فيما تولي اجهزة الامن الغربية اهتماما اكبر بمكافحة ما يعرف بعمليات غسيل الاموال تبذل العديد من الدول الصغيرة جهدا اكبر في استقطاب اموال ملطخة بجرائم العصابات الدولية . وعلى سبيل المثال فإن عمليات التخصيص في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق فتحت ميدانا فسيحا من الفرص للجماعات الاجرامية التي تستخدم ارباحها (من انشطة قذرة) للاستثمار في مشروعات تجارية. والمعروف عن العصابات الاجرامية في اوروبا الوسطى والشرقية انها تستغل التجارة العقارية واجهة لغسل اموالها القذرة خاصة في بلجيكا وبريطانيا وقد شهدت تعاملات الشركات العقارية في لندن اقبالا محموما في الآونة الاخير من جانب المستثمرين الروس. ووفقا لتقرير حديث صادر عن المنظمة الايطالية لاصحاب المشروعات (كونفكوميرشيو) فإن عصابات المافيا الروسية والاوكرانية تستثمر مبالغ مالية ضخمة في الانشطة الزراعية بمنطقتي توسكاني وايميليا. ويقدر رئيس المنظمة الايطالية سيرجيو بيل ان نحو 20 الى 25% من اجمالي التحويلات المصرفية تأتي من مصادر مريبة وان ثلاثة من كل عشرة مشروعات تجارية يديرها اشخاص على علاقة بمنظمات اجرامية. ويقول المحققون ان ثمة ادلة تثبت تورط منظمات اجرامية من روسيا وكولومبيا وايطاليا في تبادل خدمات ما يعرف بغسل الاموال القذرة بين بعضها البعض, وقد كشفت الشرطة الايطالية في العام 1996 عملية كبيرة لغسل 12.5 مليار دولار تورط فيها دبلوماسيون ومسؤولون في البنوك وسماسرة كبار من انحاء العالم وقد تولى الايطالي جيرولامو سكاليسي ـ المعروف باسم البروفيسور ـ ادارة هذه العملية التي شملت نقل الاموال القذرة عبر سويسرا وبنما وكوستاريكا والعراق والكويت. وفي البانيا التي ادى انهيار النظام الهرمي لشركات الاموال بها ضياع مدخرات الآلاف وتشريد آلاف آخرين يعتقد ان عصابات اجرامية من البانيا وايطاليا كانت تدير هذه الشركات بهدف تهريب الاموال القذرة. وفي وقت سابق من العام الحالي, كشفت السلطات الامريكية النقاب عن عصابة مكسيكية (تحت اسم اتحاد امادو كاريلو فيونتس) كانت تقوم بغسل ما يعادل مائة مليون دولار شهريا هي مكاسبها من انشطة تهريب المخدرات بعدما تمكنت من السيطرة على بنك اناهواك المكسيكي واستغلاله في تحويل الاموال الى بنوك اخرى في المكسيك وفي الولايات المتحدة. وفي المكسيك ايضا اكتشفت السلطات ان راؤول ساليناس شقيق رئيس الدولة السابق لديه 289 حسابا مصرفيا تضم ما يعادل 243 مليون دولار, كما اتضح ان الشخص نفسه يمتلك 120 منزلا وضيعة وشقة, الامر الذي اكد ان النشاط العقاري يمثل احد ابرز الوسائل المتبعة في عمليات غسيل الاموال القذرة. ازدهار نشاط المتخصصين. ولان الاقبال على عمليات غسل الاموال القذرة في تزايد مطرد فقد ازدهر نشاط المتخصصين في ادارة هذه العمليات الذين يوفرون (للراغبين) استشارات باهظة التكلفة لكن منخفضة المخاطر ويعمل اولئك الاستشاريون بشكل فردي او بالارتباط المباشر بالمنظمات الاجرامية وهم على دراية كبيرة بأفضل طرق التهرب وبكيفية استغلال نقاط الضعف في تشريعات وقوانين الدول المختلفة, وقد ازداد عدد الاعلانات عن خدماتهم بشكل ملحوظ في شبكة الانترنت تماما كما زادت الاعلانات عن خدمات مساعدة الراغبين في الحصول على جواز سفر ثان وثالث. وعن هذه الظاهرة يقول الخبير الايطالي المعروف في الجرائم الدولية ارنيستو سافونا مدير انشطة غسيل الاموال القذرة عادة ما يكون استشاريا محترفا يعرض خدماته على اي شخص او جهة مستعدة لدفع اتعابه. والمؤسف ان خبراء الحسابات يشتغلون بهذه المهنة خاصة في بلجيكا وهولندا والبرتغال وفي المملكة المتحدة تنتشر هذه المهنة بين