ما زالت اسعار البترول في انخفاض مستمر مما اثار قلق الاوساط المختصة. ولم يكن صعوده الى 12 دولارا للبرميل سوى شيء عابر اذ سرعان ما عاد الى الانخفاض . وما زال الانتاج العالمي مستمراً في الارتفاع اذ وصل الانتاج الى 27.16 مليون برميل في اليوم. جان ماسيرون, استاذ الاقتصاد ومدير مؤسسة البترول في المعهد الفرنسي للبترول يعطي تحليلاته وتوقعاته للتطور المحتمل لأسعار البترول العالمية في حوار مع (البيان) وفيما يلي نص الحوار. أزمة جديدة * لم تتوقف أسعار البترول عن الهبوط منذ عام. هل ستبقى الاسعار على حالها منخفضة. وهل يمكن مقارنة هذه الازمة بأزمة عام 1986؟ ــ ان ازمة عام 1986 نتجت عن رغبة المملكة العربية السعودية في عدم تحملها وحدها التضحيات الضرورية في توازن السوق. ولذلك فإن هذا البلد الأول في الانتاج النفطي في العالم, زاد من انتاجه النفطي, كما ان عودتها الى غزو السوق بحصتها من الانتاج ادى الى انهيار الاسعار والتي وصلت في حينها الى 8.3 دولارات للبرميل الواحد في نهاية اغسطس 1986. ولكن الطلب كان مدعوما, فازدادت الاسعار الى 12 دولارا للبرميل في شهر ديسمبر وإلى 15 دولارا للبرميل في السنة اللاحقة. نحن الآن في سياق مختلف تماما اذ ان بطء سير الاقتصاد العالمي ادى الى تراجع الطلب على البترول. كما ان نمو وتطور استهلاك المادة الخام كانت نسبته تقدر بــ 1.5 بالمائة في العام, في السنوات الاخيرة تراجع الى 0.5 بالمائة. وبمواجهة هذا التراجع, واصل العرض تطوره بالنسبة الى (الاوبيب), في البلدان المنتجة للبترول مثل كولومبيا, والارجنتين, وأما البقية فقد تحكمت به آليات السوق. أقل الأسعار * هل تسعير البترول بــ 12 دولارا للبرميل, القيمة الحقيقية, أم هو أقل الاسعار المسجلة في نظركم؟ ــ في بداية اكتوبر من عام 1973, عشية حرب اكتوبر والصدمة البترولية الاولى, كان سعر البرميل من البترول يساوي 3 دولارات أي ما يعادل الآن 13 دولارا, وبذلك فإن الاسعار الحالية دون مستوى سنوات السبعينات. * هل ستبقى الاسعار في هذا المستوى أم انها سترتفع؟ ــ مع سعر من 10ــ12 دولاراً للبرميل, فان جميع الأطراف تعاني, سواء البلدان المنتجة, أو الشركات الوطنية, أو الشركات العالمية ذلك لأن الضغط الذي يمارس عليها قوي وحاد للغاية. لذلك يجب أن تتدارك هذا الضغط. وإذا لم تقع أحداث استثنائية, فينبغي انتظار صعود أسعار البترول من 14 ــ 15 دولاراً للبرميل الواحد قبل حلول شهر أكتوبر المقبل. ويعتبر هذا المستوى من الارتفاع في الأسعار متواضعا إذا ما تذكرنا بأن سعر البرميل من البترول كان يساوي 21 دولاراً للبرميل الواحد. * ألا تعتقدون أن عودة العراق, وهذه حتمية لابد منها, من الناحية المبدئية, رغم أنها غير مؤكدة حتى الوقت الحاضر, سوف يؤدي الى هبوط جديد في أسعار البترول؟ ــ إن رفع الحصار عن العراق هو قرار سياسي بالدرجة الأولى وليس له علاقة بتقنيات البترول, وما يمكنني قوله, بالمقابل, فإن ذلك يتطلب مدة ستة أشهر وبضع ملايين من الدولارات من أجل إصلاح أنابيب البترول والأجهزة الأخرى, وباختصار وضع آلية التصدير البترولي في أوضاع جيدة. أعتقد أيضا, أنه في اليوم الذي يتمكن فيه العراق من تصدير بتروله بحرية, فإن التطور السياسي سوف يصل الى المستوى الذي يستفيد منه البلد من قدوم رؤوس الأموال إليه. وإذا ما تحقق ذلك, فإن إنتاجه البترولي سوف يصل الى 2 ــ 3 ملايين برميل في اليوم كما كان قبل حرب الخليج. وباستثمار قدره 500 مليون دولار, فإنه قادر على إنتاج 5 ملايين برميل في اليوم الواحد, إن هذا القدر من الانتاج سيؤدي الى انخفاض الأسعار بصورة حتمية. ولكن العراق, يحتاج في هذه الحالة, الى تحسين علاقاته مع جيرانه من البلدان المنتجة للبترول. وعلى بغداد أن تحرص على عدم انخفاض اسعار البترول الى أقل من 12 دولارا للبرميل الواحد. الاستثمار الأجنبي * جميع الدول المنتجة, باستثناء المكسيك, فتحت أبوابها لعمل الشركات العالمية, هل تعتقد بأن ذلك من شأنه ان يؤدي الى ارتفاع الكمية المنتجة, أو أنها ستعمل على نقل الاستثمارات من مكان الى آخر؟ ــ ينبغي التمييز بين الشركات العالمية والشركات الأمريكية المستقلة, فالشركات الأخيرة تعمل في الولايات المتحدة وكندا, ولا تتدخل إلا نادرا في دولتين أو ثلاث دول أجنبية. أرى من الصعوبة أن تعود هذه الشركات للعمل بشكل كثيف في ليبيا أو إيران, على سبيل المثال. والشركات الأجنبية تعمل في الخارج منذ زمن طويل, ومن الطبيعي أن تلجأ هذه الشركات للعمل في البلدان التي تقدم لها أرخص التكاليف. وأما على الصعيد العالمي, فإن هذه الحركة لها مدلولاتها, ولكنها لا تقدم نموا مضطردا وسريعا للكميات المنتجة من البترول. وبالمقابل, فإن ذلك سيواصل خفض تكاليف الاكتشاف والانتاج. وهذا عنصر يؤثر على المدى الطويل, من خلال المحافظة على أسعار معقولة للبترول. * تشهد صناعة البترول عمليات دمج الشركات مثل (بي بي مع أموكو) و (إكسون مع موبيل).. هل سوف تستمر هذه العمليات وما هو أثرها؟ ــ إن الهدف من هذا الاندماج بين الشركات, على الصعيد الاقتصادي, هو تحسين الإيرادات, ولكنها لم تتغير. وما يصدمني, أنه منذ خمسة عشر عاما, فإن الشركات البترولية خسرت مواقعها في تسلسل الشركات العالمية الكبرى, وذلك في صالح شركات إنتاج الطاقة الذرية أو الالكترونية.. إن دمج الشركات لم يحقق سوى أنه اعطاها مكانتها الضرورية لها, وهي شركات تصل استثماراتها الى المليارات من الدولارات, وتنتج المواد الأولية الأكثر ضرورة بعد الغذاء. ويمكن القول إن الشركات البترولية كانت على الدوام تتحكم بها مجموعة شركات تسير عمل خمسين شركة, وهذه ناتجة عن ضرورة مواجهة المنافسة. فالاندماج إما أن يأتي من جمع الاختصاصات أو من جمع رؤوس الأموال, وعمليات الدمج تتطلب وقتا طويلا. باريس ــ شاكر نوري