناعة الامريكية. أما الآن فقد تغير الوضع كثيرا, فالتقدم الآسيوي الذي بدا لبعض الوقت وكأنه قطار الرصاصة الذي لا يتوقف, والقادر حتما على سبق الآخرين, يبدو الآن وكأنه حطام قطار. أما اليابان فتعاني حالا من الركود منذ عقد تقريبا, ومعدل النمو لديها في العام الماضي سلبي, والأمر نفسه متوقع في العام الجاري. وما الاقتصاد الكوري أو غيره من اقتصادات جنوب شرقي آسيا بأفضل حالا. الصين هي الأخرى لم تعد تفعل شيئا سوى أن تصدر بيانات وإحصاءات لا يمكن أن تكون صحيحة, فلايزال الصينيون يدعون أن نسبة النمو عندهم لا تقل عن 8%, وهذا غير ممكن مادام إنتاج الكهرباء, مثلا, لم تتجاوز نسبة نموه 26% العام الماضي. وما يؤكد ذلك أيضا أنه لو صحت الأرقام التي تتضمنها هذه البيانات ونما الاقتصاد الصيني بهذه السرعة, ما حدث ذلك الانكماش في اقتصاد هونج كونج التي تعد العاصمة الاقتصادية لجنوبي الصين والتي تشهد انكماشا بمعدل 5% في العام, وما أفلست أيضا بنوك الاستثمار على النحو الذي تشهده الصين منذ فترة. فمن غير المعقول أن تتعرض هذه البنوك للإفلاس في اقتصاد يبلغ معدل النمو فيه 8%, فالنمو القوي يغطي على كثير من العيوب والأخطاء. ونتيجة لما يحدث على الساحة الآسيوية, فإن مليارديرات آسيا يختفون كما تختفي الحشرات مع أول موجة صقيع. وعلى سبيل المثال, تراجع عدد المليارديرات في اليابان إلى تسعة فقط بعد أن كان هناك 41 مليارديرا, والتراجع أسرع وأقوى في الدول الآسيوية الأخرى. وبالنسبة لأوروبا وأدائها خلال التسعينات, فإنها لم تشهد حالة (ذوبان) كالتي شهدتها اليابان, لكن معدلات النمو كانت غالبا أقل منها في الولايات المتحدة. وما يفوق ذلك أهمية أن أوروبا لاتحتل مركز الريادة في أي من صناعات التقنية العالية الجديدة, وهي الصناعات التي تنتج عنها نسب نمو مرتفعة. فكيف يمكن لأية منطقة كانت في العالم أن تأمل تحقيق الريادة الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين بينما هي تبيع آخر مصنع محلي للكمبيوتر لديها (سيمنز نيكسدورف) للتايوانيين؟ كذلك فإن كوريا وحدها تنتج من أشباه الموصلات ما يفوق إنتاج أوروبا كلها من هذه المواد. لقد واتت أوروبا الغربية الفرصة لأن تحتذي النمط الآسيوي مع أوروبا الشرقية بإغلاق الأنشطة التي لا تقدم سوى رواتب ضعيفة ولا تتطلب سوى مهارات منخفضة, وتحويلها إلى أوروبا الشرقية. عندها ستكون التكلفة أقل, بعد ذلك يتم تصدير الناتج إلى دول أوروبا الغربية نفسها, وهو ما يوفر في النهاية الاعتمادات اللازمة لأوروبا الشرقية لشراء المنتجات والخدمات المتوفرة في أوروبا الغربية والتي تتطلب مهارات عالية وتوفر رواتب عالية. لكن ما الذي تسبب في ذلك التحول؟ إن إحدى الإجابات أن الاقتصادات الآسيوية لم تكن مهيئة هيكليا لمواجهة حالة من الذوبان المالي. ومثل هذه الحالات تعد من الناحية العضوية والجينية جزءا من الرأسمالية, ومن حسن حظ هذه الدول أنها لم تمر بهذه الحالة في مرحلة مبكرة عن ذلك. وبالنسبة لحالة الذوبان التي عانتها اليابان, فإنها لم تكن بأية حال من الأحوال أكبر من الحال التي شهدتها الولايات المتحدة في الثمانينات عندما انهارت صناعة الادخار والقروض. لكن المجتمعات الآسيوية لم