دعا تقرير حديث لبرنامج تمويل التجارة العربية إلى اتخاذ عدة اجراءات لمواجهة آثار العولمة على الدول العربية مؤكدا ضرورة السعي لقيام التكتل الاقتصادي العربي المرتكز على مبدا تكافؤ الفرص مشيرا الى ان الخطوة الاولى في هذا الاتجاه تتركز في قرار الدول العربية لاقامة المنطقة العربية الحرة الكبرى ودخول الدول العربية في الاتفاقيات الثنائية لانشاء مناطق تجارية حرة فيما بينها. واكد التقرير الذي ورد بالعدد الجديد من نشرة معلومات التجارة العربية التي يصدرها برنامج تمويل التجارة العربية ومقره أبوظبي ضرورة قيام مؤسسات عربية عملاقة للاستثمار في الدول العربية لجذب الاستثمارات العربية بدلا من توجيهها للدول الغربية مع تطوير الانظمة المالية العربية والتي يمكن ان تلعب دورا ايجابيا في تحقيق الاهداف الاقتصادية العربية في ظل النظام الاقتصادي العالمي. وطالب التقرير بالعمل على زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية وتشجيع استخدام العمالة العربية والحد من استخدام العمالة الاجنبية مشيرا الى ان الثقافة والإعلام العالميين بفضل امتلاكهما لتكنولوجيا فائقة التطور باتا من اهم آليات العولمة او تعزيزها الا انه يمكن للدول العربية وضع ترتيبات معينة من شأنها اخذ ما يناسبها من الثقافة العالمية مع الحفاظ على جوهر الثقافة والتراث العربيين والقومية العربية. واشار التقرير الى انه على المدى الطويل يمكن للدول العربية ان تواجه سلبيات العولة من خلال اقامة مؤسسات لتمويل مراكز البحث العلمي. تحولات عالمية وذكر التقرير ان الاقتصاد العالمي شهد في الآونة الاخيرة العديد من التغيرات والتطورات, حيث اخذت الدول التي تبنت النظام الاقتصادي الاشتراكي في التحول الى اقامة نظام اقتصادي عالمي جديد يرتكز على تحرير التجارة والاستثمار وازالة او خفض القيود الجمركية وغير الجمركية بالنسبة للتبادل التجاري والذي من شأنه زيادة التعاون الاقتصادي بين الدول, اذا ما رافق ذلك من تعزيز لآليات السوق بمختلف انواعها وخاصة تطوير السوق المالية والبورصات, الامر الذي حول ذلك الجزء من العالم الى سوق حرة كاسلوب بديل للتبادل الاقتصادي. واضاف انه طبقا للنظام العالمي الجديد, اتجهت كثير من الدول الصناعية والنامية على حد سواء باجراء عمليات الخصخصة بغرض تشجيع القطاع الخاص على المساهمة بدور اكبر في النشاط الاقتصادي بالاضافة الى اتباع الدول النامية لبرامج الاصلاح بهدف تخفيف حدة الاختلالات الاقتصادية التي تعاني منها مثل اختلالات الاسعار وعجز الميزان التجاري وعجز الموازنات العامة وموازين المدفوعات. وبصفة عامة يمكن القول ان سمات النظام العالمي الجديد هي الوصول بالاقتصاد الى مرحلة العمل بآليات السوق في ظل النظام الاقتصادي الحر على مستوى العالم اجمع والذي اطلق عليه العولمة. واشار الى انه منذ انطلاق مفهوم العولمة, هبت اعاصير الحديث وتباينت الآراء حول العولمة بين المؤيد بشدة لهذا المبدأ (والذين بمعظمهم من الدول المتقدمة) وبين المعارض له, حيث ينظر المؤيدون الى ان العولمة سوف تؤدي الى تسهيل حركة انتقال رؤوس الاموال والسلع والمعلومات والتكنولوجيا والافكار والعمالة مما يؤدي الى ايجاد مجالات واسعة للمنفعة المتبادلة على المستوى الدولي, بينما يرى المعارضون ان هذا النظام العالمي الجديد هو نظام الاقوياء