لقد بات رأس المال الأجنبي يشكل كابوسا مرعبا للدول النامية بشكل عام والدول حديثة العهد بالتصنيع بشكل خاص. فلقد باتت التجربة الروسية وتجربة الدول الآسيوية خلال السنتين الماضيتين مضرب الأمثال من كافة الاقتصاديين. حيث ان جميع الاقتصاديين يرجعون أسباب تلك الأزمات الى رؤوس الأموال الأجنبية. وإن دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى أية دولة ممكن ان يكون من عدة طرق مثل: 1ــ المستثمرين الأجانب سواء أكانوا أفرادا أم مؤسسات. فالمستثمر الأجنبي قد يدخل رأس ماله الى الدولة حتى ولو لم يكن مقيما فيها ويستثمر رؤوس الأموال تلك. غير انه اذا لم يكن المستثمر الأجنبي مقيما في الدولة فإن الأرباح الصافية التي تحققها استثماراته قد تخرج مهاجرة الى بلده الأصلي وخصوصا اذا لم تجد فرص استثمار محلية جديدة. وهنا تقل أهمية هذه الرساميل وفوائدها الاقتصادية بالنسبة للدولة المضيفة. حيث تجني الدولة الأجنبية ثمار تلك الاستثمارات. ومن هنا تلجأ الدول الى وضع أنظمة اقتصادية معينة تحكم هذا النوع من الاستثمار بحيث تزيد تلك الأنظمة من الفوائد الاقتصادية التي تحصل عليها الدول المضيفة لتلك الاستثمارات. ومن تلك الأنظمة والضوابط الأنظمة الضريبية وأنظمة التحويلات الأجنبية وأنظمة الرسوم وأنظمة صرف العملات الأجنبية. وقد يلجأ بعض المستثمرين ــ كما هو مطبق عندنا بشكل كبير في دولة الامارات ــ الى فتح فروع لاستثماراتهم ومؤسساتهم الأجنبية داخل الدولة بحيث تخدم هذه الفروع تلك المؤسسات الكبيرة الأجنبية في بلدانها الأصلية من حيث ايجاد أسواق لمنتجاتها في المنطقة. ونلاحظ ذلك واضحا جليا في سوق المواشي وسوق الكتب والقرطاسية وسوق الملابس الجاهزة والأقمشة ومحلات (كل شيء بعشرة دراهم أو عشرين درهما) والوكالات التجارية بشكل عام أشبه ما تكون بتلك الفروع وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. وهنا لابد للدولة من دعم وتشجيع المستثمر المواطن والتيسير له وتسهيل اجراءاته وتمييزه بالمعاملة على المستثمر الأجنبي لكي يستطيع منافسته والاحلال محله بالتدريج. 2ــ الإعانات والهبات والدعم الحكومي للحكومات الأخرى والعطايا بكل صورها وأشكالها. 3ــ دخول رأس المال الأجنبي بشكل تكنولوجيا رأس المال مشاركة للمستثمر الوطني. والحقيقة ان الكثير من الدول حديثة العهد بالتصنيع تحاول ان تسيطر على مثل تلك الاستثمارات الأجنبية عن طريق احلال رأس المال الوطني محل رأس المال الأجنبي بالتدريج. ونلمس ذلك واضحا جليا في شركات النفط بشكل خاص حيث تحاول الدول المنتجة للنفط توطين تكنولوجيا رأس المال في هذه الشركات وإن كان ذلك ما زال بطيئا عندنا في دول الخليج العربية الا ان بعض الدول حديثة العهد بالتصنيع قد خطت خطوات لا بأس بها وبدأت تشارك مشاركة فعلية وبتكنولوجيا وطنية في عمليات استخراج النفط الخام ونقله وتكريره, من ذلك على سبيل المثال ايران وماليزيا. 4ــ دخول رأس المال الأجنبي لأجل المضاربة. حيث يحدث أحيانا ان يدخل رأس المال الأجنبي الى الدولة بغرض المضاربة (بالعملات مثلا أو بالأسهم أو بالأراضي). والأمثلة على ذلك كثيرة. وقد حدثت أيضا في سوق المناخ بالكويت في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات وفي سنغافورة في الفترة ذاتها وأشعلتها كذلك رؤوس الأموال الأجنبية. والمضاربة بالعملات حدثت في ماليزيا ودول جنوب شرق آسيا وتحدث في الكثير الكثير من دول العالم. ويعتبر دخول رأس المال الأجنبي لهذا الغرض هو من أخطر الرساميل الأجنبية . ولذا فلابد للدولة من وضع ضوابط وقوانين محكمة لذلك. 5ــ دخول رأس المال الأجنبي بشكل قروض وديون أجنبية. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا وخير مثال حي على ذلك البرازيل اليوم والتي وصلت ديونها الى 266 مليار دولار وهو ما يعادل 8% من اجمالي ناتجها المحلي. والأسوأ من كل ذلك هو الفساد المالي والاداري في الدول المتلقية لتلك القروض والذي يؤدي الى سوء استخدام تلك القروض حيث تسخر لأغراض شخصية لا تخدم المصلحة الوطنية ولا تسخر لأغراض استثمارية أو انتاجية يمكن ان تؤدي الى بناء الاقتصاد وتحقيق عوائد للدولة.