عندما يتم إجراء دراسات لسوق النفط والخروج بتوقعات عن تطور الأسعار بالسوق النفطية العالمية فإن التركيز ينصرف دائما إلى أساسيات السوق, ونعني بها : العرض, الطلب, مستويات المخزون, والقدرات الإنتاجية الإضافية غير المستغلة. لذا, فإنه من أجل تفسير الانهيار الكبير في أسعار النفط بالسوق العالمية والذي بلغ نحو 40% منذ شهر اكتوبر ,1997 لا يكل المحللون ولا يملون من التشديد على أن التراجع في الطلب العالمي على النفط تسببت فيه ضمن أشياء أخرى, الأزمة الآسيوية, الفائض المستمر في العرض, والمستويات المرتفعة للمخزون, هذا فضلا عن التنافس بين الدول المصدرة على الدفاع عن حصص كل منها في السوق. إن هذا المنحى في التعامل مع المشكلة لا يعد خاطئا كما هو واضح, لكنه يعتبر غير مكتمل, إذ لا يضع في حسابه كل العوامل التي تدفع الأسواق في اتجاه دون آخر. فأساسيات السوق لا تعد في واقع الأمر نتاجا لنسق تلقائي أو لقوانين الطبيعة الثابتة وغير القابلة للتغيير والتي تقع خارج نطاق سيطرة المشترين والبائعين, فبينما من الصحيح أن الطلب على النفط يمكن أن نصفه تجاوزا بأنه لا يتأثر بدرجة كبيرة بالسعر, كما أنه من الصعب التحكم فيه (على الأقل على المديين القصير والمتوسط), فإن الأمر نفسه لا ينطبق على العرض, فالدول المصدرة يمكنها زيادة أو خفض الإنتاج في أي وقت تريده. إن وزراء النفط وكبار المسؤولين التنفيذيين بصناعة النفط لا تغيب عنهم هذه الأمور, فمعظمهم, إن لم يكونوا كلهم, حاصلون على درجات من أبرز الجامعات وأشهرها, كما أن لديهم خبرات متراكمة من العمل ومن الطريقة التي تحكم أداء سوق النفط. كلهم يدركون جيدا أنه لكي يجنبوا دولهم وشعوبهم النتائج الكارثية للانهيار المستمر في أسعار النفط, فإنهم في حاجة لإحكام السدادة وإغلاق الصنبور حتى يتماشى العرض مع الطلب, وحتى يتراجع الفائض الكبير في المخزون النفطي لدى الدول المستهلكة الكبرى, وذلك كله بغرض إحداث انتعاش في الأسعار. تلك الأسعار التي انخفضت في قيمتها الفعلية بما يوازي مستوياتها في العام 1974. وهذا الانتعاش لازم لخفض العجز في ميزانيات دولهم ولضخ العوائد التي تحتاج إليها هذه الدول بشدة. لكن لماذا لا يفعلون ذلك؟ ولماذا يستمرون في القيام بعكس ما هو مطلوب بمواصلة تخطي الحدود المقررة للإنتاج وتعزيز الفائض الذي يبقي على الأسعار في مستوياتها المتدنية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكمن في اعتبارات لا يمكن إلا أن نصفها بالسياسية. وهناك سلسلة من هذه الاعتبارات ترتبط بالأهداف الوطنية المحددة. وهو ما يعني إصرار عدد من الدول المصدرة على إنتاج أكبر قدر ممكن من النفط حتى يكون بمقدورها امتلاك الحد الأقصى من التأثير بالسوق النفطية العالمية وبالساحتين الإقليمية والدولية السياسية أو لامتلاك أكبر حصة ممكنة من السوق النفطية بالعالم. ومع هذا, فإن تجارب السنين الطويلة الماضية أظهرت أنه مهما كانت دوافع مثل هذه السياسة, فلابد لها ـ إذا ما تم الإفراط فيها ـ من أن تؤدي إلى نتائج كارثية للدول المعنية مباشرة بهذا وكذلك بالمصدرين الآخرين للنفط والغاز. فضلا عن ذلك, فإن بعض الدول الخليجية التي تمتلك احتياطيات نفطية ضخمة تظن أن الأسعار المنخفضة يمكن أن تقف دون تطوير مناطق إنتاجية ومصادر أخرى للطاقة. لكن هذه النوعية من الحجج تكون ذات حدين لدرجة أن الأسعار شديدة الانخفاض, كما نرى حاليا, تهز الاقتصادات وكذا الاستقرار السياسي الاجتماعي لبعض الدول المصدرة. كذلك فإنها لا تضع في الحسبان حقيقة مهمة وهي أن الطلب العالمي على الطاقة ينمو بمعدل ثابت تقريبا, ولكي تفي بهذه الزيادة ستكون دول الشرق الأوسط مطالبة بأن تزيد طاقتها الإنتاجية بما يتجاوز الضعف ليصل حجم الإنتاج إلى 447 مليون برميل بحلول العام 2010. وهكذا, فالمشكلة في الوقت الراهن هي العثور على أسواق للكم الفائض الضخم من النفط, أما في المستقبل فإن