أدت الضربات العسكرية المتكررة من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق وما تكشف من معلومات تشير إلى استخدام واشنطن للجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة والمعروفة باليونسكوم لأغراض التجسس إلى إحداث تغيير جذري في طبيعة مشكلة العقوبات الدولية المفروضة على العراق, والتي تشمل ضمن ما تشمل حظرا على النفط . وأيا كانت الأسباب التي أدت بالرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى أن يشن عملية (ثعلب الصحراء) ضد العراق من دون الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الأمن, فالحقيقة هي أن الهجوم وجه ضربة عنيفة إلى مصداقية مجلس الأمن وسلطته, كما أنه زاد من شقة الخلاف بين الولايات المتحدة وبريطانيا, من جانب, وبقية الأعضاء الدائمين بالمجلس, أي روسيا والصين وفرنسا, من جانب آخر, في ما يتعلق بالسياسة المثلى للتعامل مع العراق. علاوة على ذلك, فإنه مهما تكن التفسيرات التي تقدمها واشنطن من أجل تبرير استخدامها اليونسكوم كغطاء لأنشطة المخابرات الأمريكية, خاصة خلال الفترة بين 1995 و,1998 فلا يمكن أن ينظر بعد الآن إلى اللجنة على أنها هيئة مستقلة تابعة للأمم المتحدة, ومهمتها الإشراف على نزع أسلحة العراق. فبعد أن أنكروا في بداية الأمر التقارير التي نشرتها صحيفتا (بوسطون جلوب) و(واشنطن بوست) حول هذا الموضوع, عاد المسؤولون الأمريكيون وأقروا في النهاية بأن عملاء لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية وأجهزة أخرى استطاعوا العمل طوال السنوات الماضية, تحت ستار لجنة اليونسكوم. وأنهم قاموا بأعمال ولأغراض لا تمت بصلة للقرارات الصادرة من مجلس الأمن. ومثلما حدث في الضربات التي شنها الأمريكيون والبريطانيون ضد العراق في ديسمبر فإن عمليات التجسس تمت بقبول من رئيس لجنة اليونسكوم ريتشارد باتلر ومن وراء ظهر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان, وهو ما يعد ازدراء لعنان بصفة خاصة, والأمم المتحدة عموما. هناك أيضا ملاحظة ثالثة في هذا السياق, وهي أن الولايات المتحدة بشنها للضربات الجوية وبتحريف مهمة اليونسكوم تكون قد تخطت الأمم المتحدة على نحو مهين وتجاوزتها باتخاذها قرارات منفردة استنكرتها غالبية الأعضاء الآخرين بمجلس الأمن. ولم تخف إدارة الرئيس كلينتون حقيقة أن هدفها الأخير هو الإطاحة بنظام صدام حسين, وهي تحظى في ذلك بتأييد رئيس الحكومة البريطانية توني بلير. وهما كذلك متفقان على أنه لا رفع للعقوبات المفروضة ضد العراق ما لم يتحقق هدف الإطاحة بالنظام العراقي. وهي وجهة نظر تلقى معارضة تامة من القوى الكبرى الأخرى. وهكذا, يبدو على نحو يزداد وضوحا بمرور الأيام أن مسألة العقوبات المفروضة على العراق ليست مشكلة بين العراق ومجلس الأمن الذي أقر العقوبات من خلال قرارات عدة أصدرها ضد بغداد, بل هي في واقع الأمر مشكلة بين الإدارة الأمريكية ونظام الرئيس العراقي صدام حسين. وهذه (اللخبطة) حول الطبيعة الحقيقية للمشكلة لا تثير قلق خصوم الولايات المتحدة فقط, بل أيضا عدد كبير من حلفائها. كذلك فإن توجيه الضربات العسكرية قبل تصويت مجلس النواب الأمريكي على البدء في إجراءات عزل الرئيس الأمريكي بسبب قضية مونيكا لوينسكي بيوم واحد أدى إلى إحداث نظرة عامة إلى هذه الضربات سواء داخل الولايات المتحدة أم خارجها على أنها خطوة تكتيكية تستهدف تحويل الانتباه عن الرئيس الأمريكي وهو في أزمته الشديدة. وأيا كان تفسير ما حدث, فإن الأمور في عمومها لم تعد كما كانت في السابق. ودخلت مسألة العقوبات ضد العراق بوضوح مرحلة جديدة, ستكون سماتها الرئيسة هي: ـ اتجاه جديد تجاه مسألة مراقبة