انعكست ازمة اسعار النفط بصورة كبيرة على اقتصاديات الدول المنتجة له والتي تعتمد عليه بصورة اساسية في دخلها القومي خاصة دول الخليج, وهو الامر الذي دفع دول مجلس التعاون الخليجي مؤخرا للبحث عن حلول عملية للخروج بالنفط من ازمته وانقاذ الاقتصاد الوطني, خاصة بعد ان ثبت فشل معظم الاجراءات التي اتخذتها منظمة اوبك لحماية تدهور الاسعار, وفي مقدمة ما تسعى له دول الخليج هو ادراج النفط في اطار منظمة التجارة العالمية التي تتحكم في 9% من حجم التجارة الدولية, وحتى يجد له البترول مكانا في الاسواق العالمية وتزايدا في الطلب, والغاء الضرائب عليه التي تؤثر سلبا على الطلب العالمي له, وقد يحمي هذا البترول من الخلل الحادث الان في علاقات الدول المنتجة (المصدرة) للبترول والدول المستهلكة (المستوردة) بجانب حمايته من تأثيرات الازمات السياسية والاقتصادية, وحول امكانية ادراج البترول الخام في اتفاقية التجارة العالمية والنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك وموقف دول الاتحاد الاوروبي من المطلب الخليجي كان لــ (البيان) لقاءات مع خبراء ومختصين في النفط والطاقة بالمملكة الهولندية, وبداية كان اللقاء بالخبير (لانك هورست) رئيس ادارة الطاقة والبترول بوزارة الاقتصاد الهولندية والذي نبادره: حرية التجارة ما هي امكانية ادراج البترول في اطار حرية التجارة وفقا لاتفاقية منظمة التجارة الدولية؟ ــ هولندا من حيث المبدأ مع حرية التجارة سواء في البترول أو أي سلعة أو منتج اخر, فنسبة 60% من عائد الدخل القومي بهولندا هو من التجارة الدولية والتصدير والاستيراد, وقد اصبح المناخ الاقتصادي العالمي في العصر الراهن يخدم اطلاق حرية التجارة والاسعار وفقا لمعايير العرض والطلب, وفي الوقت نفسه لابد ان يكون هناك انواع من الضوابط والاتفاقيات لمسار الاسعار في السلع الاستراتيجية بالذات, ومنها البترول, لان ترك هذه السلع دون ضوابط يجعلها تخضع لمتغيرات واحداث تتسبب في ايقاع الظلم على مجموعة معينة من الدول قد تكون هي المنتجة احيانا, وقد تكون المستهلكة. اي ان المطالبة المطروحة بتحرير تجارة البترول قد تكون نتائجها سلبية وليست بالضرورة ايجابية على الدول المنتجة, فقد كانت هولندا على سبيل المثال منذ خمسة عشر عاما تعتمد في دخلها القومي على انتاج وبيع الغاز, ويشكل العائد في الدخل القومي من انتاج الغاز من 7 إلى 8 مليارات جيلدر اي نسبة 2% من اجمالي الدخل القومي والذي يبلغ حوالي 300 مليار جيلدر سنويا, لكن تنبه صناع السياسة ورجالات القرارات الاقتصادية إن الامر لا يمكن استمراره على هذا النحو, لذلك تحول الاقتصاد الهولندي بسرعة إلى تنويع مصادر الدخل, وعدم الاعتماد على منتج بعينه حتى لو كان يشكل هذه النسبة الضئيلة, ولو تركت اسعار النفط بحرية فستشهد المرحلة الاولى مزيدا من الانخفاض, وسيكون هذا رد فعل سيكولوجي وطبيعي لاسعار السوق, ومن الممكن ان ترتفع الاسعار بعد ذلك ثانية, لكن يبقى كل ذلك في اطار المخاطرة بل قل المقامرة. واسمح لي ان اتطرق لقضية من عنصرين غاية في الاهمية, وهما قوة الانتاج النفطي, وثانيا حجم الاستثمارات في البترول, على سبيل المثال يعلم الجميع ان المملكة العربية السعودية كواحدة من كبريات الدول المنتجة للنفط, لديها كثير من المعدات لا تعمل بكامل طاقتها, وذلك لانها تجمد مؤقتا عملية الاستثمارات بسبب انخفاض اسعار النفط, فماذا سيكون الامر حال