المشكلة هي إيجاد النفط الكافي للوفاء باحتياجات المستهلكين. هناك عامل سياسي آخر أكثر أهمية وهو يتعلق بميزان القوى بين المنتجين والمستهلكين, أو بالأحرى بين الدول المصدرة الرئيسة والأخرى المستوردة الكبيرة, وبخاصة الولايات المتحدة. فواقع الأمر يقول إن كل الدول المصدرة للنفط تقريبا هي دول تنتمي إلى العالم الثالث, بينما الدول الأساسية المستوردة للنفط هي الدول الصناعية الكبرى, أي إن المجموعة الأخيرة من الدول أقوى وأكبر ثقلا بكثير من المجموعة الأولى, مهما كانت الزاوية التي ينظر منها إلى هذه وتلك. كذلك يقول واقع الأمر إن حجم التجارة النفطية يصل حاليا إلى 40 مليون برميل يوميا, وإن أي تغير في سعر البرميل بمقدار دولار واحد يستتبع زيادة أو نقصانا في قيمة هذه التجارة يبلغ نحو 146 مليار دولار في العام. وهكذا, فإن المصالح المتضمنة في هذه التجارة أكبر كثيرا من أن تأخذها أية دولة أو حكومة باستخفاف أو تهاون. ومن العجيب أن القليل بل أقل القليل يثار حول هذه المشكلة الكبيرة, ونعني بها ميزان القوى بين مصدري النفط ومستورديه, في الدراسات النفطية وفي التصريحات العامة التي تتناول مسألة الانخفاض الحاد في الأسعار. ويعود هذا إلى حقيقة مرة وهي أنه لأسباب واضحة تتصل بالشعور بالاعتزاز الوطني, يحجم المسؤولون في الدول النفطية عن الاعتراف بعدم قدرتهم على الالتزام بسياسات إنتاجية وتسعيرية تخدم مصالح بلادهم. ولأسباب على القدر نفسه من الوضوح, ليس من صالح الدول الصناعية أن تقف على الأسطح وتصيح بأعلى ما لديها من صوت بأنها هي الأقوى, وأنها هي التي تفرض (قوانين اللعبة) من خلال الضغط المباشر وغير المباشر وعند الضرورة من خلال التدخل العسكري. وتقدم أزمة الخليج والموقف الناتج عنها مثالا واضحا لذلك. إن تحييد العراق, والذي كان قبل غزوه للكويت ينادي بضرورة أن يكون سعر برميل نفط الأوبك 25 دولارا للبرميل, وكذلك إبقاء القوات الأمريكية في منطقة الخليج أسهم بدرجة كبيرة في الانخفاض المستمر في أسعار النفط منذ العام ,1991 ثم في انهيار هذه الأسعار منذ شهر اكتوبر من العام قبل الماضي. ولقد لخص وزير الطاقة الأمريكي الأسبق جيمس شليزنجر الموقف جيدا عندما صرح في سبتمبر 1992 قائلا بينما هو لايزال في موقعه: (إن ما تعلمه الأمريكيون من حرب الخليج هو أنه من الأسهل كثيرا والأشد متعة أن (تضرب) في الشرق الأوسط بدلا من أن تقدم أية تضحيات للتقليل من اعتماد أمريكا على النفط المستورد. ومن يعرفونني جيدا يدركون أنني لا يمكن لي مطلقا أن أقول ما قلته في العبارات السابقة ما لم يكن ذلك مسموحا به على أعلى مستويات الإدارة الأمريكية) . وإخفاء هذا الجانب السياسي من مشكلة انخفاض الأسعار يترك علامة استفهام كبيرة معلقة في السيناريوهات التي تطرح هنا وهناك بغرض تفسير أو تبرير الانهيار الكبير وربطه فقط بأساسيات السوق. وهكذا, فإنه تجنب الخوض في مسألة ميزان القوى السياسية أو اعتبار أن هذا التوازن لا علاقة له بما يسمى بقوى السوق يتطلب قدرا وافرا من التجاهل المتعمد. وخلال الأشهر المقبلة والأعوام القليلة التالية, سيكون لزاما الوفاء بشرطين رئيسيين حتى يحدث انتعاش كبير ومستدام في الأسعار لتصل إلى مستوى 18 دولارا للبرميل, والشرط الأول هو حدوث تغيير في الميزان الحالي للقوى لتميل الكفة ناحية الدول المصدرة نتيجة لأحداث أو تقلبات غير منظورة. والشرط الثاني هو اتفاق بين دول الأوبك والدول غير الأعضاء بالمنظمة على خفض في حجم الإنتاج يتراوح بين مليون ومليون ونصف المليون برميل يوميا خلال العام الجاري. يبقى أن نرى إذا ما كانت هذه الدول ستمتلك الإرادة الفعلية للقيام بذلك أم أنها ستفشل كما يحدث دائما. لكن عدم الوفاء بشرط أو آخر من الشرطين السابقين سيعني فقط مواصلة أسعار النفط مراوحتها لمكانها بين 10 و12 دولارا, بل إنها يمكن أن تتدهور أكثر من ذلك إذا ما جاء هذا الشتاء معتدلا كسابقه.