على أية حال, نحن نعتقد ان تقييس جهود التنمية بدول مجلس التعاون الخليجي بضوء ما تحقق على صعيد التنمية البشرية يعد موضوعا بالغ الأهمية والحيوية لهذه الدول بشكل خاص . والخصوصية تكمن هنا في ان هذه الدول قد توفر لها من الموارد المالية خلال مرحلة السبعينات والثمانينات ما مكنها من تحقيق معدلات نمو كبيرة في مجال تحديث البنى المادية والخدمات الاجتماعية. وقد فاقت هذه المعدلات بشكل ملحوظ ــ إن لم نقل كبيرا ــ معدلات التنمية البشرية. ونعني بهذه التنمية هنا تحديدا دمج المعارف والانجازات الاقتصادية المتحققة بالبيئة المحلية (مناهج التعليم ومعاهد التدريب والكليات التقنية وأجهزة اقتصادية توجيهية واستشارية) التي بدورها تؤمن تحويل هذه المعارف والانجازات الى معارف وانجازات وطنية (بمفهوم تملك المعارف والتقنيات الملازمة لها والناجمة عنها من قبل أجيال متعاقبة) وبالتالي أىضا ضمان تطويرها والبناء عليها في جهود ابداعية وتطويرية. والملاحظات التي يمكن ايرادها هنا انه اذا كانت هناك جهود ضخمة قد بذلت في مجال التعليم بكافة مراحله بدول المنطقة حيث امتلأت مؤسساتنا وشركاتنا وأجهزتنا الحكومية بالشباب المتعلم الا اننا مع ذلك نظل نتساءل عما اذا كانت حلقات التنمية الرئيسية ــ وخاصة المستقبلية منها ــ تحت سيطرتنا الكاملة وقادرين تقنيا وعلميا على توجيهها الوجهة التي نريدها مستقبلا. كذلك لم يتولد عن نماذج التنمية في دول المنطقة تكريس واضح لمبدأ المشاركة في تحمل المسؤولية والأعباء. وعندما توجهت هذه الدول الى تسعير بعض الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقدم في السابق مجانا أو بأسعار رمزية بدا وكأن الأمر واقع تحت ضغوط تراجع الموارد المالية أكثر منه جهود لتكريس ذلك المبدأ. كذلك الحال بالنسبة لربط الدخل بالانتاجية والكفاءة حيث بات من الواضح ضرورة وجود هذا الربط وهو موضوع قائم بذاته وبحاجة الى التعمق والدراسة. أيضا الحديث ينطبق على الكثير من المهن الحرفية والمتوسطة التي ظلت حتى أمد قريب بعيدة عن هوى المواطنين ورغباتهم مما استدعى رفع شعارات مثل اعادة التأهيل الثقافي والاجتماعي لدى الشباب من أجل تقبل هذه المهن. والموضوع بطبيعة الحال مرتبط بعناصر أخرى وخاصة تحسين شروط العمل وسن القوانين الاجتماعية التي تزيد من جاذبية هذه المهن. وأخيرا ــ وفي مجال ايرادنا لبعض الملاحظات حول موضوع التنمية البشرية وصلتها بالنمو الاقتصادي بدول المنطقة ــ نشير الى الدور الذي لعبه ولا يزال يلعبه القطاع الخاص والمسؤولية التي يتحملها في هذا المجال. فمن جهة يملك هذا القطاع العشرات من المبررات لاستمرار تشغيله لمئات الآلاف والملايين من الأيدي العاملة الأجنبية. ونحن نتساءل مرة أخرى عن الخطط والبرامج الموضوعة التي تعمل على ازالة هذه المبررات بصورة منهجية وموضوعية, ولكنها جادة ومتسارعة أيضا. ان المقبل من الأيام يحمل تحديات أكبر, ومن شأنها ان تسلط الضوء بصورة أشد على نقاط الضعف, خاصة فيما يتعلق بالضغوط المتزايدة على أنماط ومستويات الرفاهية التي أوجدتها سنوات السبعينات والثمانينات. لذلك فإن اعادة صياغة برامج التنمية الاقتصادية بما يؤمن تنمية بشرية وطنية حقيقية تمثل في الوقت نفسه مدخلا رئيسيا لتجاوز تلك الضغوط والحفاظ على وتطويره ما تحقق من انجازات.