فقط وان المستفيد الوحيد من هذا النظام هو الدول الصناعية الكبرى في حين يصبح عبئا واضحا ثقيلا على الدول النامية وخاصة في ظل اوضاعها الاقتصادية الصعبة. وقد نتج هذا الاختلاف في وجهات النظر بعد ان حظيت (العولمة) التي تنطلق بسرعة فلكية بالدعم القوي وخاصة من قبل منظمة التجارة العالمية, الا ان هذا الاتجاه بعث بموجة من القلق العميق من الاخطار الكامنة والواضحة وراء هذا النظام الاقتصادي الجديد وما سيترتب عليه من حرية تدفق السلع ورؤوس الاموال بدون قيود, وتدفق المعلومات بغير سدود وانتقال البشر بغير حدود حتى تفقد الدول النامية منها على الاخص السيطرة على مقدراتها الاقتصادية والثقافية والبشرية. ثلاثة مقومات واوضح التقرير ان العولمة بثت على ثلاثة مقومات اساسية وهي: * انفتاح الاسواق اقتصاديا وماليا وسهولة تحرك رؤوس الاموال وهي ما يطلق عليها بالعولمة الاقتصادية. * تدفق المعلومات بسرعة وعلى نطاق عالمي عبر شبكات نقل البيانات وهو ما يطلق عليه العولمة الثقافية. * حرية وسهولة انتقال الافراد بدون حدود من منطلق ان رأس المال وهو يتحرك بدون قيود يجب ان يكون من حقه استخدام العمال من بلدان مختلفة بتكلفة اقل من تكلفتها من البلد الاصلي. عولمة التجارة وذكر ان عولمة التجارة او ما يعرف بالعولمة الاقتصادية انطلقت بسرعة مذهلة وخاصة بعد تبني منظمة التجارة العالمية هذا المفهوم والتي انطلقت تضع السياسات والشروط على الدول التي تنضم لاتفاقية الجات لقبول هذه السياسات من منطلق انها الاساس لحرية التجارة ووصولا الى توحيد الاقتصاد العالمي مشيرا الى انه منذ انشائها عام 1995 وقوة منظمة التجارة العالمية تتعاظم وتكبر صلاحياتها للاشراف على التجارة الخارجية والتوغل في شؤون تنظيمها, وتفكيك القوانين الاقتصادية الحالية التي تقيد حركة رؤوس الاموال وتضع العراقيل امام تدفق السلع من المنتجات والخدمات عبر العالم. واوضح انه بتوقيع الدول وموافقتها على قوانين منظمة التجارة العالمية, تكون هذه الدول قد وافقت على كسر بعض قوانينها التي تضعها لحماية منتجاتها وبالتالي التنازل عن جزء من سيادتها الوطنية. مشيرا الى انه مع التسارع نحو العولمة الاقتصادية منحت قوة ضخمة للشركات متعددة الجنسيات للهيمنة على الاسواق اكثر فاكثر وخاصة في مجالات البتروكيماويات, صناعة السيارات, الصناعات الالكترونية, الصناعات الكهربائية, الصناعات الغذائية, صناعة الزجاج, صناعة الصلب. حتى ان نحو 30 الف شركة في العالم تحكم قبضتها على معظم اقتصاد العالم وتجارته بالكامل, وان 500 شركة من هذه الشركات يبلغ اجمالي ايراداتها نصف الناتج المحلي الاجمالي في العالم كله. وأضاف ان الامر لم يقتصر على هذا الحد, بل سعت العديد من هذه الشركات الى خلق شبكة عنكبوتية فيما بينها, فعلى سبيل المثال: * اندماج شركة ماكدونال دوجلاس مع شركة بوينج. * تحالف شركة ايه تي اند تي مع العديد من كبرى شركات الاتصالات في اوروبا. * اندماج شركة دايملر- بنز مع شركة كرايسلر. * شراء فولكس فاجن لشركة رولز رويس. * تحالف شركتي آي بي إم وكومباك واشارت الى ان هذه الشركات العملاقة هي الوحيدة القادرة على توفير الاستثمارات الباهظة المطلوبة للقدر الهائل من الانتاج الجديد الذي لا تستوعبه اسواقها التقليدية ويتم توزيعه عالميا. واضاف التقرير انه مع التطوير