فجر فوز شركة (جلاسكو ويلكام) البريطانية العالمية للأدوية بصفقة شراء شركة (آمون) المصرية للصناعات الدوائية تباينا في الأوساط الاقتصادية المصرية خصوصا ان آمون تستحوذ على 9% من حجم سوق الدواء المصري البالغ نحو 3.5 مليارات جنيه . ورغم ان القطاع الاقتصادي في مصر شهد عدة صفقات ببيع مشروعات وطنية ناجحة للأجانب في تجارب مشابهة مثل شركتي دولسي نستلة, و (بم بم) إلا ان اختلاف آراء خبراء الاقتصاد حول جدوى تلك الصفقة يأتي مدعما بعدة اعتبارات منها التخوف من قيام احتكارات أجنبية وانعدام المنافسة التي هي في النهاية في صالح المستهلك فضلا عن ان هذه الصفقات في قطاع يشهد جدلا كبيرا منذ فترة وضغوطا أمريكية للجات التي منحت للشركات الوطنية في مجال براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية المعروفة باسم (التريبس) . ورغم ان عددا من الخبراء الاقتصاديين في مصر يعتبرون تلك الصفقة ضرورة اقتصادية مهمة وغاية سامية في عرف الاقتصاد الحر الذي يسعى بشكل دؤوب لجذب الاستثمارات الأجنبية والاندماجات العالمية لخلق كيانات اقتصادية ضخمة تهدف زيادة الجودة وتقليل التكلفة الانتاجية إلا ان المعارضين من الاقتصاديين يرون في تلك الصفقة نذير خطر حيث تأتي قبل عامين فقط من انقضاء الفترة الانتقالية, والتسليم للأجانب في هذا القطاع الحيوي, والهروب من شدة المنافسة المقبلة واكتفاء القطاع الخاص المصري في مجال الادوية بما حققه من عوائد طوال الفترة الماضية والاستفادة من الاعفاءات ومزايا الاستثمار تحمل مسؤوليته في صد الهجوم المتوقع من رؤوس الاموال الاجنبية في هذا القطاع الحيوي رافضين وصف هذه الصفقة انها (بالاندماج) بل الصحيح انها تصفية واستحواذ من قبل شركات عالمية اجنبية على السوق المصري للدواء مشيرين الى تساؤلات هي.. لماذا لم تلجأ الشركات الاجنبية الى تأسيس شركات جديدة في مجال الدواء ومنح رؤوس اموال جديدة في شريان صناعة الدواء في مصر بدلا من شراء شركة مالية قائمة فعلا خصوصا ان مزايا عديدة كانت ستتاح ضريبية وجمركية. حجم الاستثمارات وتقدر حجم استثمارات صناعة الدواء ومستحضرات التجميل في مصر نحو مليار جنيه, ورأسمالها المدفوع بلغ نحو 652 مليون جنيه تستوعب 42 منشأة صناعية نحو 8.3 الاف عامل يغطي الانتاج المحلي بنسبة 93% من الاستهلاك المحلي مقابل 5% عام 1967 وفي الوقت الذي تصدر مصر ماقيمته نحو 93 مليون جنيه سنويا من الادوية في التسعينات مقابل 117 الف جنيه فقط من الستينات ولاشيء في الخمسينات استوردت ادوية عام 1998 بقيمة 508 ملايين جنيه بزيادة قدرها 16% عن عام 1997 نتيجة عجز الانتاج المحلي عن تغطية الاستهلاك الكلي. وارتفع الاستهلاك المحلي في مصر من الدواء من 4.8 ملايين جنيه سنويا في الخمسينات الى 14 مليون جنيه في الستينات, ليصل الى 766.6 مليون جنيه في التسعينات ويقفز عام 94/95 الى 2.770 مليار جنيه الا ان بدء سريان اتفاقية (التريبس) سيدمر تلك الصناعة حسب دراسات اتحاد الصناعات المصري في غضون 5 الى 15 سنة قادمة مما دعا الرئيس المصري حسني مبارك الى اقرار عدم انهاء الملكية العامة في شركات الادوية لاقل من 60% من اسهم شركات الدواء القابضة حماية للمواطن وعدم تحريك الاسعار ومنعا للاحتكار خصوصا ان التريبس سترفع تكاليف استيراد الدواء والمواد الاساسية للصناعة من 3 الى 12 مليار جنيه سنويا. ومن جانبه قال الدكتور نجاد شعراوي رئيس