دعت دراسة اقتصادية حديثة إلى ضرورة تفعيل وزيادة التعاون بين الدول العربية في قطاع صناعات النفط والغاز الطبيعي, وقالت الدراسة ان الصناعة النفطية يمكن ان تكون في مقدمة النشاطات المساهمة في توثيق العلاقات التجارية والاقتصادية بين دول الوطن العربي . وقالت الدراسة ان نظرة سريعة على الصناعة البترولية توضح ان الدول العربية اصبحت تملك نشاطات صناعية متنامية في كل مرحلة من المراحل المشار اليها اعلاه في مجال صناعة النفط والغاز, كما هو معروف فان عمليات تصنيع البترول قد بدأت مراحلها الأولى مع تدشين عصر الصناعة النفطية بالوطن العربي منذ أكثر من قرن, إلا ان مجالاتها بقيت محدودة حتى منتصف السبعينات بعد الاستيلاء على العمليات البترولية. فقد شهدت العقود الأخيرة جهودا متواصلة لزيادة المساهمة العربية في الصناعة البترولية, في ميادين ما قبل الانتاج وما بعده, ونجم عن ذلك تزايد ملموس في النشاطات الخاصة بتصنيع النفط والغاز في الدول العربية, تجسيدا لرغبتها في تنويع مصادر دخلها, وزيادة نسبة البترول المصنع في أراضيها, وانعكس ذلك في اقامة صناعات ضخمة في مجالات التكرير والبتروكيماويات, تضاهي المشروعات المماثلة في الدول المتقدمة من حيث التكنولوجيا المستخدمة وجودة الانتاج. مؤشرات وتطور وهناك العديد من المؤشرات التي توضح مدى التطور في صناعة النفط والغاز بالدول العربية, ويمكن التدليل على ذلك بما وصلت إليه تلك الصناعة في الوقت الحالي مقارنة بما كانت عليه في بداية عهد تصنيع البترول بالدول العربية قبل ربع قرن. فمن ناحية لا يزيد انتاج النفط الخام في الوقت الحاضر كثيرا عن مستواه قبل عشرين عاما, في الوقت الذي بلغت فيه الدول العربية مراحل متقدمة في تصنيع النفط والغاز, وكذلك في تكرير المنتجات البترولية. كما شهدت العقود الأخيرة زيادة متواصلة في كميات الغاز الطبيعي التي يتم تحويلها إلى سوائل الغاز الطبيعي حتى بلغت حوالي عشرين ضعفا مقارنة بالمستوى الذي كانت عليه قبل عقدين, في ذات الوقت شهدت كميات الغاز الطبيعي التي يتم تسويقها ارتفاعا كبيرا, حيث يصل مستواه الحالي سبعة أضعاف مستواه السابق, كما توسعت طاقات المصافي بالدول العربية مرتين ونصف. تجارة بينية ومما يشجع على زيادة التعاون البترولي ان الدول العربية أصبح لديها عدد كبير من منتجات البترول والغاز التي تتيح زيادة التبادل التجاري بينها فيما يطلق عليه تجارة الصناعة البينية. وهذا النوع من التبادل التجاري منتشر في الدول المتقدمة بين المنتجات في ذات الصناعة, وذلك تلبية للقيود المفروضة على مواصفاتها. فالمواصفات المشددة على جازولين السيارات مثلا تقتضي في الكثير من الأحيان الاستعانة بمشتقات معينة لتعميم استخدام الجازولين الخالي من الرصاص, وهذا بدوره يستلزم الاستفادة من مشتقات محدودة مثل الأوكسجينيات, التي لا تتوفر إلا في عدد من المصانع في بعض الدول العربية. وكمثال على ذلك فإن مصر بدأت باستيراد مشتقات معينة لأول مرة عام 1996 من المملكة العربية السعودية للمساعدة في تنفيذ خطتها الرامية لتحسين نوعية الجازولين المستخدم في السيارات. علاوة على ذلك , أسفرت عمليات تصنيع النفط والغاز عن تنامي الامكانيات الخاصة بالبنية الأساسية (التحتية) في المجالات البترولية المختلفة لدى الدول العربية, حيث نجحت في اقامة شبكة واسعة من مرافق النقل والتوزيع داخل كل دولة. فبالاضافة