الاقتصادي ووصولا الى الاقتصاد الحر في ظل آليات السوق وظهور الشركات العالمية العملاقة وسهولة انتقال رؤوس الاموال, اصبح من حق هذه الاموال عند تحركها ان تصاحبها العمالة الرخيصة اينما ذهبت بغض النظر عن البلد الاصلي. فمع الانفتاح الاستثماري وجب معه ايضا الانفتاح البشري وقبول العمالة الاجنبية نظرا لرخص تكاليفها. اثار ايجابية واشار الى ان العولمة ادت الى تسهيل حركة انتقال رؤوس الاموال والسلع والمعلومات والتكنولوجيا والعمال والافكار, مما ادى الى ايجاد مجالات واسعة للمنفعة المتبادلة على المستوى الدولي وارتفاع معدلات الاستثمار الاجنبي المباشر بالاضافة الى الانتشار الواسع لاستخدام تكنولوجيا المعلومات وتزايد مستخدمي شبكة الانترنت وظهور مصطلح جديد للتاجر وهو ما يسمى (بالتاجر الالكتروني) اي التاجر الذي يستخدم التجارة الالكترونية عبر شبكة الانترنت في انجاز معاملاته التجارية. واوضح ان مزايا التجارة الالكترونية تتزايد مع التراجع المستمر في تكلفة تقنية الاتصالات وانتشار البنية الاساسية لها, اذ تتميز بالآتي: * الاتصال المباشر بين البائع والمشتري, وبين المصنع والموزع. * خفض تكلفة البيع بما يعود على المستهلك النهائي باسعار اقل. * تبسيط الاجراءات التجارية, والمعاملات المالية بما يؤدي الى سهولة انسياب البضائع عبر الاقطار. * السرعة في تلقي الطلبات واتمام الصفقات التجارية. سلبيات واضاف انه بالرغم من تفاقم وسرعة تدفق تيارات العولمة عبر الدول وتبني منظمة التجارة العالمية لهذا المفهوم, الا ان هناك العديد من الاثار السلبية التي يجب ان تؤخذ في الاعتبار منها: ان دولا قليلة هي التي استفادت من نتائج العولمة وهي الدول الصناعية تاركة الدول النامية في محلها بل اتخذتها سبيلا لتسويق منتجاتها من منطلق الاقتصاد العالمي الموحد, ولم يتم توزيع ثروات وفوائد العولمة بعدالة بما يحقق التكامل الدولي المطلوب. عدم التزام الدول المتقدمة بتعهداتها التي تقدمت بها خلال ختام جولة اوروجواي حتى توافق الدول النامية على الاتفاقية وعلى قيام منظمة التجارة العالمية وفي مقدمة هذه التعهدات تعويض الدول المتضررة من ارتفاع اسعار وارداتها الغذائية, تيسير نقل التكنولوجيا والمعرفة اللازمة لتحقيق قدر من التقدم والتحديث في الدول النامية, المساهمة في تحديث واعادة تأهيل الصناعات في الدول النامية. وبالتالي اصبحت اتفاقيات تحرير التجارة الدولية عبئا واضحا وثقيلا على الدول النامية في ظل اوضاعها الاقتصادية الصعبة. قد تؤدي التدفقات الرأسمالية الاجنبية بموجات كبيرة (اذا ما قوبلت بزيادة في السلع) الى زيادة حدة التضخم وارتفاع اسعار الفائدة وتضييق حرية الحكومات في تعديل الهياكل الضريبية. سهولة انتقال الصدمات المالية من سوق مالية لاسواق اخرى, ومع ترابط تلك الاسواق تتفاقم الازمة وهو ما تم مشاهدته في ازمة الاسواق المالية والاسيوية. مع تعاظم التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للتجارة الالكترونية في ظل العولمة, نجد ان لها من الاثار السلبية ما يؤثر على اقتصاد الدول النامية من احتمال تزايد افلاس او انهيار الشركات التي لا تظهر مقدرة على سرعة مواكبة التغييرات, وتزايد حجم البطالة لانعدام الحاجة الى العديد من الوظائف, وكذا انحسار اللمسة الانسانية في التعامل بين البشر ومعرفة العملاء