شركة جلاسكو ويلكام مصر) ان الصفقة التي بلغت قيمتها 400 مليون جنيه لشراء شركة آمون بنسبة 90% من اصولها بسعر السهم الف جنيه حيث استحوذت على 400 الف سهم حصلت اوائل يناير على كامل اسهم الشركة بالكامل عبر شراء نسبة 15% من البورصة من حوزة صغار المستثمرين بواقع الف جنيه للسهم ليتم الاندماج بالكامل لافتا انه ارتفع نصيب جلاسكو بتلك الصفقة من 6 الى 9% من اجمالي سوق الدواء في مصر. فضلا عن حصول الشركة على ملكية 30 مستحضرا من مجموع مستحضرات الشركة آمون في كل من السوق المحلي والتصدير. حرية السوق وزير الاقتصاد المصري الدكتور يوسف بطرس يؤكد عدم تدخل الحكومة المصرية في الصفقة مبررا ذلك انه تأكيدا على حرية القطاع الخاص ومبادىء السوق الحرة. ويقول بطرس ان الصفقة بهذا الحجم يعني نجاح هذا الجيل من رجال الاعمال المصريين في انشاء مشروعات كبيرة ناجحة ويتم تداولها بالبيع والشراء بينهم وانشاء مشروعات اخرى اكبر فضلا عن انها شهادة على نضج القطاع الخاص في مصر وانتقاله من مرحلة الانتاج الاستهلاكي الى مرحلة الصناعات الرأسمالية الكبيرة موضحا ان ذلك المناخ هو الذي سيجذب الشركات متعددة الجنسيات والعالمية للاستثمار الضخم في مصر. والمدهش انه بعد تلك الصفقة قال سفير بريطانيا في القاهرة ديفيد بلازويك ان الشركات متعددة الجنسيات لاتقبل عادة على اقامة استثمارات في الدول النامية الا ان تطور مناخ الاستثمار في مصر مؤخرا على حد قوله بشكل واسع ادى الى جذب مثل هذه الاستثمارات وجعل شركة مثل (جلاسكو ويلكام) تسعى لتوسيع نشاطها في مصر وضخ استثمارات جديدة. اما علي الهجان وكيل غرفة صناعة الدواء في اتحاد الصناعات في مصر ينتقد تلك الصفقة ويحذر من انها بداية لسيطرة الاجانب ثانية على سوق الدواء في مصر بعد تمصيرها في الستينات. والتفاف على رغبة تلك الشركات العالمية ــ متعددة الجنسيات ــ في اسقاط مصر حقها في فترة الانتقالية (للتريبس) التي تنتهي عام 2000 وتسمح لها طلب الحصول على خمسة أعوام قادمة لتطوير تلك الصناعة وأبحاث الدواء بدعوى زيادة استثماراتهم في هذا القطاع. ويؤكد الهجان أن المدهش أن تقوم نفس الشركات البريطانية والأمريكية التي تساندها حكوماتها في شراء الشركات المحلية القائمة في قطاع الدواء خطوة خطوة للسيطرة على السوق وتقليل فرص المقاومة لرغباتهم الاحتكارية مطالباً سرعة إصدار قانون منع الاحتكار, وتطوير مركز أبحاث الدواء وعدم اقدام رجال الأعمال والبيزنيس في مصر على بيع الكيانات الاقتصادية التي تصدى لبنائها المصريون مهما كانت المغريات المالية الضخمة. ويشير وكيل غرفة صناعة الدواء من اتحاد الصناعات المصري الى أن هناك علامات استفهام عن سر ارتفاع تقييم هذه الشركة بشكل مبالغ فيه موضحاً أن ذلك يعتبر إغراء للمستثمر الوطني على ترك مشروعة, واحتكار لاسم تجاري عادة يكون حقق شهرة واسعة وقبولاً لدى المستهلكين. وتوقع الهجان ان يشهد قطاع الدواء عدة صفقات لتصفية شركات قائمة محلية خصوصاً قبل انقضاء الفترة الانتقالية, وتسليم مفتاح صناعة استراتيجية مثل الدواء للأجانب مما يتسبب في عدة مشكلات في سعر الدواء للمستهلك, ونفاذية الدواء المصري للأسواق الافريقية والعربية مما يهدد رصيدنا في هذه الأسواق بعد أن حافظت عليه طوال الأعوام الماضية. قاعدة علمية وبحثية بينما يرى الدكتور ابراهيم فوزي رئيس الهيئة العامة المصرية للاستثمار والمناطق الحرة ان مصر تمتلك