يتفق الكثير من الاقتصاديين العرب أن العولمة تولد عددا من المخاطر للبلدان النامية الى جانب ما تعد به أو تولده من مكاسب. فبحجة المنزلة العالية في سلم الاعتبار للتدفقات المالية والتقنية مثلا , وتشابك المصالح فيها بين الدول الوطنية عبر حركة التدفقات التقنية والمالية المصرفية, والمكاسب التي يحصل عليها الفرقاء بفضل هذه التدفقات, يتم التغطية على بعض الحقائق الجوهرية أو في أحسن حال التقليل من شأنها. أولى هذه الحقائق التي يناقشها المفكر الاقتصادي الدكتور يوسف صايغ هي ان كل دولة وطنية, بما في ذلك بل وبخاصة الدول الصناعية المتقدمة التي تبشر بالعولمة, تتمسك بترابها الوطني وببنيتها الاقتصادية وبنمط انتاجها وبتنميتها, وبحقها في اعطاء كل هذا أولوية مقابل الدول الأخرى ــ وبشكل أكثر خصوصية الدول النامية... وإذا كنا لا نتوقع من أي دولة أن تفرط بما تمتلكه من أرض ومصالح وقدرات, فاننا مع ذلك لا نرى حرص الدول القوية والغنية على أراضي ومصالح وقدرات الدول النامية الضعيفة. ثمة جانب آخر من العولمة يثير قلقا لدى البلدان النامية, وينبغي التفات العرب اليه بتركيز ومسؤولية. إنه الاحتمال بأن تعمل الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للحدود على تشويه نمط التنمية واولوياتها في الدولة الوطنية ذات الاقتصاد النامي, وذلك لخدمة اغراضها ومصالحها ــ فاذا حققت البلدان النامية مكاسب ما بسبب نشاط هذه الشركات في اطار العولمة فانها تكون ناتجا جانبيا ضئيلا. وينتهي الامر بأن (تقشد) الشركات (فائض القيمة) الناجم عن انشطتها في البلدان النامية, اضافة الى تشويه نمط التنمية ــ أو على الاقل حرفه عن أولويات البلد المستقبل (بكسر الباء) نفسه وصوب أولويات الشركات نفسها. ولابد من أن يظل ماثلا في الاذهان ما يلحقه مثل هذا التشويه من تهميش للثقافة الوطنية للبلد المستقبل وزرع ثم تأصيل توجهات قيمية مغايرة للتراث الشعبي, بسبب قدرة الشركات الفائقة في مجال التسويق والاعلان والنشر. أما الجانب الثالث للعولمة الذي يتناوله الدكتور صايغ هنا هو ان انشطة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات, عدا انها يحتمل ان تنتهك مصالح البلدان النامية أو أن تكون غير ذات صلة أو تماس قوي بها, قد تكون في مصلحة فئات تتمتع بنفوذ وامتياز متفوقين في البلد النامي نفسه بفضل ترتيبات تتم (تحت الطاولة) لا في مصلحة الجماهير العريضة. ولا تكون الازدواجية في الاقتصاد التي تنشأ بسبب ذلك مجرد مسألة بنيوية في المجتمع الذي تقوم الشركات بالاستثمار في اقتصاده تشكل تحيزا واضحا لمصلحة فئة صغيرة فيه, وانما تمتد لتهمش مصلحة الجماهير الواسعة. وينجم هذا التحيز بشكل خاص فيما اذا اتيح. إن التغني بالعولمة لما تأتي به من استثمارات خارجية للبلدان النامية ينبغي أن ينظر اليه بحذر وحرص بسبب الخشية من تعدي حجم هذه الاستثمارات ونفوذها حدود السيطرة وبالتالي تعميقها للتبعية الاقتصادية المذلة. ورابع تلك المخاوف هو ما يميز (العولمة) من فاعلية اقتصادية تقوم بها الشركات والمجموعات المالية والصناعية الحرة بمساعدة دولها عبر شركات ومؤسسات متعددة الجنسيات. والغاية التي تجري اليها هي القفز على حدود (الداخل) و(الخارج) والسيطرة على المجال الاقتصادي والمالي العالمي. وبما ان عملية التنافس والاندماج التي تحكم هذا النوع من النشاط الاقتصادي تعمل على التركيز والتقليص من عدد الفاعلين أو (اللاعبين) فان النتيجة الحتمية هي تركز الثروة العالمية في ايدي اقلية من (المحظوظين) . وفي هذا المجال يقدر الباحثون المختصون ان مالا يزيد عن 15 شبكة عالمية مندمجة هي التي تشكل الفاعل الحقيقي في السيطرة على السوق العالمية وان اصحاب هذه الشبكة هم (السادة الفعليون) للعالم الجديد, عالم (العولمة) . واذن فإن أول مظاهر (العولمة) من هذه الزاوية هو تركيز النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي في يد مجموعات قليلة العدد وبالتالي تهميش الباقي أو اقصاؤه بالمرة. ومن هنا جاءت ظاهرة (التفاوت) الملازمة لظاهرة التركيز التي من هذا النوع أي التفاوت بين الدول والتفاوت داخل الدولة الواحدة. وبالتالي فان احدى النتائج الحتمية للعولمة هو تعميم الفقر الناجم عن تعميق التفاوت, لان القاعدة الاقتصادية التي تحكم اقتصاد (العولمة) هى (انتاج اكثر ما يمكن من السلع بأقل ما يمكن من العمال) . والمشكلة التي تستأثر باهتمام الباحثين والمختصين هنا تكمن في اذا ما كان النمو الاقتصادي في الماضي وفر فرص العمل فان النمو في اطار (العولمة) و(الليبرالية المتوحشة) يؤدي الى خفض عدد فرص العمل وبعض اعمال الالكترونيات والاعلام والاتصال وهي من القطاعات الأكثر رواجا في العالم لا تحتاج إلا الى عدد قليل من العمال. إن التقدم التكنولوجي يؤدي في اطار العولمة والتخصيص الى ارتفاع البطالة مما سيؤدي حتما الى ازمات سياسية.