اصبحت الحكومة الروسية برئاسة (يفجيني بريماكوف) هي التي تدير زمام الامور في روسيا خاصة بعد ان تنازل الرئيس يلتسين عن الكثير من سلطاته ومهامه لبريماكوف, وهو الامر الذي اصبح يثير القلق والتوتر والازعاج ليس فقط داخل روسيا ولكن ايضا على الساحة الدولية خاصة في الاوساط الاقتصادية التي باتت تشعر بقلق شديد من الردة الاقتصادية في روسيا , ومن تهديدات الحكومة الروسية بالعودة لفرض هيمنة الدولة على المشاريع الاقتصادية الحيوية وشن حملات واسعة لجمع الضرائب من الشركات والمؤسسات الصناعية الكبرى ومصادرة اية مؤسسة تجارية او صناعية تمتنع عن دفع الضرائب ايا كان حجمها وأيا كانت نوعية الاستثمارات المودعة فيها سواء محلية أو أجنبية, وتعطي حكومة بريماكوف اهمية كبرى لجمع الضرائب التي تتوقع من ورائها جمع أموال كبيرة تستطيع ان تفي عن طريقها بوعودها بسداد الاجور والرواتب المتأخرة لملايين العاملين في الدولة في مطلع العام المقبل. وعلى مايبدو ان الحكومة الروسية لم توفق حتى الآن في اتخاذ اية خطوات ايجابية في طريقها لمواجهة الازمة, وقد بات واضحا للجميع تعثر خطوات الحكومة في الوصول الى اتفاق او تفاهم مع المؤسسات المالية الدولية امثال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها على منح روسيا قروض او مساعدات لمواجهة الازمة, وفي الوقت الذي مازالت فيه هذه المؤسسات الدولية الخاضعة لتوجيهات الغرب وواشنطن تلعب مع الحكومة الروسية لعبة (العض على الاصابع) محاولة اجبارها على قبول شروطها بتنفيذ البرامج الاقتصادية التي سبق وان وضعها لها صندوق النقد الدولي في عهد حكومة الديمقراطيين السابقة, في الوقت نفسه تأبى الحكومة الروسية تنفيذ هذه الشروط التي ترى فيها اضعافاً لقوة الاقتصاد الروسي ووضعه في يد القطاع الخاص المتهم في روسيا بعدم الانتماء القومي وبأنه يعمل وفق توجيهات وتعليمات جهات اجنبية تعمل ضد مصالح روسيا, ومازالت الحكومة الروسية على موقفها رغم التفاقم المستمر للأزمة الاقتصادية وزيادة تأثيرها على المجتمع الروسي الذي بات يعاني اشد المعاناة من تأثيرات الازمة الاقتصادية التي بدأت تحتدم وتزداد تفاقما مع انفجار الازمة المالية في اغسطس الماضي. البطالة ومن الاثار الاجتماعية السيئة التي ظهرت في المجتمع الروسي في الشهور الاربعة الماضية في اعقاب تفاقم الازمة زيادة نسبة البطالة بشكل ملحوظ خاصة وسط الشباب بعد ان اغلقت العديد من المؤسسات والبنوك والمصانع ابوابها واعلن اكثر من ثلاثمائة بنك في روسيا افلاسها وباتت الازمة تهدد اكثر من ثمانمائة بنك أخرى على وشك الافلاس. وقد اعلن البنك المركزي الروسي انه غير مسؤول عن ضمان وحماية البنوك والودائع فيها الا في اربعة بنوك تملك الحكومة فيها الحصة الاساسية من الاسهم. من ناحية أخرى انعكست اثار الازمة الاقتصادية بشكل واضح على اسواق الاسهم والسندات الروسية والتي اصبحت على حد وصف المراقبين لها اشبه بالبيوت الخراب بعد ان كانت في الشتاء الماضي تضج بالحيوية والنشاط وبعد ان حققت اسعار بعض السندات والاسهم الروسية نتائج جيدة في الاسواق المحلية والعالمية هبطت اسعارها بشكل حاد, وذهب المستثمرون يتخلصون منها بأسرع ما يمكن وبأرخص الاسعار بعد ان بات واضحا ان الحكومة الروسية على وشك الافلاس وان غالبية المصانع والشركات الروسية الكبرى على وشك ان تغلق ابوابها وتعلن افلاسها وحتى شركة الغاز الروسية العملاقة (غاز بروم) التي تتحكم في