قاعدة علمية وبحثيه ضخمة في مجال صناعة الدواء تمكنها من تطوير هذه الصناعة إضافة الى توفر المواد الخام والنباتات المستخدمة في صناعة الدواء مما يؤهل مصر أن تكون مركزاً لجذب الشركات العالمية والمتعددة الجنسيات العاملة في مجال هذه الصناعة. ويضيف فوزي أن حجم السوق العالمية في صناعة الدواء بلغ نحو 260 مليار دولار وإلا فإن حصة مصر في هذا السوق مازالت محدودة رغم كل الامكانيات الكبيرة المتوفرة لهذه الصناعة على أرض مصر وأن مثل تلك (الاندماجات) ستؤدي الى خلق كيانات صناعية كبيرة قادرة على مواجهة تحديات العولمة والمتغيرات السريعة والمتلاحقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي مرحباً بالشركات العالمية والمتعددة الجنسيات للاستثمار في مصر للاستفادة من خدمة الحوافز والاعفاءات والتسهيلات الموجودة مجتمعة في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار ولتحقيق أرباح عالية والعمل قرب الأسواق الواعدة في أفريقيا والدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط. ويشير رئيس هيئة الاستثمار أن إجمالي عدد الشركات الاستثمارية التي تم تأسيسها وفقا لقانون الاستثمار للعمل في مجال صناعة الأدوية حتى نهاية نوفمبر 1998 بلغ نحو 127 شركة رؤوس أموالها المصدرة 4.1 مليار جنيه من بينها 39 شركة تم تأسيسها خلال 11 شهراً الأولى من عام 1998 برؤوس أموال مصدرة نحو 300 مليون جنيه. أما على الجانب المعارض يقف رجل الأعمال مصطفى تركي وأمين عام غرفة تجارة القاهرة السابق قائلاً أن تلك الصفقة تفتح باب مخاوف عدة في مقدمتها أنها تمثل ضررا للصناعة الوطنية خاصة أن هناك منافسة بين أطرافها, والطرق الأجنبي يتمتع بالطبع بالقدره المالية الى التخلص من هذه المنافسة بشراء منافسة وتوسيع استثماراته ليستحوذ على السوق. ويحذر زكي من أن هذه الصفقات تمهد لقيام احتكارات في السوق المصرية مما سيكون له أضرارا سلبية على التنمية والتنافس الذي يخدم مصالح المستهلك, موضحاً ان المستثمر الأجنبي إذا كان جاداً في العمل بالسوق الوطني حسبما يقولون لابد أن يسعى للاستثمار المباشر من خلال إقامة مشروعات جديدة وليس الاعتماد على مشروعات كائنة بالفعل مما يمثل في هذه الحالة اضافة قوية للتنمية الاقتصادية؟ ويشير زكي الى أن الأجانب عادة يسهل تصفية اعمالهم والخروج من الدولة كما أنهم يحولون الارباح للخارج وبالتالي نجد أن المردود الاقتصادي من المشروعات الوطنية أقوى وأبقى متسائلاً لماذا يدفع المستثمر الأجنبي مبالغ طائلة تفوق القيم الحقيقية للشركات المشتراه خصوصاً أن سهم شركة آمون في البورصة عند اعلان الصفقة قفز الى 360 جنيها فقط. بينما نفد البيع بـ ألف جنيه مطالبا تنظيم حساب القيمة الحقيقية للشهرة والاسم التجاري وفق معايير محاسبية وأسس دقيقة. ويشير أمين عام غرفة تجارة القاهرة السابق ان التفسير الأغلب في دفع مقابل مالي هو التخلص من حدة منافسة قائمة في السوق واغراء المستثمر الوطني على ترك مشروعه. تحديات جسيمة ويتفق من جانبه رئيس اتحاد الصناعات المصري السابق الدكتور عادل جزارين معه قائلا ان الصناعة الدوائية في مصر ستواجه تحديات جسيمة خلال الفترة المقبلة في ظل تحرير التجارة وان بعض رجال الصناعة يتخوفون من طبيعة المرحلة المقبلة ويلجأون لبيع مشروعاتهم الصناعية والدخول في استثمارات جديدة أقل من نسبة المخاطرة موضحا ان المرحلة المقبلة هي