تتجدد الانتقادات الموجهة ضد صندوق النقد الدولي وتتعالى نبرتها في الصحافة الاقتصادية والمالية بعد أن سقطت البرازيل بقوة في دائرة الأزمة, وتهدد بجذب بقية أمريكا اللاتينية معها إلى حالة من الذوبان في القارة كلها , مماثلة لما حدث في آسيا منذ فترة. لكن تظل مسألة صندوق النقد عرضا جانبيا عند وضعه إلى جوار الصورة الحقيقية للمشكلة وملامحها. إن مفتاح المشكلات العالمية التي يشهدها عالمنا اليوم نجده في اليابان. فاقتصاد اليابان يفوق في حجمه اقتصادات كل الدول التي عانت من حالة الذوبان تلك أو التي تتهددها الحالة مجتمعة. وليس لصندوق النقد الدولي مكان في حلقة اتخاذ القرار باليابان ببساطة لأن اليابان لا تحتاج إلى قروض صندوق النقد, بل إن أحدا لا يتقدم إلى الصندوق بطلب المشورة والنصح حول المسألة اليابانية. لذا, فإنه مهما أحسن الصندوق في أدائه لوظائفه حول العالم, فإن المشكلات الرئيسة في العام 1999 لن تحل من دون استعادة اليابان لعافيتها. إن صندوق النقد يديره أشخاص على قدر كبير من الذكاء والحصافة, وهم يفهمون الاقتصاد الدولي وآلياته جيدا. نعم يمكن للصندوق ولهؤلاء الأشخاص أن يرتكبوا أخطاء وقد ارتكبوا مثل هذه الأخطاء بالفعل, لكن عندما يثبت الصندوق فشله بصورة مستمرة ومنتظمة في الحيلولة دون انتشار التدهور وإيقافه تماما, وهو ما أثبتته الأزمتان الآسيوية والروسية, فلابد من أن يلفتنا ذلك إلى أن الصندوق هنا مطالب بأن يقوم بوظيفة لا يملك الأدوات اللازمة للقيام بها. كذلك, فإن الصندوق لا يعمل على نحو مباشر, بل بصورة غير مباشرة تمر عبر الحكومات الوطنية, وهو ما يفسر عدم فعاليته وجدوى خطواته في كثير من الأحيان. فإذا افترضنا أن آلان جرينسبان, رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي, لا يمكنه التعامل مع بنوك نيويورك إلا من خلال عمدة مدينة نيويورك, فإن سياساته ستكون عاجزة عن تحقيق المراد منها بطبيعة الحال, أما واقع الأمر فيقول إنه يصدر أوامره مباشرة إلى البنوك. بينما لا يملك صندوق النقد هذه السلطة بل عليه دائما المرور عبر الحكومات الوطنية. وهكذا, فإنه عندما تكون الحكومات عاجزة, كما هي الحال في روسيا وإندونيسيا والبرازيل, فإن حلول صندوق النقد تبقى من دون تنفيذ, بغض النظر عما إذا كانت هذه الحلول سليمة أم غير ذلك. ولا يهم كثيرا ما تعد الدول بالقيام به مادامت لا تستطيع تنفيذ ما تعد به, بل إن الروس أخذوا يتباهون علنا بأنهم كذبوا على صندوق النقد حول ما كانوا يقومون به. وتقدم إندونيسيا مثالا واضحا لهذه الحقيقة. فهي دولة تشبه إلى حد ما الاتحاد السوفييتي السابق, إذ لا شيء يجمع أجزاءها المختلفة سوى القوة العسكرية, وعلى عكس الصين مثلا, ليس لإندونيسيا تاريخ عريق كدولة. وهي موطن للغات وأديان وجماعات اثنية عدة, وتتألف من آلاف الجزر الممتدة عبر آلاف الكيلومترات, ولا يجمع بينها إلا القليل. وكان الهولنديون قد أقاموا مستعمرة الهند الشرقية بعد أن غزوا هذا العدد الضخم من الجزر. وحتى بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية فإن النظامين العسكريين اللذين توليا الحكم منذ حصول اندونيسيا على الاستقلال لم ينجحا في تشكيل كيان متماسك للدولة في إندونيسا مثلما نجح الروس من خلال القوة العسكرية في بناء دولة قوية ومتماسكة ـ حتى وإن كان لبعض الوقت ـ هي الاتحاد السوفييتي السابق. إنه من غير المحتمل تماما أن تظل إندونيسيا دولة واحدة متماسكة. لكن مادمنا لا نرى خطوطا مثل تلك التي رسمت بين الدول عبر التاريخ, حتى وان زالت مؤقتا كما رأينا في الاتحاد السوفييتي السابق, فسيمر وقت طويل قبل أن تنقسم الجزر الإندونيسية إلى أقطار مختلفة. فلم تكن هناك دويلات شهدها تاريخ هذه الجزر, لكنها ستنقسم في النهاية, إذ بالتدريج سيقوم هذا الجنرال أو ذاك بإعلان نفسه قائدا لهذه الدولة أو تلك. وبقدر بساطة المشكلة بقدر صعوبتها عند