عملية نزع الأسلحة العراقية, يليه الانتقال إلى نظام طويل المدى للمراقبة بعد رفع العقوبات. ـ رفع تدريجي للحظر النفطي المفروض على العراق. وهنا لابد من أن نفرق بين نقطتين: الأولى هي الحظر المفروض على صادرات العراق النفطية. والثانية الحظر المفروض على عمل الشركات النفطية الأجنبية في العراق. ففي ما يتعلق بالحظر المفروض على صادرات العراق النفطية, فإنه من الواضح أن السياسة الأمريكية تجاه العراق تجعل رفع هذا الحظر أمرا بعيد الاحتمال في المستقبل المنظور. وإن أصبح الحظر في واقع الأمر حظرا نظريا إلى حد كبير, ففي صورته الحالية, يسمح برنامج النفط مقابل الغذاء للعراق تصدير ما قيمته 5.2 مليارات دولار كل ستة أشهر, أي بإجمالي 10.4 مليارات دولار كل عام. وفي ظل المستوى الحالي لأسعار النفط العراقي, أي 8.4 دولارات للبرميل, فإن هذا يتطلب تصدير نحو 3.4 ملايين برميل يوميا, وهو ما يتجاوز أقصى حجم إنتاج وصل إليه العراق في العام ,1979 وهو 3.28 ملايين برميل يوميا, كما أنه يفوق بنسبة 41% مستوى الإنتاج في العام ,1989 وهو العام الكامل الأخير قبل غزو الكويت وفرض الحظر. صحيح أن العراق لا يحقق المعدل المسموح له بتصديره بالكامل ببساطة لأنه لا يملك الطاقة الإنتاجية والتصديرية اللازمة في الوقت الحاضر, لكن صادراته الفعلية لا تقل في حجمها عن مليوني برميل يوميا, كما إن بإمكانه الآن أن يستورد المعدات الرأسمالية اللازمة لتطوير البنية التحتية للتصدير لديه. علاوة على ذلك, فإن إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ألمحت مؤخرا إلى أنها لن تعارض مد برنامج النفط مقابل الغذاء وتوسيعه إذا ما اعتبر ذلك ضروريا من جانب الأمين العام للأمم المتحدة. وبالنسبة إلى حجم النفط المصدر, فإن ما يحدث في الوقت الحاضر يجعل الأمر يبدو وكأن الحظر لم يعد قائما, لكن مادام الحظر لم يرفع فعليا, فإن الأمم المتحدة ستواصل مراقبتها وإشرافها الدقيق على كل ما يتعلق بعقود بيع النفط واستخدامات العوائد الناتجة عن هذه العقود. من ناحية أخرى, لم تحدث تغييرات تذكر في ما يتعلق بالجانب الآخر من العقوبات, ونعني به الحظر المفروض على عمل الشركات الأجنبية في مشروعات النفط والغاز بالعراق. لكن كيف ستتطور الأمور في المستقبل؟ وما هي الظروف التي يمكن في ظلها رفع العقوبات؟ الإمكانية الأولى في هذا الصدد هي أن تسفر المناقشات الجارية حاليا بين أعضاء مجلس الأمن من جانب, وبين المجلس والعراق من جانب آخر عن تسوية مؤقتة حول شروط إغلاق ملف نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية, والانتقال إلى مرحلة أخرى هي مرحلة المراقبة طويلة الأجل. وفي هذه الحالة, فإن العقوبات النفطية يمكن رفعها بعد ذلك بفترة قصيرة شريطة ألا تحدث أية أزمات كبيرة أخرى بين العراق والأمم المتحدة. الإمكانية الثانية هي أن تستمر حالة عدم الاتفاق إلى مالا نهاية, أو أن تزداد الأمور سوءا وتتسع هوة الخلاف بين الولايات المتحدة من جانب والدول التي ترى أنه لم يعد هناك أي مبرر على الإطلاق لاستمرار فرض العقوبات. وإذا ما حدث ذلك, فمن الممكن أن يتهاوى نظام العقوبات تدريجيا بإقدام بعض الدول والشركات على تجاهل الاعتراضات الأمريكية بالمشاركة على نحو متزايد في مشروعات النفط والغاز في العراق. ويمكن لهذه الامكانية أن تصبح أقوى مع تواصل الهجمات والضربات الأمريكية ضد العراق, وإذا ما وصلت دول مثل روسيا والصين وفرنسا إلى حالة تفقد معها الأمل في التوصل الى اتفاق حول هذه المسألة مع واشنطن لكن الامور لم تصل الى هذه المرحلة حتى الان على الاقل. بقلم: د.نقولا سركيس- رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس