شهدت صناعة النفط, منذ قيامها, تغيرات هيكلية كبيرة وعديدة, وذلك وفقا للظروف الاقتصادية والسياسية والفنية المحيطة بهذه الصناعة وما يرتبط بها من صناعات. فمن عصر الشركات الأجنبية واحتكارها الكامل للصناعة النفطية الى عصر التأميم والتوطين. وفي الحقيقة فان الظروف الاقتصادية التي يشهدها العالم اليوم والمتمثلة في تردي الطلب العالمي على النفط الخام, وما نجم عنه من أزمة حادة في الاسعار, جعلت معظم المحللين والاقتصاديين يتوقعون استمرار تلك الأوضاع السيئة لفترة طويلة من الزمن واستمرار تدني الاسعار لفترة قد تصل الى سنوات, وذلك لأن المسببات التي أدت الى تلك الازمة الحادة يصعب ازالتها على المدى القريب, حيث ان الطلب العالمي على النفط سيظل منخفضا لفترة طويلة. وان التحسن في بدائل الطاقة آخذ في النمو السريع. وان تطوير الآلة بحيث تصبح اقتصادية اكثر في استهلاك الطاقة لايزال مستمرا, وينمو بشكل مضطرد, وان الاكتشافات النفطية الجديدة قيد النمو والتطوير, وان تطوير عمليات تخفيض تكاليف الاستكشاف والتنقيب والانتاج والنقل والتخزين مازالت هي الاخرى مستمرة وتنمو بشكل مضطرد. ان كافة تلك العوامل مجتمعة تساعد على بقاء أسعار النفط الخام عند حدودها الدنيا, التي تراوح حولها منذ فترة ليست بالقصيرة. والحقيقة ان كافة الدول المنتجة للنفط والمصدرة له قد تأثرت كثيرا, وبشكل سيئ. ولم تقتصر الاثار السيئة على تلك الدول, بل شملت صناعة النفط بأكملها, فهاهي شركات النفط الاجنبية تتأثر بشكل كبير, فتلجأ الى البحث عن حلول ممكنة للتقليل من تلك الاثار السيئة التي تكاد تعصف بمستقبل الصناعات النفطية بأكملها, وتقلل من أهميتها, وتحد من مكانتها الاستراتيجية ومن دورها الكبير في السياسات الخارجية, حيث نرى ان شركات النفط الاجنبية العملاقة تلجأ الى الاندماج فيما بينها والى تسريح بعض العاملين فيها والاستغناء عنهم, كما تلجأ الى تأجيل بعض البرامج التنموية الاستكشافية الجديدة وايقاف الانتاج في بعض الحقول التي لا تغطي تكاليفها الجارية. ولقد أثبتت التجارب الماضية ان دول الخليج العربية تتأثر كثيرا بالأزمات النفطية, على الرغم من قصر مدتها. فكيف بنا والحال تبدو أسوأ بكثير من ذي قبل حيث ان الازمة لا تزال مستمرة, ويتوقع الخبراء استمرارها لفترة أطول, وربما لسنوات مقبلة. فهل تلجأ دول الخليج العربية الى تحويل الصناعات النفطية الى القطاع الخاص (أي خصخصتها). في الحقيقة انه ليس من صالح الدول اطلاقا خصخصة قطاع النفط, وذلك لعدة أسباب أهمها: 1 ـ مهما تطورت الصناعات التحويلية ومهما نما الناتج المحلي, فانها تظل في بدايتها, ولا يمكن الاعتماد عليها كمصدر رئيسي لتمويل الميزانية العامة للدولة في كافة دول الخليج العربية. 2 ـ النفط هو المصدر الاقتصادي الوحيد المحرك للقطاعات الاقتصادية الاخرى. ومن هذا المنطلق لا يمكن التفريط به اطلاقا واسناده الى القطاع الخاص. 3 ـ البعد الاستراتيجي للنفط في التجارة الخارجية ومن ثم في السياسة الخارجية لايزال, وسيظل الى فترة طويلة من الزمن يتمتع بأهمية كبيرة لدول المنطقة. 4 ـ اسعار النفط غير مستقرة, ولا أحد يستطيع التنبؤ بها بدقة, فقد تتغير بعد فترة قصيرة. 5 ــ شركات النفط أثبتت كفاءة عالية في الاداء الاداري والتنظيمي والفني والاقتصادي, وهي على الرغم من كونها قطاعا حكوميا الا انها تخضع لنظام القطاع الخاص من حيث الاداء, وبالتالي فتحويلها للقطاع الخاص لن يضيف اليها مزايا في هذا الجانب. من هذا المنطلق نرى ان المخرج الصحيح من أزمة النفط الحالية هو الاهتمام والتركيز على القطاعات الاقتصادية الاخرى, مثل قطاع الصناعات التحويلية وقطاع التجارة واعادة التصدير وقطاع السياحة والفندقة وقطاع خدمات الاعمال, وذلك من اجل التقليل من الاعتماد على النفط الخام, وبالمقابل لابد من اللجوء الى ترشيد الانفاق العام فيما يجب ترشيده, اما خصخصة قطاع النفط فهي غير واردة في الوقت الراهن.