لطالما تباهى بنك الاتحاد الأوروبي الذي يتخذ من انتيجوا مقرا له بأنه كان الأول بين البنوك الأوروبية في تسويق خدماته على شبكة الانترنت العالمية اعتبارا من سبتمبر 1995, لكن بعد عامين فقط من ذلك التاريخ, انهار البنك واكتشف المحققون ان الجهاز الذي أسسه روسيان كان يُستخدم كستار لاخفاء أنشطة غسيل الأموال القذرة التي تمتلكها عصابات المافيا في الاتحاد السوفييتي السابق . والحقيقة ان أجراس الخطر كان من المفروض ان تقرع قبل زمن طويل من افلاس البنك الذي لم يتورع عن تسويق نفسه علنا باعتباره ملاذا آمنا للأموال القذرة, متعهدا عبر اعلاناته على شبكة الانترنت بفتح حسابات سرية لمن يرغب بتأسيس مشروعات تجارية عبر الشبكة دون شرط الافصاح عن أسماء مالكي الأسهم. وليس من المبالغة القول بأن تأسيس بنك الاتحاد الأوروبي (هكذا اختار اصحابه الاسم) جاء استجابة أولى لأكبر تحد يواجه منظمات الجريمة حول العالم, والمتمثل في كيفية التصرف في المكاسب الضخمة التي تجنيها (من أنشطتها القذرة) دون ان تترك أثرا تستدل منه جهات التحقيق على مصدر هذه الأموال, والجواب (السهل الممتنع) جاء في فكرة غسل الأموال, وهو التعبير الشائع في الغرب لتلخيص عمليات استثمار الأموال التي جاءت من مصدر غير مشروع (كتهريب المخدرات أو أي جرائم أخرى) في قنوات تجارية مشروعة (نظريا) . عملية فصل يقول خبير الاقتصاد الايطالي البروفيسور دوناتو ماسيندارو (الذي أجرى دراسة خاصة عن ظاهرة غسيل الأموال): لا يستطيع المجرم ان يستخدم رأسماله إذا كان مرتبطا بالجريمة التي ارتكبها دون ان يفصل بين الأموال التي يستثمرها ومصدر الكسب غير المشروع, ومن ثم فإن غسيل الأموال (القذرة) يعد نشاطا اقتصاديا فرديا في جوهره, لأنه يعني ببساطة تحويل قوة شرائية محتملة إلى قوة شرائية فعلية. ويرى خبراء علم الجريمة ان ازدهار عمليات غسيل الأموال القذرة بالتوازي مع الاطراد في معدل الجرائم التي يرتكبها كبار الموظفين خلال التسعينات ـ يمثل حلقة في سلسلة التحول من النشاط الاجرامي التقليدي باتجاه الجريمة الاقتصادية, يقول البروفيسور انيستو سافونا الذي يرأس وحدة خاصة لدراسة الجريمة الدولية بجامعة ترينتو في شمال ايطاليا ان اتجاه المنظمات الاجرامية نحو تطوير انشطتها واعادة استثمار مكاسبها غير المشروعة في مشروعات اقتصادية مشروعة يترسخ يوما بعد آخر. لكن هذا لا يمنع ان العصابات التقليدية أيضا تحرص على غسل أموالها والتمويه عن مصادرها. ومع التطور التكنولوجي السريع الذي بات سمة من سمات الحياة العصرية اتجهت المنظمات الاجرامية في انحاء العالم إلى استخدام أحدث ما توصلت إليه تقنيات العصر في نقل أموالها وممتلكاتها عبر الحدود, وهي تعتمد في ذلك على أفضل الخبراء الماليين لاخفاء مصادر ارباحها, وعلى أحدث أنظمة الاتصالات عن بعد للتهرب من ملاحقات الأجهزة الأمنية. يقول الجنرال رونالدو موسكا موستيشيني القائد العام للشرطة المالية في ايطاليا: لقد شهدت الآونة الأخيرة تضخما غير مسبوق في المكاسب المالية الناجمة عن أنشطة متنوعة غير مشروعة مثل تهريب المخدرات, والبغاء والابتزاز, وتهريب السجائر, وابتلاع القروض البنكية, وتجارة الأسلحة, وأخيرا قضايا الفساد في الاتحاد الأوروبي وتهريب اللاجئين, وفي المقابل استجابت المنظمات الاجرامية بأسلوب شديد الحرفية, إذ عدلت استراتيجياتها ولجأت إلى تحديث معرفتها بتقنيات ووسائل الاستثمار المالي. وتدعيما لكلام قائد الشرطة المالية الايطالية, يتردد مؤخرا ان العديد من زعماء العصابات الكبيرة يشجعون أبناءهم على دراسة التجارة والاقتصاد والحصول على مؤهلات جامعية فيهما قبل الالتحاق بالشبكات العائلية (الاجرامية), وأغلب المنظمات الاجرامية لديها جيش جرار من الاستشاريين المالييين الموثوق