تتمكن من القيام بما يلزم للتخلص من الفوضى التي تراكمت بعد انتهاء حالة الذوبان, وذلك بإرغام المؤسسات الغارقة لأذنيها في الديون على إعلان إفلاسها وبيع أصولها لمن يقدم أعلى عرض شراء, والقيام في الوقت نفسه بإحلال الرأسمالية القائمة على الأسهم محل الرأسمالية المستندة إلى الاستدانة والقروض. لقد قرر الأوروبيون من جانبهم شن حرب ضد التضخم, وقيد البوندزبنك قدرة الجميع على النمو من خلال سياسة تقوم على أسعار فائدة أعلى, بينما كان التضخم يختفي بسرعة من العالم. لذا, كان هذا المسلك من جانب الأوروبيين غير ضروري بالمرة. والمثال الواضح الولايات المتحدة, فهي من دون أن تتبع السياسة ذاتها تمكنت مع نهاية التسعينات من الوصول إلى معدل منخفض للتضخم. كذلك, فإن الأوروبيين لم يتمكنوا من بدء عملية التحرك تلك نحو أوروبا الشرقية, النتيجة أنه ما كان يمثل فرصة اقتصادية جيدة للطرفين تحول إلى حال من النمو المنخفض في أوروبا الغربية مع انخفاض في مستوى دخل الفرد في غالبية دول أوروبا الشرقية عما كان عليه في ظل النظام الشيوعي. لقد عملت الشركات الامريكية بجد واجتهاد للتخلص من بعض جوانب الضعف لديها. بل إنها ـ ومن دون أن تجد في ذلك حرجا ـ قامت بنسخ النموذج الياباني لتتمكن بذلك من سد الفجوة النوعية في التصنيع مع اليابانيين. وهكذا, تراجع إلى حد كبير عدد العيوب في السيارات الامريكية, على سبيل المثال, لكن ما يفوق ذلك أهمية أن هذه الشركات دخلت مرحلة من التغيرات الفنية حتى أضحت قدرتها على توظيف الجديد وإغلاق القديم أهم مكونات النجاح لديها, وتحول ذلك في النهاية إلى عنصر رئيسي من عناصر القوة لدى أمريكا. وليس هناك من يستطيع القيام بذلك أفضل من الامريكيين الآن. ومن الملاحظ أن ثلاثا من بين الشركات الامريكية التسع التي تقف على قائمة الشركات العشر الأكبر عالميا لم تكن موجودة في الستينات, كذلك, فإن ثماني من بين الشركات الامريكية الــ 25 الأعلى قيمة لم يكن لها وجود أو كانت صغيرة في الستينات, لكن طرح منتجات وخدمات ثورية جديدة عادة ما يدفع بشركات جديدة إلى دنيا الشركات الضخمة القادرة على النمو السريع. بينما لا نجد مثل هذه النوعية أو المجموعة من الشركات في اليابان أو أوروبا. لقد تعلم الامريكيون كيف يسعون إلى الاختراقات التكنولوجية الكبيرة. وليس هناك مديح للتحسن البطيء. كما أنه يسهل البدء في مشروع جديد. وليس من الصعب بين الامريكيين أن تبحث عن وظيفة جديدة إذا لم تحقق النجاح في الوظيفة الأولى. كثيرون يفعلون ذلك بلا مشكلة أو حرج, وقبل ذلك تجد أن رأس المال المغامر كثير ومتوافر. وخلال الأعوام الثمانية الأخيرة تخلت شركات أمريكية كبيرة ورابحة عن عدد يتراوح بين 500 و700 ألف عامل سنويا, وبلغ هذا العدد العام الماضي 680 ألف عامل, كذلك تم إغلاق أبواب الكثير من الأنشطة, وانتقل بعضها إلى مناطق خارجية حيث الكلفة أقل, ونتيجة لذلك أضفى الامريكيون صبغة عالمية على انتاجهم وبسرعة فاقوا بها الأوروبيين واليابانيين. كل ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة ستظل متفوقة دائما وأن اليابان وأوروبا سيبقيان في الخلف, لكن الولايات المتحدة الآن على الأقل تمتلك القوة الدافعة إلى الأمام.