أكدت دراسة حديثة ان الاستثمار الخاص في مشروعات البنية الأساسية في الدول العربية يعتبر متواضعا مقارنة بدول أخرى سواء كانت نامية أم متقدمة . وتقول الدراسة التي أصدرتها المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ان النظرة السريعة إلى نمط الاستثمارات في الدول العربية إضافة إلى تواضعه فإنه يتمركز في قطاعات معينة في عدد محدود من الدول العربية ويلاحظ عزوف المستثمرين عن مشروعات الاستثمار التي تعرض عليهم, أو انسحابهم من بعض المشروعات عقب مباشرة الاجراءات التنفيذية. ويأتي ذلك بالرغم من توافر ارادة متنامية لدى عدد من الدول العربية لتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في توفير خدمات البنية الأساسية تمثلت في تبني مجموعة من السياسات والقوانين والاجراءات الملائمة لهذا الغرض يقابلها إرادة مماثلة لدى القطاع الخاص العربي والأجنبي للمشاركة تستند إلى تنوع وتعدد الفرص الاستثمارية المجدية في قطاع واعد النمو, تمثلت في المبادرة إلى تنفيذ العديد من المشروعات وفي تقديم عروض لتنفيذ مشروعات أخرى لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأنها. وقد يكون مرد تلك المفارقة شعور المستثمر بوجود مخاطر غير تجارية تواجه الاستثمار في مجال البنية الأساسية, تنجم أساسا عن ضعف الاطار التنظيمي في معظم الدول النامية وعدم رسوخ أسس وآليات الاقتصاد الحر. وإذا كانت الدول العربية وغيرها من الدول النامية قد لجأت خلال العقدين الاخيرين إلى استحداث آليات خاصة لتجاوز العقبات التي تعيق تدفق الاستثمارات الخاصة اليها وتأكيد التزامها باحترام الملكية الخاصة من خلال سن قوانين خاصة بالاستثمار وكذلك من خلال ايجاد أنظمة وطنية واقليمية ودولية للضمان ضد المخاطر غير التجارية, فيبدو انها مطالبة حاليا باعتماد ترتيبات لتشجيع مساهمة القطاع الخاص الوطني والأجنبي في مشروعات البنية الأساسية. خصوصية الاستثمار في البنية الأساسية هناك العديد من الخصائص المميزة للاستثمار الخاص في مشروعات البنية الأساسية تؤدي إلى رفع درجة المخاطرة وتتمثل أساسا بضخامة حجم الاستثمارات وطول فترة الاسترداد, وعدم قابلية الاصول للنقل أو التصفية, اضافة إلى حساسية خدمات البنية الاساسية للاعتبارات السياسية والعوامل الاجتماعية باعتبارها خدمات ضرورية وأساسية تتحمل الحكومات عادة مسؤولية توفيرها بأسعار معقولة. ولذلك تواجه الدول النامية بما فيها الدول العربية في سعيها إلى جذب الاستثمارات الخاصة إلى قطاع البنية الاساسية مشكلة الموازنة بين التطبيق السليم لبرامج الاصلاح الاقتصادي والتحرير بهدف التحول إلى اقتصاد السوق وتوفير بيئة استثمارية جاذبة وتقليص المخاطر غير التجارية, وبين ضرورة تجنب الانعكاسات السياسية والاجتماعية التي تنجم عن رفع الدعم عن اسعار البنية الاساسية. المخاطر غير التجارية يعتبر تحديد المخاطر غير التجارية التي تواجه الاستثمار الخاص في البنية الاساسية عاملا اساسيا في تحديد سبل ازالتها أو التقليل من انعكاساتها السلبية ووضع أولويات لمعالجتها بأسلوب مباشر يقضي بتحسين المناخ الاقتصادي العام من خلال تطبيق حزمة من السياسات الاقتصادية والتنظيمية أو بأسلوب غير مباشر من خلال احتواء آثارها باعتماد آليات للضمان وطنية ودولية. ورغم عدم وجود تحديد أو تصنيف دقيق متفق عليه الا انه يمكن تقسيم هذه المخاطر الى مجموعتين رئيسيتين هما: 1- مجموعة المخاطر التقليدية المتمثلة في خطر المصادرة والتأميم وخطر عدم القدرة على التمويل وخطر الحروب والاضطرابات الاهلية. 