خلال عمرها البالغ أربعة عقود من الزمان, تقلبت عملية التكامل الأوروبي بين لحظات من الحماس وفترات من اليأس, حتى بتنا نسمع مصطلح (الفوبيا الأوروبية) , وهو مصطلح يجب أن يختفي لأنه لا ضرورة له. ومثلما تجاوزت أوروبا الأوقات الصعبة في ما مضى, فإنها قادرة على تجاوز العراقيل والصعاب في ما هو آت . لنضع أمام أعيننا لحظات النجاح الكبير, مثلما حدث في العام ,1973 حين تم إقرار توسعة العضوية بالمجموعة الأوروبية, وكذلك عند إقرار النظام النقدي الأوروبي في العام 1979. واليوم تقف أوروبا عند مفترق طرق تاريخي وأمام مجموعة من التحولات الكبيرة والخيارات المعقدة, وكما حدث من قبل, فإن حالة من اليأس تطل برأسها, وتبدأ في الانتشار, ويعود هذا إلى أننا نقف في مواجهة صعوبتين رئيستين. الأولى أن الرأي العام الأوروبي مشتت في علاقته بفكرة أوروبا الموحدة, فإلى جانب الارتفاع في نسبة البطالة, والتي يعاني من ويلاتها ما لا يقل عن 18 مليون أوروبي, أو 11% تقريبا من الأوروبيين القادرين على العمل, هناك المشكلات المرتبطة بمحاولة التكيف مع الاتحاد الاقتصادي والنقدي ومتطلباته. أما الصعوبة الثانية, والتي ترتبط عن قرب بالصعوبة الأولى, فهي الافتقار إلى (رؤية شاملة) لمستقبل أوروبا ولشكلها ودورها الاستراتيجي, بمعنى آخر غياب خطة سياسية قادرة على حشد الطاقات والجهود وإقناع المواطنين الأوروبيين بالأسباب التي تجعلهم يؤمنون بأن مشروع الاتحاد هو في صالح الجميع في النهاية. وفي ظل الصعوبات التي يواجهها كثيرون في فهم فكرة أوروبا الموحدة, فإنه من المفيد أن نتساءل عن قيمة عملية التكامل وسماتها الإيجابية. وأولها ذلك الارث الذي انتقل إلينا من الماضي, فبعد حربين عظميين, أصبح هناك ما يشبه الاتحاد الفيدرالي بين دول كانت في حالة من العداء والحرب في الماضي, وقد تم بناء هذا الاتحاد خطوة خطوة بطرق ديمقراطية. لقد أصبحت منطقة الاتحاد الأوروبي منطقة استقرار بمقدورها التغلب على الأزمات التي قد تنشأ نتيجة لتضارب المصالح, من خلال توظيف قواعد للسلوك تقوم عليها مؤسسات ترسخ قواعدها. وتتسم العملية التكاملية بدرجة عالية من الديناميكية والتنظيم والإصلاح الذاتي, وهو ما يؤكد حيوية كبيرة داخل العملية, خاصة وأنها تستند إلى نظام مفتوح, ما يجعلها منطقة جذب قوي للأعضاء الخارجيين, والذين سيرتفع بهم العدد الاجمالي من 15 دولة إلى 24 دولة. إنه نظام تضمن قواعده العدالة, ويعطي الأعضاء الحق في الإسهام والاستفادة التامة من التنمية العامة, ما يجعل التجربة نموذجا للمفهوم الاقليمي المتماسك. لكن يجب أن نتساءل في هذه المرحلة بالذات عن الاتجاه الذي يتعين أن نسلكه, بينما تواجهنا تحديات جمة على المستويين الأوروبي والدولي. وأبرز التحديات التي تجبرنا على مراجعة سياساتنا ومؤسساتنا ما يلي: * الأمن: فنهاية المواجهة الأيديولوجية بين الشرق والغرب تفتح الباب أمام قدر هائل من حرية العمل والتصرف أمام الاتحاد الأوروبي, لكنها في الوقت نفسه تحمله طائفة من المسؤوليات الضخمة, وتأتي في مقدمة هذه المسؤوليات التعامل مع حالة التفكك التي يشهدها الشرق من خلال تقديم المساعدة لأولئك الذين يرغبون في القرار من كل مقدمات التنازع. هناك أيضا المشكلات المتوقع ظهورها على السطح في ضوء الخفض اللازم للوجود الأمريكي. وذلك على مستوى توفير الغطاء وسد الفجوات الأمنية في أوروبا. ويجب أن يكون واضحا أن اتساع نطاق مثل هذه المشكلات وخطورتها يؤكد على صعوبة التعامل معها من جانب كل دولة على حدة. * العولمة: يستلزم هذا التحدي من الأوروبيين جهدا مضاعفا لضمان القدرة على المنافسة والمحافظة في الوقت نفسه على النموذج الاجتماعي الأوروبي, وتعني العولمة استحالة الفرار من التحدي الذي تفرضه الأسواق بمنطقها, فلم يعد بالإمكان أن تبتعد وتنعزل أو تختفي عن الأنظار في عالم اليوم, حيث تتواجد أداتان يصعب غلق