تسويق ما يقرب من ربع الغاز الطبيعي في اوروبا اصبحت تعاني من مشكلات مالية واصبحت اسهمها معرضة للهبوط ويفسر البعض هذا الوضع الغريب لهذه الشركة العملاقة بأنها تتعرض لضغوط اجنبية كثيرة تحاول محاصرة مشاريعها العملاقة في شرق اوروبا وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق, خاصة وان (غاز بروم) مازالت تخضع لاشراف ورقابة الحكومة الروسية التي تملك الحصة الاساسية من اسهمها, ونظرا لزيادة الضغوط وخشية من وصول الازمة الى هذه الشركة العالمية العملاقة فقد اضطرت الحكومة الروسية مؤخرا الى بيع 5% من حصتها الاساسية من اسهم (غاز بروم) وهو الاجراء الذي يعكس مدى حدة الازمة ومدى ضعف الحكومة الروسية في مواجهتها. 79 مليون فقير وفي احصاء اجراه مركز عموم روسيا لقياس مستوى المعيشة في مختلف اقاليم روسيا ونشرته الصحف الروسية في منتصف نوفمبر اسفرت نتائج الاحصاء عن ادخال 79 مليون مواطن روسي في شريحة الفقراء الذين يحتاجون لمساعدات انسانية, وهو ما يعني ان مايقرب من نصف الشعب الروسي يعيش الآن تحت خط الفقر. وتفيد الاحصاءات ان احوال الشعب الروسي الآن اسوأ بكثير مما كانت عليه في ظل الازمة الاقتصادية عام 1993 حيث كانت الكثير من العائلات الروسية مازال لديها بعض خيرات العهد الماضي, كانت لديها الملابس الشتوية الدافئة والاحذية والاجهزة المنزلية التي كانوا يشترونها بأسعار رخيصة في العهد السوفييتي, اما الآن فقد استهلكت هذه الاسر مالديها من السلع السوفييتية التي أصبحت قديمة ولم يعد في مقدورها شراء اشياء جديدة, ويقول البروفيسور فيتشلاف بوبكوف رئيس مركز عموم روسيا للدراسات الاحصائية ان احصاءات الجهات والوزارات الحكومية تفيد ان 44 مليون مواطن روسي يعيشون تحت خط الفقر ولكن هذه احصاءات شهر سبتمبر الماضي والاحوال تزداد سوءا وبسرعة والاعداد تتضاعف بمرور الايام, ونسبة الفقراء في روسيا زادت عن عام 1993 بنسبة 300% واستمرار الازمة يهدد بشكل واضح باقتراب الانفجار الاجتماعي. الحكومة تعترف كل هذه الارقام والاحصاءات المخيفة والمثيرة للرعب في روسيا كانت الحكومة الروسية من قبل تنكرها وتتهم مصادرها بالمبالغة, وكان الكثيرون يتهمون اليهود بالتحديد بأنهم وراء التهويل واثارة الشائعات حول تدهور الاوضاع في روسيا بهدف زيادة الهجرة لاسرائيل, اما الان فإن الحكومة الروسية بنفسها اصبحت تصرح بمثل هذه الاحصاءات المرعبة واصبحت لا تخفي مدى ما وصلت اليه الازمة في روسيا, وتأتي التصريحات على السنة وزراء حكومة بريماكوف لتعكس مدى حدة الازمة ومدى خطورة التهديدات التي تنبىء بها في المستقبل القريب, ويفسر بعض المراقبين والمحللين موقف الحكومة الروسية وسعيها الى ابراز الابعاد الخطيرة للأزمة وزرع الرعب والخوف لدى المواطنين بأنها وسيلة وخطة من الحكومة التي يسيطر عليها الغالبية من اصحاب التوجهات الشيوعية حتى يهب الشعب ويطالب بالتغيير الجذري في النظام ويطالب بالعودة للماضي, وقد انعكس هذا بشكل واضح في المظاهرات الشعبية التي شارك فيها الملايين من الروس في سبتمبر الماضي والتي كانت ترفع شعارات يغلب عليها (اللون الاحمر) وكان المطلب الرئىسي فيها عزل الرئيس يلتسين, ولم يطالب احد بعزل حكومة بريماكوف, وهو الامر الذي يفسره البعض بأن الشيوعيين في روسيا يحاولون استغلال الازمة لصالحهم حتى يقفزون الى السلطة, وربما هذا ايضا مايفسره تصميم حكومة بريماكوف على عدم الخضوع لطلبات الغرب من اجل