2ــ مجموعة المخاطر التنظيمية تعرف هذه المخاطر بالاضرار التي قد تصيب بعض الفئات بسبب تطبيق التشريعات او القرارات الحكومية سواء كانت على مستوى الاقتصاد الوطني أم على المستوى القطاعي ام على مستوى مشروع محدد, وتشمل على سبيل المثال: - مخاطر عدم تسديد ثمن منتجات المشروع أو تأخير الدفع. - مخاطر تتعلق بالمنافسة وعدم فتح المجال أمام المشروع الخاص لمنافسة المشروعات الحكومية أو السماح بتأسيس مشروعات مشابهة للمشروع الخاص قبل انقضاء مدة الامتياز الاحتكاري. - مخاطر تراجع الجهات الحكومية والهيئات العامة ذات العلاقة غير المباشرة عن تنفيذ التزاماتها مثل توريد مدخلات الانتاج, أو استملاك الاراضي. - مخاطر الغاء الامتياز أو السعي لتغيير شروطه واعادة التفاوض بشأنه قبل انقضاء مدته. - مخاطر التسعير: وتشمل مجموعة مخاطر فرعية تنبثق مثلا من عدم وفاء الجهات الحكومية بتعهداتها لتعديل هيكل أسعار منتجات أو خدمات المشروع حسب التواريخ والمعدلات المنصوص عليها في العقود, أو تحميل المشروع تكاليف اضافية بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال عدم الموافقة على تعديل هيكل الاسعار لمواجهة الظروف الطارئة. - مخاطر تعديل التشريعات ذات الاثر غير المباشر التي تعرف بالتدابير الزاحفة. - مخاطر التراخيص لا سيما الفرعية منها كتراخيص البيئة والسلامة. ونركز هنا على مجموعة المخاطر التنظيمية باعتبارها الاكثر تأثيرا على اتجاهات الاستثمار الخاص ونموه, وذلك بسبب: - تراجع الاهمية النسبية للمخاطر التقليدية في ظل سياسات الاصلاح الاقتصادي وسيادة اقتصاديات السوق وتوفير آليات ونظم متعددة لضمان هذه المخاطر. - وجود علاقة مباشرة وأكثر تشابكا للاستثمارات الخاصة في قطاع البنية الأساسية مع الهيئات والاجهزة الحكومية, عن القطاعات الأخرى بحيث يؤثر أي اجراء تتخذه أي من السلطات العامة في القطر المضيف بشكل أو بآخر على المشروع. - خضوع غالبية مشروعات البنية الاساسية لاتفاقيات أو عقود تكون الحكومات أو الهيئات العامة الطرف الرئيسي فيها, يتم بموجبها تنظيم العلاقات بين الاطراف المعنية وتحديد حقوق والتزامات كل طرف لا سيما التزامات الحكومة تجاه المستثمر وتعتبر هذه الاتفاقيات بديلا مؤقتا للاطار التنظيمي من جهة والمرجع القانوني لحل الخلافات التي قد تنشأ من جهة أخرى. وبالرغم من ان هذه العقود لا تمنع الحكومات من عدم الوفاء بالتزاماتها, الا انها تعطي المستثمر الحق في الحصول على التعويض العادل عن الاضرار التي قد تلحق به. ولذلك يتم التركيز على أن تتسم العقود بالوضوح والشمولية وتضمينها آلية لفض النزاع سواء بالتحكيم الدولي أو باللجوء إلى القضاء خارج البلد المضيف. وقد أصبحت صياغة بنود الاتفاقيات وتقديم المشورة الفنية صناعة قائمة بذاتها كما تقوم بعض الجهات الدولية كمؤسسة التمويل الدولية بتوفير خدمات هامة في هذا المجال. - اعتماد مشروعات البنية الاساسية على مجموعة من (عقود الباطن) مما يشكل بدوره سلسلة متكاملة يؤثر أي خلل في احدى حلقاتها على مسيرة المشروع ككل ويضاف إلى ذلك ان عقود مشروعات البنية الاساسية (متراضية التنفيذ) يستغرق تنفيذها مددا زمنية طويلة. التكيف مع التطورات الناجمة عن تطبيق برامج الاصلاح الاقتصادي. وكمثال على ذلك نشير إلى قيام حكومة سنغافورة بتغيير شروط عقد استخصاص قطاع الاتصالات الموقع عام ,1993 اذ بادرت إلى تقليص مدة الامتياز الاحتكاري الممنوح لاحدى الشركات الاجنبية الى عام 2000 بدلا من عام ,2007 ودفعت تعويضا