الأبواب أمامهما, وهما تكنولوجيا المعلومات وقوة الأسواق المالية, أداتان لم تعد لهما حدود. على الجانب الآخر, يجب الاستمساك بالرؤية الأوروبية للرفاهية والحفاظ على النموذج الاجتماعي الأوروبي, فهذا جزء من تراث أوروبا. ولا تعني عملية تصحيح النموذج الأوروبي إضعافه, بل لابد من أن يكون الهدف من وراء أي تدخل إصلاحي هو جعل هذا النموذج أكثر عدلا وفاعلية. إن أي تفسير سياسي للوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية لابد من أن يؤدي إلى الالتزام بقيادة سفينة الوحدة إلى الشاطئ السياسي, من خلال دفع القاطرة إلى نطاق السياسة الخارجية والأمنية, ثم إلى الشؤون الداخلية في مرحلة لاحقة. ويعني اتمام عملية الاندماج ميلاد أوروبا كلاعب سياسي دولي بعد أن يكتمل دورها كلاعب اقتصادي دولي, لكن حتى يتحقق هذا الهدف, يلزم الوصول إلى إحداث توافق بين نطاقين, النطاق الاقتصادي والسياسة الخارجية, فلابد من ربط آليات اتخاذ القرار في المجالين معها. والأمر نفسه ينطبق على جبهة الدفاع. ومثلما يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى توجيه مزيد من الاهتمام والانتباه إلى أوروبا الشرقية حتى يمكن الحفاظ على السلم والأمن في القارة الأوروبية بأكملها, فإنه مطالب بالاهتمام بمنطقة حوض البحر المتوسط, تلك المنطقة ذات الأهمية الحاسمة للأوروبيين جميعا. والخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن, خاصة اجتماعات برشلونة, خطوات في الاتجاه الصحيح. لكن يلزم البناء عليها, وذلك من خلال تقوية سياسات الترابط بين الجانبين وتعزيز (المشاركة من أجل السلام) , وتطوير آليات التعاون في النطاق الثقافي أيضا, هذا فضلا عن محاولة ترسيخ نمط الصناعات الصغيرة والمتوسطة. وبصفة عامة, فإن الرؤية الشاملة تحتاج إلى عناصر مختلفة حتى تكون جذابة وقابلة للتطبيق, ولا يمكن لذلك أن يتحقق مالم تكن هناك مشاركة قوية من جانب المواطنين الأوروبيين بعد إعادة تقويم للطبيعة الديمقراطية للاتحاد الأوروبي. كذلك يجب تغيير ذلك الانطباع الشائع عن أوروبا بأنها (غير منتجة) للوظائف والمشكلة أن الاتحاد الأوروبي لم يكن له دور في مسألة إدارة النفقات. وهو ما أفرز المشكلات التي تثير الكثير من القلق لدى الأوروبيين. فحتى الآن لاتزال السياسات الاجتماعية والتوظيفية إلى حد كبير في أيدي السلطات الوطنية. لهذا, يتعين اتخاذ عدد من الاجراءات المحددة التي تزيد من دور الاتحاد على هذين المستويين, وخاصة في ما يتعلق بمشكلة البطالة, فهذه المشكلة من الأفضل تناولها على مستوى أكثر اتساعا يدخل ضمن نطاق عمل الاتحاد الأوروبي. وحتى تكتمل الرؤية لابد من إقامة اتحاد قادر على تحمل مسؤولياته تجاه الدول المرشحة مستقبلا للانضمام لعضويته. وتكمن في عملية توسيع عضوية الاتحاد ميزات عدة, فعلى المستوى السياسي, تقوي عملية توسيع العضوية الدور الذي يفترض للديمقراطية أن تلعبه في أوروبا الشرقية. وعلى المستوى الاقتصادي, تزداد إمكانية إقامة سوق أكثر اتساعا وأقوى قدرة على التنافس. هناك أيضا المنظور الأمني, إذ يمكن أن تشكل التوسعة منطلقا لإنشاء نظام أوروبي جديد من الضمانات الأمنية التي تلعب دورا تكميليا لعملية توسيع حلف الناتو, وتحفز روسيا في النهاية على تعزيز الاتجاه التكاملي والتعاوني مع الغرب. هذه كلها مجرد علامات علها تعين الاتحاد الأوروبي في طريقه إلى الأمام, لكن ونحن نسير حثيثا نحو تحقيق الهدف. يجب ألا ننسى الأسباب التي دعتنا جميعا إلى التحرك نحو تحقيق تلك الخطة الاستراتيجية الكبرى لأوروبا الموحدة, والتي لا يمكن لها أن تتحقق بجهد الحكومات وحدها, بل لابد من مشاركة أكبر من جانب الجامعات والمراكز البحثية, هذه المؤسسات وغيرها يمكنها لعب دور مهم من خلال نشر الوعي بالهوية الأوروبية وبقيمة ما يحدث حاليا. فالفائدة سوف تعم الجميع. رئيس وزراء إيطاليا السابق