ان دول المجلس بدأت ومنذ العقد الماضي بايلاء اهتمام متزايد بانشاء وتطوير اسواق الاوراق المالية فيها نتيجة لقناعتها بالدور الهام الذي يمكن لهذه الاسواق ان تلعبه في مسيرة التنمية من خلال تعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو الاستخدامات الاكثر كفاءة وتوفير التمويل طويل الاجل للمشروعات الاقتصادية. وفي هذا الاطار, انشأت اربع دول وهي الكويت والبحرين وعمان وقطر اسواقا منظمة للاوراق المالية, واستخدمت السعودية نظاما الكترونيا متطورا لتداول الاسهم بواسطة المصارف تديره مؤسسة النقد العربي السعودي, وتسعى الامارات لانشاء سوق منظمة للاوراق المالية حيث يتم التعامل بالاسهم حاليا عبر اسواق غير رسمية. الا ان اسواق المال الخليجية تواجه حاليا العديد من الصعوبات تحول بينها وبين الدور الاقتصادي المفترض ان تعلبه, وتتمثل هذه الصعوبات في ضآلة عدد الشركات المساهمة ومحدودية الاوراق المالية المعروضة القابلة للتداول والتي تقتصر في الغالب على الاسهم فقط. كما تركز تداول الاوراق المالية في ايدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول الى ممارسات وتقلبات غير موضوعية. كما تفتقر هذه الاسواق الى وجود مؤسسات متخصصة تدعم وتعزز من دورها الاقتصادي كالوسطاء الماليين وشركات وبنوك الاستثمار التي تقوم باعداد الدراسات المالية اللازمة وتقديم الخدمات الاستشارية للمتعاملين في الاسواق المالية. اضافة الى ذلك هناك نقص حاد في التشريعات والقوانين التي تحمي المستثمرين والمتعاملين في الاسواق المالية وبما يؤكد الثقة بها ويقلل من مخاطر الاستثمار فيها. كما توجد ايضا حاجة ماسة لانشاء هيئات مستقلة برأسمال مشترك - عام وخاص - تكون لديها الصلاحيات في الاشراف على الاسواق المالية واوراقها بما يحقق التوازن في العرض والطلب لمقاومة التحركات الشاذة للاسعار وهو مايطلق عليه اصطلاحا بصانعي السوق. ان تجاوز هذه الصعوبات والعقبات يستدعي ضرورة تحسين شروط تشغيل أسواق المال من حيث انظمة المتاجرة والمعلومات المتوفرة للمتعاملين والرقابة على التحركات السعرية والتداول الداخلي وسرعة تخليص التعاملات وقواعد الافصاح المالي وقوانين حماية المستثمرين فيها. اما على مستوى الاقتصاد الكلي فان المطلوب اعادة النظر في مفهوم ودور اسواق رأس المال بحيث يتم ربطها باهداف اكثر عملية ووضوح وقابلية للتنفيذ بعيدا عن الشعارات المجردة. ان الحديث العام والمجرد عن دور هذه الاسواق في حشد المدخرات وفي تحويل هذه المدخرات الى استثمارات منتجة, وكذلك دورها في تنفيذ برامج التخصيص وفي تسهيل عمليات الرقابة المالية والنقدية, وفي خلق بيئة اكثر عدالة لتوزيع الثروة وغيرها من الاهداف العامة, نقول ان هذا الحديث ظل وللاسف مجرد حديث دون ان يجد طريقة للتنفيذ بصورة عملية, لذلك فانه من الضروري ان يتم النظر بصورة عميقة في كل من هذه الاهداف وايجاد آلية عملية لربطها وبصورة ما بالنشاط الذي تؤديه اسواق المال, وبالتالي خلق تفاعل ايجابي بين الاثنين. ولعل التجارب الاسيوية الناجحة في تنمية دور اسواقها المالية - على الرغم من انهياراتها الاخيرة - قد اعتمدت بصورة رئيسية على ربط هذا الدور بشكل عملي باحتياجاتها التنموية في كل مرحلة من المراحل.