فيهم لاخفاء ممتلكاتهم الحقيقية, علاوة بالطبع على موظفي الشؤون القانونية الذين يتولون اخراجها من أي مأزق أو عثرة بطريقة شرعية. عولمة الاقتصاد ولا شك ان (عولمة) الاقتصاد قد فتحت طاقة القدر أمام المنظمات الاجرامية التي لا تعترف أصلا بالحدود بين الدول, وعن ذلك يقول بروفيسور سافونا: كلما ازداد عدد الأسواق الموحدة كلما زاد اقبال المجرمين على استثمار أموالهم القذرة في مشروعات اقتصادية عالمية, فالاقتصاد الاجرامي ـ مثل الاقتصاد المشروع ــ قد بلغ حاليا مستوى مرتفع على مقياس العولمة. ولأسباب غير خافية, لا يستطيع أحد ان يقدر رقما محددا (أو تقريبيا) لحجم الاموال التي تعيد العصابات العالمية استثمارها (في أعمال مشروعة) وان كانت التقديرات تدور في أغلبها حول مئات عدة من مليارات الدولارات في العام الواحد, وهو ما يتجاوز ـ في حده الأدنى ــ اجمالي الناتج القومي لأغلب دول العالم. والمشكلة الأكثر خطورة ان هذه المليارات القذرة قادرة على هز الأسواق المالية بعنف وتعريض الاستقرار الاقتصادي والسياسي في العديد من دول العالم للخطر. وتقف الدول النامية ـ في هذا الصدد ـ عند حافة الهاوية بسبب هشاشة اقتصادياتها وعدم قدرتها على تحمل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تمارسها الجماعات الاجرامية ذات الاستثمارات الضخمة. يقول الجنرال موستشيني الكم الهائل من الأموال غير المشروعة المستثمرة في مشروعات اقتصادية وطنية واقليمية تؤثر سلبيا على نظام المنافسة الحرة, وتقوض ـ من ثم ـ الأسس التي تقوم عليها التجارة الحرة أو ما يسمى بالسوق الحرة, ومن شأن تلك الاستثمارات المشبوهة ان تهدد أمن الدول, بل وان تهدد مستقبل المجتمع الدولي برمته. لكن رغم كل هذا وذاك تبقى التقنيات التي تستخدمها المنظمات الاجرامية الكبرى في غسل أموالها غامضة. فما نعرفه هو ان المجرمين يستعملون عددا كبيرا من الآليات والوسائل للتمويه تتنوع بين طرق بدائية مثل تهريب أتعاب الجريمة في حقيبة خارج الدولة التي ارتكبت بها الجريمة, وأساليب أشد تعقيدا وتطورا تعتمد على استغلال جميع الحيل والألاعيب القانونية في استثمار الأموال القذرة في مشروعات مالية ضخمة. قنوات بديلة لكن مع تشديد القيود في العديد من الدول على سرية الحسابات المصرفية, يزداد الميل إلى تجنب البنوك والاتجاه إلى المؤسسات المالية البديلة ذات اللوائح الأقل تشددا, وتشير التقارير إلى ان أسواق الذهب والأسهم والسندات المالية وكذلك المشروعات العقارية والفنية تمثل أبرز تلك القنوات البديلة التي تلجأ إليها المنظمات الاجرامية في غسيل أموالها. والمؤكد ان التكنولوجيا الحديثة ساعدت المجرمين كثيرا في مهمة اخفاء مصادر أرباحهم, إذ يسر نظام التسديد الالكتروني عمليات التمويه, كما أصبح من السهل على أي شخص فتح حساب (وهمي) عبر شبكة الانترنت دون الحاجة إلى تعاقد مكتوم بينه وبين البنك, وتمثل عمليات التحويل النقدي عبر الخدمات العديدة المعلنة على شبكة الانترنت وفتح حسابات سرية تهديدا حقيقيا لأي نظام مراقبة قانونية وفقا لما يؤكده خبير القانون الجنائي في جامعة ايراسموس الهولندية البروفيسور هانز دي دويلدر الذي يقول ان السرعة الهائلة التي تتم بها هذه العمليات البنكية (عبر الانترنت) تصعب مهمة التحقق من مصادر الأموال إلى أبعد الحدود. قائمة الأساليب وتشمل قائمة الأساليب المستخدمة في أنشطة غسيل الأموال القذرة ما يلي: * تقنية (سمير فينج) التي تعتمد على تحويل النقود إلى شيكات تصرف لحاملها أو إلى اعتمادات ائتمانية تودع في مرحلة لاحقة حساب المهرب (صاحب الصفقة الاجرامية) عبر وسيط من المنظمة نفسها, وكلمة (سميرف) تطلق على الشخص الذي يقوم بعملية التحويل والذي ـ في أغلب الأحيان ــ لا يعرف أكثر من حجم المبلغ النقدي المطلوب تحويله ومقدار عمولته. * أساليب المحاسبات التي تقوم على ايداع الفروق بين الأسعار الوهمية المرتفعة والأسعار الحقيقية للبضائع والخدمات في مراكز مالية لا تخضع لأنظمة الضرائب العالمية (تسمى ملاذات مالية كما في جيرسي البريطانية). * وسائل الاستثمار الخاص المعتمدة على الحصول على قروض, حيث يقوم المهرب بغسل أمواله في استثمار محصن بقرض بنكي بضمان ممتلكاته. * شراء الشركات التي توشك على اعلان إفلاسها.. وهو الأسلوب المفضل لدى عصابات ابتلاع القروض الايطالية, حيث يقوم المجرمون بالاستيلاء على متجر أو مشروع مقابل تسديد القرض المستحق على صاحب المشروع, والهدف من هذا النشاط بالطبع ليس سوى الحصول على واجهة مشروعة تتستر خلفها عمليات غسيل الأموال القذرة. ويتفق أغلب خبراء مكافحة الجريمة المنظمة على ان استهداف الحلقة الأخيرة (موقع الايداع) في سلسلة خطوات غسيل الأموال القذرة هو الخيط الرئيسي لضرب الشبكات الاجرامية, فأفضل السبل لمحاربة العصابات الدولية ــ حسبما يرى هؤلاء الخبراء ــ توجيه الضربة إلى مركز الألم في جسم الشبكة ممثلا في الأرصدة والممتلكات, لكبح قدرات هذه العصابات على اعادة استغلال ثرواتها في عمليات تهريب جديدة وتجارة في السلاح والمخدرات وغيرها من أنشطة اجرامية. وقد تكون هذه أيضا وسيلة مثلى لقطع الطريق على العقول المدبرة للأنشطة الاجرامية, خاصة وانه من شبه المستحيل غالبا كشف العلاقة المباشرة بين شحنات المخدرات (أو الأسلحة) المهربة مثلا والأشخاص الحقيقيين الذين مولوا هذه العمليات, ومن ثم يكون تتبع سكة الأرباح الناجمة عن هذه العمليات بمثابة ذيل الأمل الموصل إلى رأس الأفعى. معركة حتمية يقول خبير الاقتصاد الايطالي البروفيسور دوناتو ماسياندارو ان المعركة ضد عمليات غسيل الأموال القذرة حتمية, ليس فقط لمنع تفشي الفساد في أجزاء النظام المالي, وإنما بالأساس لمحاربة المنظمات الاجرامية نفسها, وإذا ما تحرينا مكافحة هذا النشاط (غسيل الأموال) بكل الوسائل الممكنة, فستبدو هذه العمليات كثيرة المخاطر وبالغة التكلفة بالنسبة إلى مدبريها, ومن ثم تقل فعاليتها ويتقلص انتشارها على المدى البعيد. وعلى الرغم من ان هذا الاجماع في الآراء بشأن أهمية محاربة وتطويق أنشطة غسيل الأموال القذرة, توضح تقارير وحدة مكافحة المخدرات التابعة للشرطة الأوروبية (يوروبول) ان عدد الحالات التي تم التحقيق فيها خلال العام الحالي لا يتجاوز 227 حالة وهو رقم ضئيل لا يمثل سوى القمة الظاهرة من جبل الفساد المختفي تحت سطح المياه الجليدية. أما العقبة الأخرى أمام أجهزة مكافحة الجريمة فتتمثل في قصور العلاقة الرسمية بين القواعد والقوانين المطبقة في أغلب الدول, فعلى سبيل المثال لا الحصر, يؤكد بعض الخبراء ان عمليات غسيل الأموال ستتواصل وتزدهر ما لم تدخل الدول تعديلات على التشريعات التي تبيح سرية الحسابات المصرفية. ولعل قضية بنك الاتحاد الأوروبي تسلط ما يكفي من الضوء على صعوبة تقفي مسار الأرصدة المشبوهة والتحويلات المالية, خاصة حين يلجأ اللاعبون إلى ميدان الانترنت الملغم بالتعقيدات والثغرات. وقد لا أجد أفضل من شهادة أحد المحققين أمام الكونجرس الأمريكي للتدليل على صعوبة المهمة في عصر الانترنت, حيث قال: جهاز الكمبيوتر الذي بدأت منه العملية كان في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي, والرجل الذي أدار الجهاز وتولى الاتصال بالبنك كان موجودا في كندا.. ووفقا لقوانين انتيجوا فإن سرقة أرصدة البنك لا تدخل تحت فئة الجرائم المحظورة, ومن ثم فإن المشكلة الآن تتوزع بين عدة تساؤلات: أين ارتكبت الجريمة؟ ومن الذي ارتكبها؟ ومن الذي سيتولى التحقيق فيها؟.. وأخيرا: هل سيعاقب أي شخص ويدخل السجن؟ خدمة و ن ل خاص بـ (البيان)