لاشك ان اي مشروع اقتصادي لابد له من مقومات واسس يرتكز عليها. وقد اتفق الاقتصاديون على تسمية تلك المقومات بعناصر الانتاج. وتتمثل تلك العناصر بالعمل ورأس المال والارض والتكنولوجيا والخبرة والمعلوماتية. ورأس المال بالطبع بعضه نقدي وبعضه عيني وبعضه معنوي, ونحن في دولة الامارات بشكل خاص ودول الخليج العربية بشكل عام اعتمدت استراتيجيات التصنيع لدينا على الانفتاح للعالم الخارجي واعتمدنا بشكل كبير جدا على استيراد عناصر الانتاج المذكورة جميعها وبدرجات متفاوتة. ان ذلك ليس عيبا فينا ولا في الاستراتيجيات والخطط المتبعة في سياسات التصنيع المحلية ولكنه واقع فرضته ظروف المنطقة, ولاشك ان الخطوات الاولى من اتباع سياسات التصنيع (الصناعات التحويلية بشكل خاص) تفرض علينا وعلى اية دولة حديثة العهد بالتصنيع استيراد كافة عناصر الانتاج غير المتوفرة محليا غير انه لابد وان تكون لدينا خطة مدروسة وواضحة واستراتيجيات وسياسات اقتصادية مدروسة كذلك لاحلال عناصر الانتاج الاجنبية محل عناصر الانتاج الوطنية وبشكل تدريجي. ان التوطين لايعني فقط توطين القوة العاملة وان كان ذلك مهما جدا واساسيا الا ان التوطين بمعناه الشامل يشمل توطين كافة عناصر الانتاج المذكورة آنفا. اي لابد من وضع خطة بعيدة المدى لتوطين القوة العاملة وتوطين رأس المال وتوطين الارض (ويشمل مفهوم الارض كافة المواد الاولية والمواد الوسيطة المصنعة الداخلة في عملية التصنيع كمدخلات للصناعة) وكذلك توطين التكنولوجيا وتوطين الخبرة وتوطين المعلومات. ان دخول رأس المال الاجنبي الى الدولة (بأية صورة كان) لايعتبر بحد ذاته ظاهرة سلبية وانما هو ظاهرة صحية ايجابية فرأس المال الاجنبي عندما يدخل الى الدولة يعبر دخوله عن عدة معان اهمها: 1ــ قد يكون دخول رأس المال الاجنبي تعبيرا عن ثقة الاجانب الزائدة بالاستثمارات المحلية, وبالتالي يعتبر دخوله الى الدولة برغبة وايرادات اصحاب رؤوس الاموال, وكما يقول الاقتصاديون ان رأس المال جبان يهرب الى حيث الامان, ولكن في الحقيقة فإن رأس المال لايمكن ان نطلق عليه هذه الصفة وانما هذه الصفة يمكن ان تطلق على اصحاب رؤوس الاموال الذين يبحثون بالفعل عن الامان والثقة لرؤوس اموالهم. 2ــ قد يكون دخول رأس المال الاجنبي بسبب ارتفاع معدلات الفائدة على الودائع في الدولة مقارنة بمعدلاتها في الخارج. 3ــ قد يكون دخول رأس المال الاجنبي بسبب الثقة الزائدة بالعملة المحلية وبالنظام النقدي والمصرفي المحلي والحرية التي تمنحها الدولة في عمليات تحويل العملات ورؤوس الاموال وبدون قيود تذكر. 4ــ وقد تكون الدولة ذاتها هي التي تجذب رؤوس الاموال والتكنولوجيا الى الداخل بهدف الاستفادة منها واستثمارها حيث توجد لها فرص استثمار كبيرة متاحة في الاسواق المحلية. ومهما كانت الاسباب التي تؤدي الى دخول رأس المال الاجنبي الى داخل الدولة فالنتيجة واحدة وهي ان ذلك يعبر عن انفتاح الدولة على العالم الخارجي وتبنيها لسياسة الحرية الاقتصادية. ان كون رأس المال والتكنولوجيا المرتبطة به وكذلك المعلومات عناصر حيوية من عناصر الانتاج لايستقيم الانتاج الا بها فهي بلاشك تساهم مساهمة حيوية وفعالة في العملية الانتاجية وتؤدي بالفعل الى زيادة الناتج المحلي ومن ثم زيادة مستوى الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ورفع معدلات التنمية الاقتصادية, غير ان دخول رأس المال الاجنبي والتكنولوجيا والمعلومات المرتبطة به لها سلبيات عديدة, وان اهم تلك السلبيات واخطرها على الاطلاق هي الخروج المفاجىء لرأس المال في حالة حدوث اي اضطراب او اسباب (عكس الاسباب الاربعة التي ذكرناها): ان الخروج المفاجىء لرأس المال الاجنبي من الدولة قد يؤدي الى ازمات اقتصادية حادة جدا وقد يؤدي الى انهيار الاقتصاد القومي بالفعل وذلك كما حدث في جنوب شرق آسيا. ومن هذا المنطلق فإن على الدول حديثة العهد بالتصنيع ودولة الامارات واحدة من هذه الدول ان تسعى جاهدة الى العمل على ضمان استقرار العوامل الجاذبة لرأس المال الاجنبي وتوفير المناخ الاستثماري الملائم له في حالة اعتماد الصناعات المحلية عليه, وبالمقابل لابد للدولة من وضع خطة طويلة الاجل للاحلال التدريجي لعناصر الانتاج الوطنية محل الاجنبية ويأتي على رأس تلك العناصر رأس المال والتكنولوجيا والمعلوماتية. د. محمد ابراهيم الرميثي