إلى أنابيب النفط الخام, أنشأت الدول العربية شبكة واسعة من خطوط الأنابيب لنقل الغاز الطبيعي, والمشتقات البترولية, لايصالها إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين داخل كل دولة. هياكل وتكاليف ومما لا شك فيه ان توفر الهياكل التحتية للنفط والغاز وتطويرها داخل كل دولة يساعد على تخفيض تكلفة النقل مع البلدان المجاورة, ففي هذه الحالة تقتصر التكاليف على اقامة المنشآت الاضافية للربط بين الشبكات القائمة, وهذا الوضع يمثل تطورا ملموسا يشجع على التعاون, خلافا لما كان عليه الحال في السابق, حيث كان عدد الشبكات الوطنية قليلا, الأمر الذي تطلب البدء بانشاء خطوط جيدة لتغطية كامل المسافة داخل البلدين المتجاورين, وفيما بينهما, عند التفكير باقامة مشروعات للربط في مجالات البترول. وهناك مصدر آخر لتعاون الدول العربية في مجالات النفط والغاز, يتمثل في تطوير صادراتها الهيدروكربونية, وتعتبر مشروعات تطوير الغاز الجزائري وتصديره إلى ايطاليا واسبانيا, وما صاحبها من اقامة خطوط لنقل الغاز عبر تونس والمغرب أبرز مثال للتعاون, وقد أدى ذلك إلى استفادة البلدين من الغاز الذي يمر عبر أراضيهما. والمثال البارز الآخر هو التعاون بين مصر ودول الخليج العربية بانشاء خط سوميد الذي برهن على نجاح متواصل طيلة العقدين الماضيين. وأوضحت الدراسة ان التطور الكبير في البنية الأساسية لصناعة النفط والغاز, وما تملكه الدول العربية من امكانيات ضخمة في مجال الهيدروكربونات, ادى الى تمهيد الطريق لزيادة التعاون بين الدول العربية. وانعكس ذلك على الأوجه التي اتخذها ذلك التعاون والذي يشتمل على قطاعات عديدة مثل الشركات المنبثقة عن منظمة الاوبك والمجالس الاقليمية العربية وانشاء شبكات لتصدير النفط والغاز وخط الانابيب سوميد وخطوط الانابيب لنقل النفط الخام وخطوط الانابيب لنقل الغاز الطبيعي. شركات وانجازات وقالت الدراسة ان الشركات المشتركة التي أقامتها الأقطار الأعضاء بمنظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول تعد ابزر انجازات المنظمة. ويأتي تأسيس تلك الشركات تنفيذا لما نص عليه دستور المنظمة بشأن (الافادة من موارد الأعضاء وامكانياتهم المشتركة في انشاء مشروعات مشتركة في مختلف اوجه النشاط في صناعة البترول التي يقوم بها جميع الأعضاء أو من يرغب منهم في ذلك) . (الفقرة هــ من المادة الثانية من اتفاقية انشاء المنظمة). ولقد أثبتت العشرون عاما المنصرمة متانة الأسس التي استندت عليها الاوابك في انشاء هذه الشركات, حيث اصبحت الشركات جزءا مكملا لنشاطات الصناعة البترولية في كافة الدول العربية. وتمثل ذلك في الانتعاش الذي شهدته الشركات وتمكنها من تحقيق الارباح, اضافة الى مقابلة الالتزامات الاستراتيجية لاقامتها, وهي مهيأة للتوسع في نشاطها وزيادة مساهمتها في تنمية الموارد البترولية في العالم العربي. أسس ومبادىء ولعل من المفيد التنويه بالأسس والمبادىء التي ترتكز عليها هذه الشركات, والتي ضمنت لها النجاح, وهي الاستقلال والمرونة, والحصول على ضمانات من الدول لاستمرارية عملها. وتحديدا يمكن الاشارة الى تلك الاسس كما يلي: * الاستقلال في الادارة والنشاط, حيث تتمتع كل شركة بكيان قانوني مستقل عن الهيئة التي أسستها وهي المنظمة, من ناحية, وعن الدول الأعضاء, من ناحية أخرى. وهذا المبدأ ينأى بالشركات عن العوامل السياسية