ادراج سعر النفط في اطار اتفاقية التجارة العالمية, وحدوث انخفاض في اسعاره اكثر مما هو عليه الان, اتوقع ان الكارثة ستكون حينئذ اكبر مما هو عليه الحال الآن, ودعني اكون اكثر وضوحا في ذكر ان حرب الخليج هي واحدة من اهم الاسباب الرئيسية التي هبطت باسعار البترول, واعتقد انه لولا هذا لما اخذت القضية هذا الحجم وتطورت المشكلة في الاسعار للخطورة الحالية. مصلحة هولندا * هل لهولندا مصلحة في تحرير سعر النفط في اطار اتفاقية التجارة العالمية؟ ــ يجيب لانك هورست إن مصلحة بلاده الاولى هي ان يبقى سعر البترول منخفضا, فنحن نستهلك كميات هائلة من النفط. * كيف يكون لهولندا مصلحة في انخفاض سعر النفط في الوقت الذي تعتبر فيه من الدول النفطية المنتجة, كما تنتج كميات كبيرة من الغاز الذي تربط سعره بسعر البترول العالمي؟ ــ في كل الاحوال تتحقق الارباح في مجالي النفط والغاز من الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة منذ دخول برميل النفط إلى معامل التكرير, والمراحل الانتاجية التي يمر بها حتى خروجه في شكل منتجات نهائية مثل الزيوت والكيماويات وبنزين الطائرات والسيارات. ظلم فادح * هولندا تشتري برميل النفط في الوقت الحالي بسعر يتراوح من 10:11 دولارا, وتفرض في نفس الوقت ضرائب على المستهلك المباشر بما يصل لسعر المنتج النهائي لبرميل النفط الى 15 ضعف سعر الشراء في الوقت الذي ينخفض فيه العائد للدول المنتجة ويؤثر على دخلها القومي, الا يشكل هذا ظلماً فادحاً؟ ــ بداية ومن وجه نظري ارى ان الحل يكمن في توسيع الرقعة الصناعية في البترول للدول المنتجه له, والتي تعتمد عليه بصورة اساسية في دخلها القومي, حتى يمكنها بجانب تصديره كخام أن يكون لديها مجال كبير ايضاً لتصديره كمنتج متنوع, كالنصف مصنع أو كمنتج نهائي, اضافة التي التوجه للصناعات الأخرى حتى تستطيع هذه الدول امتصاص الصدمات الخاصة باسعار الخام حال حدوثها, فهولندا على سبيل المثال قد قامت باغلاق مناجم الفحم حينما بدأ تراجع جدواها الإقتصادية, وبدأ انتاج الغاز يحل محل الفحم ويتزايد تدريجياً, وبدأت هولندا على الفور التوجه للصناعات الكيماوية, وحقيقة ان العصر الحجري لم ينته لأن الأحجار انتهت أو نضبت من كوكب الأرض, وعصر الفحم لم ينته بانتهاء الفحم, كذلك البترول لن ينتهي كما يشاع بنضوب ابار البترول, بل هو باق, والمسألة تنحصر في الجدوى الإقتصادية, والمشروعات الصناعية التي تدعم استقلالية الدول. ويجب ان نذكر انه من الأسباب الرئيسية في انخفاض سعر النفط, هو ان مجموع دول الأوبك في الوقت الحالي ليست بالقوة التي كانت عليها من قبل, حيث توجد كثير من الدول المنتجة ليست عضوا في هذه المنظمة, وبالتالي لا تتقيد بالأسعار التي تفرضها الأوبك أو بكميات الانتاج, مثل النرويج, انجلترا, امريكا, اضافة الى تأثير الأزمات السياسية وكل هذا يؤدي الى انخفاض الأسعار, وفي حالة وضع اسعار البترول ضمن اتفاقية التجارة العالمية, نتوقع زيادة الضرائب في هذه الحالة بصورة اكبر على المستهلك, ونحن في اوروبا وهولندا بصفة خاصة قد قطعنا شوطا طويلاً في التقشف في استخدام الطاقة وزيادة مخزون الإحتياطي, الأمر الذي يجعل الدول الأوروبية لاتتهافت على شراء النفط, مما يقلل الطلب عليه, واذكر هنا ان سياسة الأوبك تتسم بالاساليب الإصطناعية في تحديد الأسعار وكميات الانتاج, اضافة الى وجود بعض الدول الأعضاء التي لا تلتزم بقرارات الأوبك في الأسعار وكميات الإنتاج, ويصل الى ميناء روتردام كميات لا بأس بها من بترول هذه الدول خرقاً لما تفرضة الأوبك, ويتم بيعها في السوق الحرة, وهذا بالطبع يؤثر على اسعار النفط بالدول المنتجة, ويفقد مصداقية منظمة الأوبك لدى الدول المستوردة. * هل تذكر لنا بعض من هذه الدول؟ ــ لا استطيع صراحة ذكر اسماؤها, فهذه مسؤولية خاصة, ولكني على يقين ان منظمة الأوبك تعلم تماماً اسماء هذه الدول ولا تملك حيالها اتخاذ أية اجراءات بل تقف عاجزه امام ذلك. النفط ومنظمة التجارة ونتوجه بالسؤال الى (يان ديرك بلاو) رئيس اللجنة البرلمانية للطاقة والنفط في مجلس النواب الهولندي حول امكانية ادارج النفط في اتفاقية منظمة التجارة الحرة فيقول: لا اعتقد ان دول الاتحاد الاوروبي ومنها هولندا بالطبع ستعترض على ادراج النفط في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية, ولما لا..؟ والكاكاو مثلا مدرج ضمن هذه الاتفاقية, فلماذا لا يدرج النفط ايضا, ان الاحتياج للطاقة مستمر وسوف لاينتهي لكن علينا ان نطرح سؤالا قبل ان نطالب بادخال النفط في اتفاقية التجارية العالمية والنتائج المترتبة على ذلك, والسؤال هو هل سيبقى الاحتياج للنفط كعنصر اول في مجال الطاقة خلال العقد المقبل ام لا؟ الابحاث العلمية في اوروبا تسير حاليا على قدم وساق في اتجاه البحث عن طاقة نظيفة حفاظا على البيئة وليس بقصد ضرب اسعار البترول او الاستغناء عنه فقد قطعت الدول المتقدمة شوطا كبيرا في مجال الطاقة الشمسية, وليس بغريب ان تحدث مفاجئة عالمية في هذا المجال, اسوة بالتحول الذي حدث من استخدام الفحم إلى البترول, كما ان هناك دولا قطعت شوطا كبيرا في مجال الطاقة النووية وهي تسير ايضا بسرعة نحو التطور والبحث عن طاقة جديدة لاترتبط بالبترول. ونعود لمسألة ادراج النفط في اتفاقية التجارة العالمية فلن يكون هناك اعتراض من الاتحاد الاوروبي كما سبق الاشارة فنحن في اوروبا لدينا مصلحة في حدوث توازن بالاسعار وهي تفوق المصلحة في الانخفاض لان عودة سعر برميل النفط الى 17 دولارا مثلا سيؤدي الى اعادة تشجيع شركات التنقيب عن البترول وخلق فرص لمزيد من الاستثمارات في عمليات البحث وابرام عقود تحقق الارباح وتبحث دول الاتحاد الاوروبي في الوقت الحالي عملية تنسيق اسعار الطاقة وانه لابد من الخروج من هذه الازمة فانخفاض اسعار النفط يجب الايستمر طويلا والاتحاد الاوروبي في اطار الكتاب الاخضر (الخاص بالمناقشات والابحاث وما ان تنتهي منه سندخل للكتاب الابيض (الخاص بالتنفيذ واتخاذ القرارات) كما يجب الاشارة الى ان مصالح الدول الاوروبية تختلف ففرنسا لديها مصلحة في انخفاض سعر البترول فهي ليست من الدول المنتجة له وهي تعتمد على الطاقة النووية اما النرويج وايطاليا فاحتياجهما للبترول كبير لذلك ارى ان القضية بالدرجة الاولى توجد لدى الدول الخليجية المنتجة للنفط اكثر من الدول المستوردة فعلى سبيل المثال ارى انه من المفيد ان تبادر دول مجلس التعاون الخليجي بسرعة ربط اسعار النفط بالعملة الاوروبية الموحدة (اليورو) حيث ان صادرات هذه الدول لاوروبا تبلغ حوالي 12% وتستورد 36% وهي نسب تفوق حجم تجارتها مع امريكا وان العملة الموحدة التي ستتعامل بها احدى عشر دولة ستشكل منافسة قوية امام الدولار الذي يرتبط به سعر البترول ومن البديهي ايضا انه في حالة دخول سعر النفط لمنظمة التجارة العالمية فسوف لايعد ضرورة لبقاء منظمة الاوبك.