مرحلة الكيانات الضخمة ولا تستطيع الكيانات الصغيرة الصمود أمام المنافسة وبالتالي فان اندماج الشركات الجارية هو عملية مزورة لمواجهة التحديات الجديدة حيث تستطيع الشركات الضخمة أن تحقق طفرات انتاجية وتكنولوجية عالية مرحبا بدخول شركات متعددة الجنسيات الى السوق الوطنية للاستثمار المباشر دون تصفية شركات قائمة. الا ان سعيد الطويل رئيس جمعية رجال الأعمال يقلل من فقد العارضين للصفقة قائلا أنه لا مجال للتخوف من قيام احتكارات أجنبية في السوق الوطنية وفي حالة شركة جلاسكو فهي لا تستحوذ على أكثر من 9% من السوق بعد شرائها آمون مشيرا الى تنامي مرحلة التنمية والتوسع في الاستثمارات الأجنبية والتي تتنافس عليها أغلب دول العالم خاصة الدول النامية لما تملكه من قدرة على التطوير الفني والاداري ونقل التكنولوجيا. ويشير الطويل الى ان الدولة ترفض الاحتكارات وتعمل على انضباط الأسواق مؤكدا ان المنافسة باقية ومستمرة ومجالات الاستثمار مفتوحة لجميع المستثمرين الوطنيين والأجانب وأن هذه الصفقات تؤكد سلامة أداء الاقتصاد الوطني وثقة رؤوس الأموال الأجنبية في المناخ الاستثماري والأمني والتشريعي المصري. الدور الأساسي ويؤكد رئيس جمعية رجال الأعمال ان المرحلة الحالية والمستقبلية يلعب فيها القطاع الخاص الدور الأساسي في التنمية من خلال اقامة المشروعات والاستثمارات الجديدة وأن الحكومة انسحبت من هذا المجال واقتصر دورها على الإشراف وتهيئة المناخ من أجل انطلاق عجلة التنمية وانتعاش الاستثمارات مشيرا الى ضرورة ان نساند وندعم هذه التجارب ولا نحاربها حتى تزداد المشروعات وتتوسع الاستثمارات وترتفع معدلات النمو. ويفسر الطويل رئيس شركة دولسي سابقا صناعات غذائية للألبان التي بيعت لشركة نستلة العالمية ان من حق اي رجل اعمال ادارة أمواله بالشكل الذي يراه مناسبا وهو بطبيعة تفكيره يسعى دائما لتنويع استثماراته والتحديد في أنشطته وبالتالي فهو يتمتع بحرية كاملة في هذا الشأن متسائلا ما المانع من بيع المشروعات الناجحة, وهل يجب أن تباع المشروعات المتعثرة فقط وما دام المشروع الناجح يباع بقيمة مناسبة تغطي تكاليفه وأعباءه والعائد المتوقع منه في المستقبل فلا يجب أن يتردد رجل الأعمال في البيع ثم توظيف الأموال في استثمارات جديدة وهذه هي طبيعة رجل الأعمال وهي حسن إدارة الأموال فلا يجب أن يظل أسير مشروع واحد فقط. ويدافع الطويل عن المستثمرين الأجانب قائلا انهم يفضلون غالباً المشروعات القائمة والناجحة عن تأسيس مشروعات جديدة لأن القائم أسهل في ادارتها وتطويرها وعادة ما تكون حققت نجاحا في السوق بينما المشروعات الجديدة تأخذ وقتا طويلاً في الإعداد والموافقات والاجراءات. في هذا الصدد يعلن الدكتور جلال غراب رئيس الشركة القابضة للأدوية أنه سيتم طرح شركة الجمهورية للأدوية للبيع بالكامل موضحا ان ذلك لا يمثل تراجعا عن استراتيجية الخصخصة في شركات الأدوية التي تتضمن احتفاظ الحكومة بنسبة 60% من أغلبية الأسهم مشيرا الى ان شركة الجمهورية لا تنتج أدوية بل تنتج المهمات والمستلزمات الطبية. ويشير على ان حدوث مثل تلك الصفقات تتواكب مع إنشاء مركز اقليمي للبحوث الدوائية كشركة مشتركة تضم في عضويتها الدول العربية المنتجة للدواء مثل مصر وسوريا والمغرب والجزائر والأردن في إطار اجراءات يتم اتخاذها حاليا لمواجهة الآثار السلبية للجات. القاهرة ـ مكتب (البيان) ـ حسين عبدالهادي