التي قد تؤثر على العلاقات بين الدول المساهمة فيها. ويسري مبدأ الاستقلالية على الأجهزة المناط بها انشاء كل شركة, ونشاطها, وكيفية انقضائها. فكل شركة تخضع الى احكام اتفاقية انشائها, وتكون تلك الاحكام نافذة حتى لو تعارضت مع القوانين الداخلية لأي من الدول الاعضاء. وفي الحالات التي تغفل فيها الاتفاقية المنشئة أي حكم, يتم الرجوع الى المبادىء المشتركة في قوانين الدول الأعضاء في الحدود التي تنسجم فيها مع مبادىء تلك الاتفاقية. ويتفرع عن هذا المبدأ الاستقلال المالي والاداري, حيث تكون لكل شركة ذمة مالية مستقلة عن ذمم المساهمين, مما يؤكد الرغبة في ابعاد الشركات عن أية سيطرة انفرادية لأية دولة مساهمة في انشائها. * المرونة والفاعلية, سعت اتفاقيات انشاء الشركات الى التوفيق بين مفاهيم القطاع العام والخاص, عن طريق التقليل من الآثار التي قد يؤدي اليها الافراط في الطابع الحكومي للشركات, وذلك بالنص على انها تعمل على اساس تجاري وبقصد الكسب. وهذا يضفي على أعمالها طابع النشاط الخاص, الذي يفرض التوفيق بين الاعتبارات التجارية والأهداف الاستراتيجية. كما تركت الاتفاقيات الباب مفتوحا أمام القطاع الوطني الخاص في الدول الأعضاء للدخول في هذه الشركات المشتركة. * ضمان استمرارية الشركات, إذ التزمت الدول الأعضاء بمجموعة من الامتيازات والحصانات والإعفاءات تجاه الشركات المشتركة, وذلك لرفع القيود على نشاطاتها, وضمان استمراريتها. كما تلتزم الأقطار الأعضاء بالامتناع عن الاستيلاء على الشركات وأموالها وأصولها, أو تأميمها, إضافة إلى الالتزام بإعفاء الشركات من القيود المتعلقة بالاستيراد, وانتقال الأموال, والعاملين بها, وحماية حقوق الشركات على المستوى الدولي. وتتعهد الدول بأن تسهل للشركات جميع الأعمال المتصلة بأغراضها, وأن تمنحها الأفضلية التي للشركات الوطنية, وفي مجموعة الإعفاءات المالية, والضريبية, والقروض. آفاق مستقبلية وحول آفاق التعاون البترولي بين الدول العربية في المستقبل, قالت الدراسة ان زيادة التعاون في تجارة الغاز الطبيعي تعتبر من أبرز الأمثلة التي يمكن ان تفيد الدول المستوردة والدول المصدرة في آن واحد. فارتفاع قيمته الاقتصادية كبديل للمنتجات البترولية يشجع الدول المستوردة على التوسع في استخدامه في القطاعات المختلفة. في الوقت ذاته فإن الانخفاض النسبي لما تحصل عليه الدول المصدرة من عائدات على تجارته مع الأسواق الرئيسية يدفع الى استهلاك اكبر كميات ممكنة في السوق المحلية, وفي الاسواق المجاورة. إضافة الى ذلك, تستفيد بعض الدول العربية من تصدير الغاز الطبيعي بواسطة الأنابيب التي تمر عبر أراضيها. لقد بدأ ذلك التعاون بالفعل بين دول المغرب العربي منذ عدة سنوات نتيجة للتوسع في صادرات الغاز الجزائرية المتجهة الى إيطاليا في خطوط الأنابيب التي تمر عبر تونس. ثم امتد ذلك التعاون الى المغرب في العامين الأخيرين نتيجة تدشين خط الغاز الجزائري الى اسبانيا والبرتغال. أما في دول مجلس التعاون الخليجي فإن مشروع ربط دول المجلس بخط أنابيب الغاز مازال في مراحل التخطيط والدراسة. وقد أجرت منظمة الخليج للاستشارات الصناعية دراسة للمشروع الذي يهدف الى إقامة خط لأنابيب الغاز, تتولى إنشاؤه شركة من القطاع الخاص الخليجي, وفق مبدأ (البناء, الملكية, والتشغيل, وذلك لنقل الغاز من دولة قطر الى الدول الأخرى بمجلس التعاون.