محاولة البحث عن حل لها. هناك اقتصاد معولم يبرز إلى السطح ليحل محل الاقتصادات الوطنية, مثلما حدث عندما حلت الاقتصادات الوطنية محل الاقتصادات المحلية قبل مئة عام تقريبا. وسيحتاج هذا إلى بعض التنظيم, وهو ما كان يمكن أن يتم لو أنه كانت هناك حكومة عالمية بصورة ما, لكنها ليست قائمة, ولن تقوم. والنتيجة هي أن الكل سيمارس ما يحلو له من لعب في الاقتصاد العالمي, حيث لا تنظيم نافذ ولا مقرض فعال يمكن اللجوء إليه في نهاية المطاف عندما تضيق السبل.. كل السبل. وتعلمنا التجارب أن هذه الوضعية تفضي إلى حالة من عدم الاستقرار في الأسواق المالية والأداء الاقتصادي بوجه عام, لكنها الصورة التي ستصير إليها الأمور على أية حال. وربما يكون الخطأ الأكبر الذي ارتكبه صندوق النقد الدولي هو السماح لأولئك الذين يشهدون حالة (الذوبان) أو يقفون على حافتها أن يظنوا أنهم يمكنهم العثور على مخرج من المأزق الذي يعيشونه من خلال التصدير. لكن علم الرياضيات يقول إن هذه (الحسبة) لا يمكن لها أن تتم هكذا, وإذا ما سئلت هذه الدول عما تحتاجه من حجم صاف للصادرات حتى يمكن لاقتصاداتها أن تواصل نموها, وجمعنا الاجابات معا, فإن الحجم الاجمالي لهذه الصادرات سيتراوح ما بين 250 و300 مليار دولار. على الجانب الآخر, لابد من أن يكون هناك من هو مستعد لأن يستورد هذه الصادرات, والمشكلة أن الكل يفترض أن هذا المستعد لابد وأن يكون الولايات المتحدة, لكن الولايات المتحدة كانت تعاني من عجز تجاري تبلغ قيمته 160 مليار دولار في منتصف العام قبل الماضي, أي عندما كانت حالة (الذوبان) في طور البداية في دول شرقي آسيا, الآن تصل قيمة العجز التجاري الجاري إلى نحو 300 مليار دولار, ويتوقع له كثيرون أن يصل إلى 350 مليارا بنهاية العام الجاري. لقد أخبر رئيس منظمة التجارة العالمية الأمريكيين أن زيادة صغيرة في العجز التجاري لن تلحق بهم الكثير من الأذى. هل من المفترض أن يكون ملايين الأمريكيين مستعدين لأن يفقدوا أعمالهم ذات الرواتب المرتفعة في الصناعات التصديرية وينتقلوا إلى وظائف القطاع الخدمي, حيث الرواتب أقل؟! وما يحدث في مجال صناعة الصلب الأمريكية, حيث تهبط الأسعار بقوة ويتهاوى حجم الانتاج ومعدلات التشغيل يمكن أن يحدث في صناعات أخرى عدة.. كل هذا يحدث ولا أحد يكترث على الساحة السياسية. وحتى لو كان هذا صحيحا من وجهة نظر السياسة, وهو ما لا أعتقد صحته, فمن غير الواضح قدرة الولايات المتحدة على تحمل عجوزات تجارية بهذا المستوى الهائل اقتصاديا. ولابد من العثور على من يمكنه إقراض الولايات المتحدة المال اللازم لسد العجز التجاري. ومثل هؤلاء لابد من أن يساورهم القلق على مالهم وهم يرون العجز التجاري الأمريكي ينمو بسرعة كبيرة. وسيظل هذا صحيحا حتى لو ظل الدولار هو العملة الرئيسية التي لا تنازعها عملة أخرى في خزائن الاحتياطي العالمي, لكنه سيكون صحيحا على نحو مضاعف عندما نرى اليورو يتنافس مع الدولار على لعب هذا الدور في الاقتصاد العالمي. وحتى في الدول التي تحتاج حكوماتها إلى قروض صندوق النقد الدولي, لن يلعب الصندوق سوى دور ثانوي في تحديد من ينجح ومن يخفق. الدور الرئيسي للصندوق هو ليس توفير السيولة لمن يحتاجها, على الرغم من أهمية مثل هذا الدور, بل تحمل المسؤولية عن سياسات لابد من فرضها وتوفير دعم سياسي ما للحكومات التي تفرض هذه السياسات. وليس ضروريا أن تنتخب إدارة الصندوق, فدورها الصحيح هو تحمل المسؤولية ـ واللوم أحيانا ـ عن سياساتها الجيدة لكن غير الشعبية أو الجماهيرية. إن الحكومات, وليس صندوق النقد, هي التي ستحقق الفارق بين النجاح والفشل الاقتصادي. ولا يعطي المال الذي يقدمه صندوق النقد سوى القليل من المساحة الاضافية للحكومات للتصرف, علما بأن 61 حكومة من حكومات الدول الأعضاء البالغ عددها 182 دولة تعمل مع الصندوق وتحتاج إليه. العميد السابق لكلية سلون الأمريكية للإدارة