المحامين. هؤلاء الاستشاريون الذي يتحدث عنهم الخبير الايطالي هم خبراء في نقل الاموال خارج الحدود والاستفادة من خدمات المراكز والمدن غير الخاضعة للانظمة الضريبية وحيثما تكون القوانين صارمة ومن الصعب اختراقها يتيح الفساد (والرشوة) منفذا بديلا. ويوضح ايمانويل ماروتا الخبير في وحدة مكافحة المخدرات بالشرطة الاوروبية جانبا من اسباب استفحال المشكلة بقوله في اغلب البلدان نجد ان العقوبات المنصوص عليها ضد الوسطاء (او الاستشاريين المحترفين) محدودة جدا مقارنة بالمكاسب الضخمة التي يجنونها من وراء العمليات المشبوهة. وفيما تتباين تكاليف عمليات غسل الاموال القذرة يؤكد تقرير صدر بداية هذا العام عن برنامج مكافحة المخدرات التابع للامم المتحدة ان نسبة العمولة ارتفعت من ستة او ثمانية في المائة خلال الثمانينات الى 20% حاليا. ويستغل الاستشاريون الذين يعملون على خدمة عملائهم من المجرمين الفرص التي توفرها الملاذات المالية اي الجزر والمراكز التي لا تفرض ضرائب او جمارك على اي انشطة تجارية او مصرفية, وقد شهدت الاعوام الاخيرة توسعا كبيرا في نشاط هذه الملاذات التي توفر تسهيلات مالية عديدة دون اشتراط الاطلاع على مصدر الاموال. كما تضمن المصارف العاملة في هذه المراكز (السرية التامة) لعمليات التحويل النقدي وللارصدة المودعة فيها او المنقولة اليها. مراكز معروفة وبينما سنت دول عديدة ـ من بينها سويسرا ـ تشريعات تلغي او تقلص نظام سرية الحسابات المصرفية يبقى عدد آخر من الدول التي من السهل ان تفتح في احدى مصارفها حسابا رقميا لا يسمح لاي محقق او جهة رقابية الاطلاع عليه. ومن بين هذه المواقع الاوروبية التي تحوم حولها الشبهات جيرسي وجويرنسي وليتشنشتاين وموناكو,.. وانضمت اليها مؤخرا المجر واندورا وفقا لدراسة اجرتها الشرطة الايطالية عن المراكز الرئيسية لانشطة غسل الاموال القذرة كما ان بولندا التي يبلغ عدد الحسابات المصرفية فيها 49 مليونا فيما لا يتجاوز عدد سكانها 38.6 مليون نسمة تدخل في دائرة الشبهات وتنشط بها عمليات تهريب الاموال التي تنفذها عصابات محلية واخرى دولية من ايطاليا والولايات المتحدة. اما لوكسمبورج فتتمتع بشهرة خاصة في مجال (معالجة) الاموال القذرة الواردة من الدول الاخرى عبر بنوكها, لكن النمسا ايضا تمثل مصدر ازعاج مستمر للجهات الامنية بسبب نظامها المصرفي الذي يتيح فتح حسابات دون تحديد اسم صاحبها ويؤكد المحققون ان بنوك فيينا باتت تستقطب عددا كبيرا من العصابات الاجرامية في شرق اوروبا. وبالمثل تنتشر الملاذات المالية في انحاء اخرى من العالم خاصة في جزر البحر الكاريبي مثل البهاما واوروبا ومونت سيرات التي يكاد يماثل فيها عدد الشركات المسجلة تعداد سكان كل منها, وفي آسيا يوجه تقرير حديث للامم المتحدة عن انشطة غسيل الاموال القذرة اصابع الاتهام الى هونج كونج وماكاو وسنغافورة ولابوان. وتعد جزر سيشل (في المحيط الهندي) حاليا من انشط المراكز العالمية في الضرب بلوائح الرقابة على التحويلات المالية عرض الحائط اذ باتت تقدم نفسها للجميع كملاذ مالي آخر لا يسأل فيه الزائر (او صاحب الوديعة) عن مصدر امواله بل وتضمن حصانة خاصة لاصحاب الودائع والارصدة الضخمة في بنوكها. ووفقا لتقارير اللجنة المالية المنبثقة عن الدول الصناعية السبع الكبرى والمكلفة بمراقبة انشطة غسيل الاموال القذرة في انحاء العالم, فإن تركيا هي الاخرى ليست فوق مستوى الشبهات في هذا المجال الذي ينتعش يوما بعد آخر, خاصة وان تركيا تحتل موقعا استراتيجيا على مفترق طرق تهريب المخدرات وتوفر مصارفها خدمة الحسابات السرية كما انها لا تصنف نشاط غسل الاموال القذرة كجريمة.