الحصول على المساعدات. اليهود يتراجعون والغريب في الامر ان اليهود الذين كانوا دائما يروجون الشائعات حول تدهور الازمة في روسيا وعدم وجود اي امل في حلها, اصبحوا الآن ينتهجون سياسة اخرى, حيث خرجت تصريحات بعض رجال السياسة اليهود الذين كانوا في السلطة منذ شهور قليلة مضت واستبعدتهم حكومة بريماكوف تقول بأن الازمة يمكن مواجهتها ووضع حد لها ويمكن رفع المعاناة عن الشعب الروسي وتحقيق الرخاء وذلك عن طريق اتخاذ خطوة اساسية وحاسمة وهي اخراج الشيوعيين من البرلمان وابعاد سيطرتهم عن الحكومة, وقد صرح الملياردير اليهودي الروسي رجل الاعمال بوريس بيرزفسكي بأن الشيوعيين في البرلمان والحكومة يسعون الى زيادة حدة الازمة وتفجيرها حتى يضعوا ايديهم على مقاليد الامور والحكم في روسيا مستغلين في ذلك تعاطف الشعب الروسي مع العهد البائد وزيادة اعباء المعيشة عليه. بريماكوف رئيساً وعلى الرغم من ان رئيس الحكومة الروسية بريماكوف لم يصرح من بعيد أو قريب بأن لديه اية طموحات لخلافة الرئيس يلتسين في حكم روسيا, الا ان العديد من المراقبين يؤكدون على ان الشيوعيين يسعون الى ذلك ولا يصرحون به من الآن حتى لا يستنهضون القوى السياسية الاخرى ضدهم, ويؤكد المراقبون على ان بريماكوف اصبح هو (الحصان الاسود) في الصراع على مقعد الرئاسة في روسيا وتدور حوله كافة التحالفات والحوارات رغم انه لم يعلن عن نيته في خوض انتخابات الرئاسة. من ناحية اخرى تعكس الازمة الاقتصادية في روسيا تأثيراتها الواضحة على السياسة الخارجية للحكومة الروسية التي مازالت مصممة على خوض المعركة مع الغرب وتسعى في سبيل ذلك لعقد التحالفات مع الانظمة السياسية والاقتصادية الاخرى التي تقف في مواجهة مع الغرب وواشنطن خاصة الدول التي تعاني من ازمات اقتصادية, وقد انعكس هذا بوضوح في اجتماع المنتدى الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) في العاصمة الماليزية كوالالمبور في السابع عشر والثامن عشر من نوفمبر والاجتماع الذي يضم 21 دولة منها اندونيسيا وماليزيا واليابان وبروناي وتايلاند وغيرها من الدول الآسيوية بالاضافة الى الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا وتشيلي, وقد امتنع الرئيس الامريكي عن حضور هذا الاجتماع في الوقت الذي حضره رئيس الحكومة الروسية يفجيني بريماكوف بدعوة من رئيس الوزراء الماليزي (مهاتير محمد) ويقول المراقبون ان وجود (بريماكوف) في الاجتماع اثار حفيظة وقلق بعض الدوائر الغربية خاصة في واشنطن التي ترى في تحالف روسيا مع دول شرق اسيا في ازماتها تهديدا لمصالح الغرب, ويرى البعض ان روسيا تحاول ان تجد لنفسها مكانا جديدا في قيادة الازمة الاقتصادية في آسيا في مواجهة الغرب وواشنطن وتحاول ان تستغل تعارض مصالح دول آسيا وخاصة اليابان مع المصالح الاقتصادية للغرب وواشنطن. ولكن هل تنجح روسيا في استغلال الازمات الاقتصادية لصالحها كوسيلة للضغط على الغرب؟ والي اي مدى يمكن للازمة الاقتصادية داخل روسيا ان تمهل الحكومة الروسية الفرصة لتنفيذ مخططاتها على الساحة الدولية؟ وهل تتحمل حكومة بريماكوف الضغط الشعبي الداخلي في روسيا الذي يتوقع له الكثيرون الانفجار قريبا؟ كل هذه اسئلة من المتوقع ان نجد الاجابة عنها في الشهور القليلة القادمة مع نمو وتزايد تداعيات الازمة الروسية محليا وعالميا وتلاحمها مع نمو الازمات الاقتصادية في باقي انحاء العالم خاصة في شرق آسيا واليابان. كتب مغازي البدراوي