عن قرب وما يحيط بهم من متغيرات وزيادة التعامل مع عالم المجهول في ظل الانترنت وغياب التخصصية في المعاملات المالية وظهور عمليات التزوير وخاصة في غياب المعايير القانونية للتجارية الالكترونية (والتي تتطور يوما بعد يوم). قد تؤدي العولمة الى خروج المنشآت الصغيرة والمتوسطة من السوق وخاصة التي تعمل في مجال الخدمات المالية نظرا لفتح اسواق الخدمات المالية على مصراعيها امام الشركات العالمية من منطلق الاتفاقية العالمية للتجارة في الخدمات والتي تشمل الخدمات المالية مثل التأمين واعادة التأمين والخدمات المصرفية وتجارة الاوراق المالية. انتشار البطالة وخاصة مع دخول العمالة الاجنبية الرخيصة التكاليف مما يضعف من فرص العمل لابناء الدولة. اجراءات وذكر التقرير انه يمكن للدول النامية مواجهة الاثار السلبية للعولمة باتخاذ بعض الاجراءات اللازمة والتي يمكن ان تحقق هدفها منها: التدرج في انفتاح الاسواق الوطنية امام قوى السوق العالمي طبقا للامكانات المتاحة, حتى لا تسيطر تلك القوى على السوق الوطنية وتصبح الدول غير قادرة على ضمان وقوف انتاجها المحلي امام المنتجات الاجنبية. التحرك نحو السوق العالمية بحذر ومرونة حماية للاقتصاد الوطني وحتى لا تتوغل الشركات العالمية العملاقة والتي يطلق عليها الشركات العابرة للقارات والتهام المصالح التجارية الوطنية وخاصة عند دخولها لتلك الاسواق بالاستثمارات الهائلة مع تمتعها بحرية تحرك رأس المال, الامر الذي يجعلها تتحكم في الاسواق المالية بشكل قوي ومؤثر. التحكم في البورصات, اذ ان حرية انتقال رؤوس الاموال قد يعد وسيلة فعالة لجذب الاستثمارات في حين انه يمكن وقوع اضرار جسيمة في حالة المضاربة بتلك الاموال في البورصات وبالتالي التحكم فيها, ومن ثم عدم قدرة الحكومات على التحكم في البورصات مما قد يفتك بالاقتصاد الوطني بالدولة. ضرورة العمل على الحفاظ على الهوية الفكرية الوطنية للدولة وثقافتها القومية ومواجهة اساليب العولمة الثقافية والتي ينتج عنها تجريد الافراد من ثقافتهم القومية والتوجه للثقافة العالمية التي تتميز بالابهار. العمل على ان يحقق الاستثمار الاجنبي اعلى قيمة مضافة للدولة لتوفير الاموال اللازمة لتحقيق المزيد من النمو والرفاهية مع ضرورة الاتجاه لتفضيل استخدام العمالة الوطنية وتنمية مهاراتها وعدم قبول استخدام العمالة الاجنبية الرخيصة التكاليف, الامر الذي قد يؤدي الى انتشار البطالة. واضاف انه في هذا الصدد فان هناك بعض الدول الغربية التي اتخذت اجراءات لمواجهة الاثار السلبية للعولمة فمثلا مصر وتونس والمغرب حرصت على عدم فتح اسواقها على مصراعيها امام السوق العالمية واكدت هذا المفهوم من خلال مراحل تفاوضها للانضمام الى منظمة التجارة العالمية, كما اخذ مجلس الوزراء بدولة البحرين قرارا بتعديل قانون الشركات للسماح بانشاء شركات مشتركة بين رأس المال الوطني والاجنبي مع تقييد حرية رأس المال الاجنبي في التصرف في حصته قبل ثلاث سنوات من تاريخ انشاء الشركة حتى لا يكون هدف المستثمرين هو المضاربة في الاسواق. كما قامت مصر ايضا بترشيد البنوك ومؤسسات القطاع الخاص للاقتراض من الخارج وبالتالي التحكم في مشكلات المديونيات الخارجية, بالاضافة الى تحكمها في سوق الاوراق المالية والتعامل معها بمرونة وحذر شديدين. أبوظبي ــ عبد الفتاح منتصر