لها مقداره مليار دولار, معتبرة ان فتح هذا القطاع امام المنافسة الحرة وفقا لآليات السوق سيكون أكثر جدوى للحكومة وللقطاع الخاص ويؤدي إلى تحسين الخدمات وتطويرها. الضمان والتأمين لمواجهة هذه المخاطر برزت الحاجة إلى توفير الضمان من جهات مستقلة تتمتع بالمصداقية والملاءة المالية كبديل ولو مؤقت للخيار الأمثل وهو ازالة هذه المخاطر. فبالاضافة إلى الضمانات التي تقدمها حكومات الاقطار المضيفة للاستثمار, تتوفر حاليا تغطية تأمينية للمشروعات الخاصة في البنية الاساسية من خلال أنظمة متعددة منها. الانظمة متعددة الاطراف يعتبر النظام العربي لضمان الاستثمار الذي تديره المؤسسة العربية لضمان الاستثمار هو أول نظام من هذا النوع على المستوى الاقليمي والدولي تلاه انشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار التابعة لمجموعة البنك الدولي (ميجا) والمؤسسة الاسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات. وتوفر هذه المؤسسات الضمان لمجموعة المخاطر السياسية التقليدية باستثناء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار التي يشمل ضمانها الاخلال بالعقود أيضا. وقد ارتفعت حصة مشروعات البنية الاساسية من اجمالي عمليات (ميجا) من حوالي 1% عام 1992 إلى حوالي 17% عام 1997. الانظمة الوطنية لضمان الاستثمارات والقروض تقتصر عمليات هذه الانظمة على المستثمرين ومؤسسات التمويل الوطنية, وتوجد أساسا في الدول الصناعية الكبرى. وقد شهدت عمليات هذه المؤسسات في مجال البنية الاساسية ارتفاعا كبيرا خلال السنوات الماضية, اذ ارتفعت قيمة عقود التأمين المتعلقة بمشروعات البنية الاساسية التي أبرمتها الوكالة الامريكية لتأمين المشروعات فيما وراء البحار (ابيك) من حوالي 100 مليون دولار عام 1990 إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار عام 1996. الانظمة الوطنية لضمان ائتمان الصادرات تلعب هذه الانظمة دورا متزايد الاهمية بعد ضمور الفوارق بين ضمان الاستثمار وائتمان الصادرات في ظل قيام الشركات الاجنبية المنفذة لمشروعات البنية الاساسية باستيراد المعدات والآلات اللازمة وكذلك مدخلات الانتاج في بعض الحالات من اسواقها المحلية مستفيدة من تغطية مؤسسات ضمان ائتمان الصادرات لمجموعتي المخاطر التجارية والسياسية. شركات التأمين الخاصة بالرغم من النمو السريع لحجم عمليات شركات التأمين الخاصة منذ عام 1972 الا انها لا تزال مقتصرة على عدد محدود من الشركات والاسواق اذ تسيطر عمليا مجموعة لويدز والمجموعة الامريكية الدولية على هذه الصناعة. الا انه يتوقع ان تشهد الفترة المقبلة توسعا أكبر في عمل هذه الشركات وخاصة لتعدد المجالات المتاحة وفترات التغطية ونوعية المخاطر المغطاة لا سيما وان الشركات الخاصة ليست محكومة بقيد الجنسية كأنظمة الضمان الوطنية كما ان بمقدورها تعبئة موارد ضخمة مقارنة بغيرها, وفي هذا الصدد يذكر ان مجموعة لويدز بامكانها توفير تغطية تأمينية تصل الى حوالي 650 مليون دولار للعملية الواحدة. ولكن رغم التطور الكبير الذي شهدته هذه الآليات, فلا تزال الضمانات المتوافرة لمشروعات البنية الأساسية محكومة بالعديد من القيود سواء على صعيد جنسية المستثمر او نوعية الاستثمار اوالمخاطر المغطاة سواء بالنسبة لهيئات الضمان الوطنية والاقليمية والدولية ام على صعيد تكلفة التغطية بالنسبة لشركات التأمين الخاصة وان كانت هذه الشركات تميز عن غيرها بقدرتها على توفير التغطية لمختلف انواع المخاطر وتفصيلها تبعا لاحتياجات المؤمن له.