لقد شهدت سنوات ما بعد الحربين العالميتين انفاقا ضخما على المنتجات الحربية والعسكرية بشكل عام وكذلك البرامج والمشاريع المرتبطة بتلك المنتجات مما أدى بدوره إلى تفاقم العجز في ميزانيات الدول على مستوى العالم حيث كان ذلك الانفاق يدخل بشكل مباشر في الميزانيات العامة للدول. ومن هذا المنطلق بدأ العلماء والمسؤولون يفكرون في ايجاد مخرج لتقليل العجز في ميزانيات الدول, وتوجيه الانفاق العام لخدمة برامج التنمية الاقتصادية الأخرى المدنية (غير العسكرية). وفي العصر الحديث ظهرت فكرة الخصخصة وانتشرت على مستوى العالم وهي عبارة عن امتداد طبيعي لهذه الظاهرة حيث تهدف إلى ضغط النفقات العامة وتقليلها إلى أدنى قدر ممكن. وتحميل القطاع الخاص بعض المسؤوليات بدلا من تحمل الحكومة لها. ولقد بدأت حكومة أبوظبي ببرامج خصخصة واسعة النطاق. من ذلك برنامج خصخصة هيئة الكهرباء والمياه, حيث قامت شركات من القطاع الخاص بإدارة عدد من المحطات وحققت نتائج ايجابية للغاية كان أهمها انخفاض التكاليف التي كانت تتكبدها حكومة أبوظبي بنسبة تتراوح ما بين 35 إلى 40%. وتعتبر هذه النسبة نسبة عالية جدا. وهي تعني للاقتصاديين ان الحكومة كانت تخسر سنويا ما بين 35 إلى 40% من تكاليف الكهرباء والماء دونما انتاج حقيقي. أي بمعنى آخر ان نسبة 60 إلى 65% من الانفاق تكفي لان تعطي نفس النتائج. وفي الحقيقة ان هذا الوضع يدعو كل إنسان لأن يتوقف ويفكر جيدا أين كانت تذهب تلك النسب الضائعة من الانفاق, وما هو مصيرها. حيث ان ذلك المال هو مال عام فلا بد من المحافظة عليه. وهل ان مستوى الخصخصة الحالي هو مستوى نموذجي يحول دون ضياع نسبة من الانفاق أم أننا نستطيع تطوير ذلك المستوى إلى مستوى أفضل منه بحيث نستطيع توفير نسبة أكبر من النفقات الضائعة. إن كافة تلك التساؤلات تحتاج من المسؤولين والقائمين على الأمر دراسة الموضوع بجدية وبدقة. والوقوف على الأقسام والجزئيات التي حدث فيها التوفير في النفقات. أي بمعنى آخر هل أتى التوفير في النفقات من جانب تميز إدارة القطاع الخاص لتلك المشاريع عن الادارة الحكومية وهنا يلزم دراسة جوانب الضعف في الادارة الحكومية والعمل على تطويرها. أم ان جانب التوفير أتى من الاقتصاد بحجم اليد العاملة في هذه المشروعات وهنا يجب اعادة النظر في حجم القوة العاملة بالقطاع الحكومي برمته. أم ان التوفير قد أتى من جانب التكنولوجيا المستخدمة في الانتاج. وهنا يلزمنا اعادة دراسة المستوى التكنولوجي المستخدم في القطاع الحكومي اجمالا. أم ان التوفير قد أتى من جانب سياسة الشراء والتخزين. وهنا يلزم دراسة سياسة الشراء والتخزين في القطاع الحكومي قاطبة. أم ان التوفير قد أتى من السياسة الاقتصادية العامة للحكومة. وهنا قد يلزم كذلك اعادة النظر في جانب السياسة الاقتصادية العامة للحكومة. أم غير ذلك من الجوانب التي لا مجال لحصرها هنا. ما أريدأن أقوله باختصار ان حكومة أبوظبي تستطيع أن تستفيد من تجربة خصخصة قطاع الكهرباء والمياه بدراسة الجزئيات والأقسام التي أدت إلى التوفير في النفقات. وهذا في الحقيقة هو الأسلوب والطريقة الحديثة في الدراسات الاقتصادية. والا فإن الاستفادة سوف تكون محدودة للغاية. وإذا استطاعت الحكومة دراسة هذه الجزئيات والوقوف على الأسباب التي أدت إلى حدوث الوفر في النفقات من جراء الخصخصة تستطيع بالتالي معالجة جوانب الضعف الموجودة في القطاع الحكومي. وقد لا تحتاج إلى خصخصة الكثير من القطاعات إذا تمكنت من معالجة جوانب الضعف والوقوف عليها. حيث ان المبالغة في خصخصة القطاعات قد لا تكون في صالح الحكومة على المدى البعيد. حيث ان القطاع الخاص قد يتوجه إلى المبالغة في الأسعار في حالة ما إذا رفعت الحكومة يدها عن الدعم المقدم للقطاع الخاص الذي تولى تلك المسؤوليات ومن ثم ترتفع الأسعار وتزداد حدة التضخم النقدي الذي يصعب معالجته فيما بعد.